أحيانًا يكون للتأجيل صوت أعلى من القرار، وللصمت بين جلستين دلالات أكثر مما تحمله ساعات المناقشة.
وهذا ما حدث مساء الاثنين، حين قرر مجلس النواب تأجيل استكمال مناقشاته بشأن تفويض الرئيس في اتخاذ إجراءات عسكرية دفاعية لمساندة المملكة العربية السعودية، إذا طلبت ذلك، إلى الاثنين السادس والعشرين من أكتوبر.
في رسالتي الأولى إلى البرلمان، تحدثت عن واجب النواب قبل اتخاذ قرار تتعلق به دماء المصريين وأمنهم. وفي الثانية استدعيت شهادات من مضابط البرلمانات الملكية. أما الثالثة، فأخصصها لما أثاره التأجيل من تساؤلات، وما ينبغي أن يتحول إليه الأسبوع الفاصل بين الجلستين من بحث ومعرفة ومسؤولية.
بدأت الأحداث بتصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي، يوم السبت السابع عشر من أكتوبر، عن استعداد مصر للدفاع عن المملكة إذا طلبت ذلك، ثم اجتماع مجلس الدفاع الوطني صباح الأحد، وانعقاد البرلمان عصر اليوم نفسه، واستكمال مناقشاته الاثنين، قبل إرجاء الحسم أسبوعًا كاملًا.
وهنا مفارقة تستحق التأمل: كيف يصبح الأمر عاجلًا إلى حد استدعاء البرلمان على عجل، ثم يحتمل الانتظار سبعة أيام؟
بين مشروعية التأجيل وفلسفة الاستعجال
الدستور، في مادته مائة وست عشرة، يجيز اجتماع مجلس النواب اجتماعًا غير عادي لنظر أمر عاجل، وتنظم المادة مائتان وخمس وسبعون من لائحته الداخلية هذا الانعقاد. أما المادة مائة وثلاثون، فتنص على أن الموافقة على إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود تكون في جلسة سرية عاجلة، بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني.
صحيح أن الجلسات الحالية انعقدت خلال دور الانعقاد العادي، وليست اجتماعًا غير عادي بالمعنى الدستوري الدقيق، وصحيح أيضًا أن المادة مائتين وسبعًا وسبعين تجيز تأجيل الجلسات دون وضع حد أقصى عام للتأجيل.
إذن، لسنا أمام مخالفة دستورية ثابتة، بل أمام تساؤل عن الاتساق بين الاستعجال الذي استدعى الجلسات والتأجيل الذي أوقف استكمالها.
فالفارق كبير بين أن يكون التأجيل جائزًا قانونًا، وأن يكون مبررًا سياسيًا ومنطقيًا.
ولو كنت مكان المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، وكان الهدف من التأجيل استكمال المعلومات وتوسيع الحوار، لما اكتفيت برفع الجلسات أسبوعًا، بل أبقيت المجلس في حالة انعقاد، وأرجأت التصويت وحده حتى تنضج المناقشات.
كنت سأتيح للنواب وقتًا أوسع، وأستدعي الوزراء وممثلي الجهات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية المختصة، وأكلف اللجان باستكمال الدراسة، في جلسات عامة أو سرية، وفق مقتضيات الأمن القومي.
فاللائحة نفسها تمنح اللجان أدوات طلب المعلومات واستدعاء المسؤولين والاستماع إلى إيضاحاتهم.
إذا كنا نحتاج إلى معرفة أكثر، فلماذا لا يستمر طلبها؟ وإذا كنا نحتاج إلى حوار أعمق، فلماذا تتوقف جلساته؟
لا أعلم إن كانت مشاورات أو اجتماعات غير معلنة ستجري خلال هذا الأسبوع، ولا أنفي وجود أسباب وجيهة لم تُكشف بعد. لكن ما أُعلن هو تأجيل استكمال الجلسات العامة، بينما يظل القرار معلقًا.
وهذا يثير لدي تساؤلًا عن الشيء الذي ننتظره تحديدًا، دون أن أملك تفسيرًا أستطيع الجزم به.
حين تتكلم مضابط التاريخ
ولأنني لا أحب أن أحاكم الحاضر بمعزل عن ذاكرة المؤسسات، عدت إلى أرشيف البرلمان الملكي المحفوظ بجامعة طوكيو، وإلى الوثائق التي أرفق صورًا منها مع هذا المقال.
في نوفمبر عام ألف وتسعمائة وستة وثلاثين، انعقد مجلس النواب في دورة غير عادية لمناقشة المعاهدة المصرية البريطانية، وعقد خمس جلسات بين الثاني والتاسع عشر من الشهر، شهدت مناقشة مشروع القانون المتعلق بها والتصويت عليه.
