قال الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن إن الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر لا يمكن فصلها عن طبيعة المجال السياسي وآليات صناعة القرار، معتبرًا أن الاقتصاد لا يستطيع تحقيق نجاح مستدام في بيئة لا تسمح بالنقد وتعدد الآراء ودراسة البدائل قبل اتخاذ القرارات.

وخلال حوار مطول تناول العلاقة بين السياسة والاقتصاد وتجربة ثورة 25 يناير ومسار الحياة السياسية المصرية، أكد عمار علي حسن أن الدولة لا ينبغي أن تضع مقدراتها في يد شخص واحد، وأن وجود مؤسسات حقيقية تسمح بالنقاش والاختلاف يمثل ضرورة سياسية واقتصادية في الوقت نفسه. نص ملصق

وأوضح أن نجاح الاقتصاد يرتبط بوجود مساحة تسمح بطرح الآراء وإجراء دراسات الجدوى والمفاضلة بين البدائل، مشيرًا إلى أن عملية صناعة القرار نفسها تقتضي وجود أكثر من تصور قبل اختيار المسار الذي تراه الدولة مناسبًا للتنفيذ.

وأضاف أن هذه المساحة ينبغي أن تكون متاحة، في النظم الديمقراطية، أمام مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والإعلام والمواطنين، مؤكدًا أنه حتى في النظم السياسية الأكثر انغلاقًا يجب، على الأقل، أن تكون هناك إمكانية حقيقية للنقد داخل دوائر صناعة القرار.

واستشهد بالتجربة الصينية، موضحًا أن النظام السياسي هناك، رغم طبيعته، يتيح نقاشات داخل الحزب الشيوعي ومؤسسات الدولة، معتبرًا أن الاستماع إلى الآراء المختلفة يمثل جزءًا من عملية اتخاذ القرار، ولا يمكن اختزال نجاح بعض التجارب الاقتصادية في فكرة «الاستبداد من أجل التنمية».

وقال إن الاقتصادات التي تعرضت لانهيارات كبيرة ارتبط كثير منها بنظم حكم مغلقة، بينما تمتلك النظم الأكثر انفتاحًا، بحسب رؤيته، قدرًا أكبر من المرونة يسمح لها بالتعامل مع الأزمات واستعادة قدرتها على النمو.

الاقتصاد المصري و«أسطورة سيزيف»

وتوقف عمار علي حسن أمام التجربة الاقتصادية المصرية، مستشهدًا بكتاب للخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار يتناول مسار الاقتصاد المصري على مدار قرنين، من عهد محمد علي وحتى حسني مبارك.

وشبّه مسار الاقتصاد المصري بـ«أسطورة سيزيف» اليونانية، حيث يحمل الرجل صخرة إلى أعلى الجبل، وقبل وصوله إلى القمة تسقط ليبدأ المحاولة من جديد، معتبرًا أن مصر شهدت بالفعل فترات من النمو والطفرات الاقتصادية، لكنها لم تتمكن من تحويلها إلى مسار تنموي مستدام.

ورأى أن الأسباب السياسية، سواء المرتبطة بالسياسات الداخلية أو الضغوط الخارجية، لعبت دورًا أساسيًا في عدم قدرة الاقتصاد المصري على الخروج بصورة نهائية من دائرة الأزمات المتكررة.

وفرّق بين «النمو» و«التنمية»، موضحًا أن تحقيق معدلات نمو مرتفعة لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع جميع المواطنين، خصوصًا إذا جاء النمو نتيجة الاقتراض أو أنشطة لا تؤدي إلى زيادة حقيقية في الإنتاج، أو إذا ذهبت ثماره إلى فئات محدودة دون بقية المجتمع.

عمار علي حسن: السياسة كانت وراء انفجار يناير رغم النمو الاقتصادي

وتناول عمار علي حسن السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الراحل حسني مبارك، موضحًا أن الاقتصاد كان يسجل معدلات نمو، وأن هامشًا من حرية الصحافة والعمل العام كان موجودًا مقارنة بمراحل لاحقة، إلا أن ذلك لم يمنع اندلاع ثورة 25 يناير.

وقال إن أسبابًا سياسية لعبت الدور الأكبر في تصاعد الغضب، وفي مقدمتها انتخابات مجلس الشعب عام 2010 وما شابها من اتهامات واسعة بالتزوير، إلى جانب الحديث عن توريث الحكم، وطبيعة المجموعة المحيطة بجمال مبارك، وسياساتها الاقتصادية، والتضييق على الأحزاب والمجتمع المدني.

وأضاف أن الوضع المادي لقطاعات من المصريين عشية يناير 2011 كان، وفق ما يسمعه من المواطنين، أفضل من أوضاعهم الحالية، ومع ذلك اندلعت الثورة، وهو ما يراه دليلًا على أن الاستقرار الاقتصادي النسبي لا يستطيع بمفرده منع الانفجار السياسي.

وأشار إلى أن جزءًا مهمًا من المشاركين الأوائل في ثورة يناير جاء من الطبقة الوسطى، ومن بينهم جامعيون ومتعلمون لم تكن دوافعهم مرتبطة فقط بالحصول على الطعام أو الاحتياجات الأساسية، وإنما بقضايا الحرية والكرامة والمشاركة السياسية.

وقال إن الرئيس مبارك لو تعامل سياسيًا مع أزمة انتخابات 2010 ورفض نتائجها وأعاد الانتخابات، لكان من الممكن، وفق تقديره، احتواء جانب كبير من حالة الغضب وتجديد شرعية النظام وتجنب المسار الذي انتهى إلى الثورة.

«لا يمكن تحميل يناير كل الأزمة الاقتصادية»

ورفض عمار علي حسن تحميل ثورة يناير المسؤولية الكاملة عن الأزمة الاقتصادية التي شهدتها مصر خلال السنوات التالية، رغم إقراره بأن أي اضطراب اجتماعي واسع تكون له تكلفة اقتصادية.

وأوضح أن مرور نحو 15 عامًا على الثورة، ونحو 13 عامًا على تولي السلطة الحالية إدارة البلاد، يمثل فترة زمنية كافية، من وجهة نظره، لتجاوز التداعيات الاقتصادية المباشرة للاضطرابات التي صاحبت الثورة إذا توافرت خطة اقتصادية محكمة.

وأضاف أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد مادية، وإنما تشمل كذلك عناصر القوة المعنوية والرمزية، معتبرًا أن صورة مصر دوليًا عقب ثورة يناير وتنحي مبارك كانت تمتلك قيمة سياسية ومعنوية كبيرة كان يمكن توظيفها لمصلحة الاقتصاد.

ورأى أن الصراع الذي اندلع لاحقًا حول السلطة، ومحاولات إجهاض مسار الثورة تحت شعار تثبيت الدولة، أدت إلى إهدار جانب من هذه الفرصة.

عمار علي حسن: كان يجب الفصل بين يناير وتجربة الإخوان

وتناول عمار علي حسن تجربة جماعة الإخوان المسلمين بعد الثورة، معتبرًا أنه كان من الخطأ الربط بين مواجهة الجماعة ومواجهة ثورة يناير نفسها.

وقال إن الإخوان شاركوا في الثورة في مرحلة لاحقة، ثم قدموا أنفسهم باعتبارهم ممثلين لها بعد وصول محمد مرسي إلى الرئاسة، وهو ما أدى لاحقًا، بحسب رؤيته، إلى اختلاط مسار مقاومة الإخوان بمسار مقاومة الثورة.

وأضاف أن جماعة الإخوان، وفق قراءته، لا تنظر إلى الثورة باعتبارها أداتها الأساسية للوصول إلى السلطة، وإنما تعتمد على التدرج التنظيمي وصولًا إلى «التمكين»، معتبرًا أن الثورة التي تمنح المجتمع فرصة التعبير المباشر عن نفسه لا تتطابق بالضرورة مع هذا التصور التنظيمي.