ومن الوثائق المرفقة صورة غلاف المجلد الرسمي الصادر عن مجلس الشيوخ، الخاص بالقانون رقم ثمانين لسنة ألف وتسعمائة وستة وثلاثين، بالموافقة على معاهدة الصداقة والمحالفـة بين مصر وبريطانيا العظمى، والمطبوع بالمطبعة الأميرية ببولاق سنة ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين.
واللافت أن المجلد لم يقتصر على نص المعاهدة، بل ضم وثائق المفاوضات والمحادثات السابقة، وأوراقًا تتصل بتطور العلاقة بين البلدين منذ مطلع القرن العشرين.
إنها ليست مضبطة جلسة بعينها، وإنما وثيقة تذكرنا بأن القرارات المصيرية لا تولد لحظة التصويت، بل تسبقها أوراق ومفاوضات ومواقف ينبغي أن تكون معلومة لمن يتحمل مسؤوليتها.
وأرفق كذلك صورة صفحات من مضبطة برلمانية قديمة، لا أنسبها إلى جلسة محددة لعدم وضوح بياناتها كاملة، لكنها تكشف تقاليد تسجيل المداخلات والأسئلة والردود، وهي تقاليد تستحق أن نستعيد قيمتها لا أن نكتفي بتأمل صورتها.
وفي أكتوبر عام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين، عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، انعقد البرلمان استثنائيًا لمناقشة إجراءات الطوارئ والأحكام العرفية، وعقد ست جلسات بين الثاني والثاني عشر من أكتوبر، وتكشف الوثائق عن تقرير للجنة الأحكام العرفية عُرض في جلسة الحادي عشر من الشهر.
أما في سبتمبر وأكتوبر عام ألف وتسعمائة وخمسين، فتثبت المضابط وجود فواصل زمنية بين جلسات انعقاد غير عادي، بما يؤكد أن التأجيل في ذاته ليس أمرًا بلا سابقة.
وفي العشرين من يوليو عام ألفين وعشرين، ناقش مجلس النواب الحالي آنذاك تفويض إرسال قوات في مهام قتالية خارج الحدود، في الاتجاه الاستراتيجي الغربي، وأصدر موافقته في اليوم نفسه.
هذه السوابق لا تفرض قاعدة واحدة لمدة المناقشات، ولا تجعل السرعة فضيلة في كل الأحوال.
لكنها تطرح السؤال الأهم: ماذا يفعل البرلمان بالوقت الذي يفصل بين جلساته؟
فالزمن لا يصبح دليلًا على التروي لمجرد امتداده، وإنما بقدر ما يضيفه من معلومات وضمانات ومراجعة.
عشرة أسئلة تبدأ بالشرعية وتنتهي بالمسؤولية
في رسالتي الأولى طرحت عشرة أمور ينبغي التثبت منها قبل التصويت. واليوم أجدد رجائي إلى رئيس المجلس والسادة النواب باستثمار أيام التأجيل في استكمال الإجابة عنها، دون افتراض أن شيئًا منها لم يُناقش بالفعل في الجلسات السرية.
وتبدأ الأسئلة من أصل القرار، ثم تنتقل إلى حدوده وكلفته ومآله.
أولًا: الطلب والسند القانوني. هل تلقت القاهرة طلبًا سعوديًا رسميًا؟ ومتى؟ وما طبيعة الاعتداء المطلوب التصدي له؟ وهل يستند التدخل المقترح إلى أحكام الدفاع الشرعي في ميثاق الأمم المتحدة ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، مع استيفاء رأي مجلس الدفاع الوطني في المهمة المحددة؟
ثانيًا: الهدف العسكري. ما الذي تسعى المهمة إلى تحقيقه تحديدًا؟ حماية الأراضي والمنشآت السعودية، أم تأمين الممرات البحرية، أم صد هجمات بعينها؟ وما المعيار الذي يُعلن عند تحققه انتهاء المهمة؟
ثالثًا: النطاق الجغرافي. هل تنحصر العمليات داخل الأراضي السعودية ومجالها الجوي ومياهها الإقليمية، أم يمكن أن تمتد إلى دول أخرى؟ وأين ينتهي الدفاع عن المملكة، وأين تبدأ احتمالات الانخراط في حرب إقليمية؟
رابعًا: طبيعة المشاركة وحجمها. هل يتعلق الأمر بدعم فني ولوجستي واستخباراتي، أم بدفاع جوي وبحري وقوات برية قتالية؟ وما حجم المشاركة وحدود المهام المسموح بها؟
وإذا اتضحت شرعية المهمة وأهدافها وحدودها، انتقلنا إلى أسئلة الزمن والقرار والسيادة.
خامسًا: مدة التفويض. هل سيكون محددًا بأجل ومراجعة دورية، أم مفتوحًا؟ وما الضمانة التي تمنع تحوله إلى التزام عسكري ممتد بعد زوال أسبابه؟
سادسًا: شروط الانسحاب. من يملك قرار إنهاء المشاركة؟ وهل تستطيع مصر استعادة قواتها بإرادتها المستقلة؟ فالحروب التي يسهل الدخول إليها لا يسهل دائمًا الخروج منها.
سابعًا: القيادة والمسؤولية. من يقود القوات المصرية؟ وما موقعها داخل أي قيادة مشتركة؟ وهل تظل قراراتها العملياتية خاضعة للسلطات المصرية المختصة، دون توسع غير مأذون به في مهامها؟
ثم تأتي الأسئلة التي يتحمل فيها البرلمان مسؤوليته المباشرة أمام الشعب والتاريخ.
ثامنًا: التكلفة والمخاطر. ما التقديرات البشرية والعسكرية والمالية؟ وما أثر المشاركة على جاهزية الجيش وحماية الحدود وأمن البحر الأحمر وقناة السويس؟ وما ضمانات حماية الجنود ورعاية المصابين وأسر الشهداء؟
تاسعًا: الرقابة البرلمانية. هل تلتزم الحكومة بتقديم تقارير دورية، والعودة إلى المجلس إذا تغير نطاق المهمة أو طبيعتها أو مدتها؟ فالتفويض ليس تنازلًا عن حق الرقابة.
عاشرًا: القانون الدولي والبدائل السلمية. ما ضمانات احترام الضرورة والتناسب وحماية المدنيين؟ وهل استُنفدت فرص الوساطة والتفاوض قبل الوصول إلى الخيار العسكري؟
ليست هذه الأسئلة محاولة لتعطيل الدفاع عن الأشقاء، ولا دعوة مسبقة للموافقة أو الرفض.
إنها محاولة للتثبت من أن القرار يستند إلى معرفة كاملة، وأن التفويض لا يتحول إلى موافقة بلا حدود.
فالبرلمان الذي يمنح السلطة حق اتخاذ القرار، لا ينبغي أن يتنازل عن واجبه في معرفة حدوده ومراجعة نتائجه.
الوديعة السعودية.. سؤال مالي مستقل
بعيدًا عن التقدير الدستوري والعسكري، يظل هناك ملف مالي يستحق الإيضاح، دون افتراض وجود صلة بينه وبين تأجيل البرلمان.
فوفق البيانات المنشورة للبنك المركزي المصري، يحل خلال أكتوبر الجاري موعد استحقاق وديعة سعودية تبلغ قيمتها الأصلية خمسة مليارات وثلاثمائة مليون دولار، فضلًا عن فوائدها المستحقة.
وقد تحدثت تقارير عن احتمالات تجديد الوديعة أو تحويلها إلى استثمارات، دون أن أقف حتى كتابة هذه السطور على إعلان رسمي نهائي يحسم مصيرها.
من حق الرأي العام معرفة ما إذا كانت قد سُددت أو جُددت أو أُعيد ترتيب آجالها.
أما الربط بين هذا الاستحقاق المالي وتوقيت مناقشات البرلمان، فلا أملك دليلًا عليه، ولا أرى أن مجرد التزامن يصلح قرينة على وجود علاقة بين الملفين.
فالشفافية المالية واجب مستقل، واستقلال القرار العسكري واجب آخر، ولا ينبغي الخلط بينهما دون سند.
ولماذا لا يستمع البرلمان إلى شيخ الأزهر؟
وأعود إلى السؤال العاشر، المتعلق بالبدائل السلمية، لأطرح اقتراحًا عمليًا أراه جديرًا بأن يكون على جدول أعمال البرلمان خلال أسبوع التأجيل.
ففي الأحد الثامن عشر من أكتوبر، دعا الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إلى تشكيل لجنة وساطة عاجلة من حكماء الأمة وعقلائها، للعمل على وقف الحروب والصراعات بالمنطقة، وتقريب وجهات النظر وفتح مسارات للتسوية السلمية.
وفي مساء اليوم نفسه، أصدر حزب غد الثورة الليبرالي المصري بيانًا يؤيد المبادرة، ويدعو إلى تشكيل لجنة الحكماء خلال اثنتين وسبعين ساعة، والسعي إلى تهدئة توقف الضربات المتبادلة، تمهيدًا لمفاوضات جادة بضمانات وآليات تنفيذ واضحة.