وفي المقابل، قال إن المؤسسة العسكرية، مثل مختلف المؤسسات العسكرية في العالم، تقوم بطبيعتها على التنظيم وتسلسل الأوامر والانضباط، ولذلك تنظر إلى الثورة بما تحمله من اضطراب وعدم انتظام باعتبارها أمرًا مقلقًا.

واقترح عمار علي حسن تجاوز الخلاف حول توصيف أحداث يناير بالتركيز على مضمونها، قائلًا إنه يمكن وصفها بأنها انعقاد إرادة قطاع واسع من المصريين على تغيير الأوضاع والارتقاء بالأحوال في مختلف المجالات.

انتقاد التعامل مع التيار المدني

وانتقد عمار علي حسن ما وصفه بسياسات متراكمة اتبعتها السلطات المصرية في التعامل مع القوى السياسية، معتبرًا أن الدولة لجأت في مراحل مختلفة إلى توظيف جماعة الإخوان أو التفاهم معها، في مقابل ممارسة ضغوط مستمرة على التيار المدني بمختلف اتجاهاته اليسارية والليبرالية والوطنية. نص ملصق

وقال إن القوى المدنية تطالب بالتعددية واحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان وتداول السلطة، بينما امتلك التنظيم الإخواني، بحسب رؤيته، قدرة أكبر على الدخول في تفاهمات مرحلية مع السلطة لتحقيق أهدافه التنظيمية.

وأشار إلى أن الحركات الاجتماعية والجمعية الوطنية للتغيير ومنظمات المجتمع المدني وجماعات المثقفين وحركات مثل «كفاية» لعبت أدوارًا رئيسية في المشهد السابق لثورة يناير.

واستشهد بنتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أعقبت الثورة، معتبرًا أن نجاح عدد من الشخصيات المدنية في انتخابات مجلس الشعب عام 2012 أظهر أن المجال السياسي المصري كان قادرًا على إنتاج بدائل مدنية إذا أُتيحت لها فرصة التنظيم والعمل.

كما أشار إلى نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية عام 2012، معتبرًا أن توزيع الأصوات بين محمد مرسي وأحمد شفيق وحمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح وعمرو موسى أظهر تعدد الاتجاهات داخل المجتمع، وأنه لا يمكن اختزال المشهد المصري كله في جماعة سياسية واحدة.

«الشعب ليس عاجزًا عن الاختيار»

وأكد عمار علي حسن ثقته في قدرة المصريين على الاختيار السياسي إذا أُتيحت أمامهم بدائل حقيقية، مشيرًا إلى أنه يتحدث باستمرار مع مواطنين من شرائح اجتماعية مختلفة بحكم عمله باحثًا اجتماعيًا وروائيًا.

وقال إن المصريين «مش عبيطة» ولن يكرروا بالضرورة أخطاء الاختيار السابقة، معتبرًا أن الشعب يمتلك خبرة سياسية تراكمت عبر مراحل وتجارب مختلفة.

وتناول في هذا السياق الاتهامات التي تربط ثورة يناير بتدريب مجموعات من الشباب في الخارج أو اتصالات بعض النشطاء بسفارات أجنبية، معتبرًا أنه حتى بافتراض وجود أفراد بهذه المواصفات فإنهم يمثلون «قطرة في بحر الشعب المصري»، وأن نزول الجماهير إلى الشوارع لم يكن ليحدث لولا وجود مطالب حقيقية دفعت الناس إلى المشاركة.

وتطرق إلى ملفات تتعلق بالأقباط والنوبيين وغيرها من القضايا التي شهدت نقاشًا سياسيًا خلال السنوات الماضية، محذرًا من اختزال المجتمع المصري في ملفات محدودة أو التعامل مع مطالب المواطنين باعتبارها نتاج تحركات خارجية.

الحرية والاستقرار الاقتصادي

ورفض عمار علي حسن وضع الحرية والاستقرار في مواجهة بعضهما، معتبرًا أن التجربة المصرية أثبتت أن الاعتماد على القبضة الأمنية وحدها لا ينتج استقرارًا دائمًا.