ولم يكتف بيان الحزب بالترحيب الأخلاقي، بل طرح خطوات عملية للاتصال بالأطراف، ووقف استهداف المدنيين، واحترام سيادة الدول، وبناء الثقة قبل التفاوض.
وهنا أسأل: لماذا لا تبادر لجنة العلاقات الخارجية، أو لجنة مشتركة بينها وبين لجنة الشؤون الدينية والأوقاف، إلى دعوة شيخ الأزهر للاستماع إلى مبادرته؟
لم أقف على إعلان يفيد بتوجيه مثل هذه الدعوة، ولا أعلم إن كانت اتصالات غير معلنة قد جرت بالفعل.
لكنني أرى أن الاستماع إلى الإمام الأكبر، ولو في جلسة مغلقة، سيكون إضافة مهمة لتقدير البدائل المتاحة.
فإذا كان البرلمان يستمع إلى المسؤولين العسكريين لتقدير متطلبات المشاركة في الحرب، فلماذا لا يستمع إلى أصحاب المبادرات السلمية لتقدير فرص منع اتساعها؟
إن الأزهر مؤسسة وطنية ودينية عريقة، تملك مكانة معنوية يمكن أن تسند الدبلوماسية المصرية والعربية، دون أن تزاحم مؤسسات الدولة في اختصاصاتها.
ولست أقول إن مبادرته قادرة وحدها على إنهاء الصراع، بل أقول إن من واجبنا اختبار فرص السلام بالجدية نفسها التي ندرس بها احتمالات الحرب.
إننا لا نطلب من البرلمان كشف الأسرار العسكرية أو خرائط العمليات، بل أن يحصل ممثلو الشعب على المعرفة اللازمة لتحمل مسؤولياتهم، وأن تسجل المضابط ما أثير من أسئلة وتحفظات وآراء، ولو بقي بعضها سريًا لحماية الأمن القومي.
ولعل الوثائق التي أرفقتها تذكرنا بأن ما نراه اليوم صفحات اصفرّت بفعل الزمن، كان يومًا كلمات حية وقرارات ومواقف حمل أصحابها مسؤوليتها.
فالمضابط ليست مقابر للكلمات، بل ذاكرة للمسؤولية، تحفظ ما قيل، وما اعتُرض عليه، وما كان ينبغي أن يقال.
ولا ننسى مواقف المملكة العربية السعودية إلى جانب مصر، ولا نستخف بحقها المشروع في حماية أمنها وأرضها وشعبها. لكن الوفاء بين الأشقاء لا يلغي استقلال القرار الوطني، والتضامن لا يعفي من التقدير والمساءلة.
كما لا ينبغي أن تغيب عن ذاكرتنا تجربة مصر في اليمن خلال الستينيات، وما خلفته من أثمان بشرية وعسكرية وسياسية، ولا تجربتها المختلفة في تحرير الكويت مطلع التسعينيات.
فالتاريخ لا يقدم وصفة واحدة لكل حرب، لكنه يعلمنا أن وضوح الهدف وحدود المهمة وضمانات الخروج منها ليست تفاصيل، بل شروط لحماية الوطن وجنوده.
إن المادة مائة واثنتين وخمسين من الدستور لم تجعل موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على إرسال القوات في مهمة قتالية خارج الحدود إجراء شكليًا، بل ضمانة جوهرية.
وقيمة هذه الضمانة لا تقاس بعدد الأيدي التي ترتفع للموافقة، بل بمدى معرفة أصحابها بما يوافقون عليه.
فالتاريخ لا يحاسب البرلمانات على القرارات التي اتخذتها وحدها، بل على الأسئلة التي كان ينبغي أن تطرحها قبل اتخاذها.
وأختم رسالتي الثالثة بتذكير السادة النواب بأن الأسبوع الذي يفصلهم عن الجلسة المقبلة ليس منحة مجانية من الزمن، بل مسؤولية إضافية.
لا أطالبكم بالرفض قبل أن تعرفوا، ولا بالموافقة قبل أن تسألوا. أطالبكم فقط بأن تكون أصواتكم ملكًا لضمائركم، لا صدى لقرار سبق اتخاذه.
فمن حق السعودية أن تجد مصر إلى جوارها، ومن حق مصر أن تعرف إلى أين يذهب أبناؤها، ولماذا، وإلى متى.
اجعلوا من التأجيل فرصة للمعرفة، لا استراحة من المسؤولية.
فالوقت الذي نمضيه في السؤال قبل الحرب، قد يوفر علينا سنوات من البحث عن إجابات بعدها. نص Markdown ملصق