وقال إن مصر جربت خلال سنوات ما وصفه بسياسة «العنف»، لكنها انتهت، وفق تقييمه، إلى وضع اقتصادي صعب ومشهد أمني وإقليمي بالغ الحساسية، متسائلًا عن جدوى الاستمرار في المسار نفسه. نص ملصق

وأضاف أن وجود معارضة حقيقية داخل البرلمان وحرية للصحافة ومجال سياسي أكثر انفتاحًا كان من الممكن أن يؤثر في طبيعة القرارات الاقتصادية والسياسية التي اتخذت خلال السنوات الماضية.

ورأى أن الدولة تحتاج إلى آليات مؤسسية تتيح تصحيح الأخطاء قبل تحولها إلى أزمات، لأن تعدد الآراء داخل دوائر القرار ليس تهديدًا للدولة، وإنما وسيلة لتحسين قدرتها على اتخاذ القرارات.

«مصر لم تنجز عقدًا اجتماعيًا بين السلطة والمجتمع»

وفي الجزء الأخير من الحوار، انتقل عمار علي حسن إلى الحديث عن مستقبل الحياة السياسية، معتبرًا أن مصر مرت بمراحل مختلفة، من وجود الأحزاب والحركة الوطنية إلى التنظيم السياسي الواحد، ثم التعددية المقيدة وأشكال أخرى من التعددية، لكنها لم تصل بعد، بحسب رأيه، إلى نموذج ديمقراطي مستقر.

وقال إن المجتمع المصري لم ينجز حتى الآن «عقدًا اجتماعيًا بين السلطة والمجتمع» يحدد بصورة مستقرة الحقوق والواجبات وقواعد ممارسة السلطة.

ورغم ذلك، شدد على ضرورة عدم اليأس من إمكانية بناء مستقبل سياسي أفضل، مؤكدًا أن التخلي عن حلم الحرية والعدالة وتداول السلطة سيجعل الحياة العامة أكثر صعوبة.

وتحدث المحاور عن تجربة ميدان التحرير خلال ثورة يناير، واصفًا إياها بلحظة استثنائية شعر خلالها المشاركون بدرجة من الحرية لم يعيشوها قبل ذلك أو بعده، فيما أكد عمار علي حسن أن الوصول إلى مجتمع يقوم على الحق والحرية والعدل وسيادة القانون يحتاج إلى مسار طويل.

وقال إن الطفل في المجتمعات الديمقراطية يولد وقد أصبحت كثير من هذه الحقوق جزءًا طبيعيًا من حياته، فيتفرغ بعد ذلك للتفكير في نجاحه الفردي، وهو نجاح يتحول في النهاية إلى نجاح جماعي للمجتمع.

عمار علي حسن: الحرية تحتاج إلى نضال سلمي طويل

وأكد عمار علي حسن أن الحرية لا تأتي من تلقاء نفسها، وإنما تحتاج إلى «نضال سلمي على المدى البعيد»، داعيًا كل مواطن إلى القيام بدوره في حدود قدرته.

واستشهد بقصة «طائر اللقلق» الذي شاهد حريقًا في الغابة، فحمل بضع قطرات من الماء وأسقطها على النيران، وعندما سخر منه الفيل لأن القطرات لن تطفئ الحريق، أجابه الطائر: «أنا أؤدي واجبي».

واعتبر عمار علي حسن أن المغزى من القصة يتمثل في قيام كل شخص بما يستطيع، سواء بإتقان عمله، أو اجتهاد الطالب في دراسته، أو قيام الأب بدوره في تربية أبنائه، أو مشاركة المواطن في الانتخابات والتصويت لمن يراه مستحقًا بإرادته الحرة.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الطريق نحو دولة أكثر حرية وعدلًا وسيادة للقانون قد يكون طويلًا، لكنه يرى أن استمرار المجتمع في المطالبة السلمية بحقوقه، وفتح المجال السياسي أمام التعدد والنقد، يمثلان شرطين أساسيين لبناء دولة أكثر استقرارًا واقتصاد أكثر قدرة على الاستمرار.