في الجنوب السوري، على هضبة بركانية شاسعة، تقف مدينة لا تتعجل الزمن ليست مدينة صاخبة، ولا تلك التي تبيع تاريخها في لافتات مضاءة لكنها، بمجرد أن تطأها، تدرك أنك لست في مكان عادي.

السويداء، أو “سؤادا” كما عرفها القدماء، مدينة تشبه متحفاً مفتوحاً لا سقف له ولا جدران، تمشي فيه بين أعمدة نبطية وكنائس بيزنطية وحجارة بازلتية سوداء تحفظ أسراراً عمرها آلاف السنين .

ما إن تدخل أزقة المدينة القديمة حتى يلفك شعور غريب بأنك تعبر طبقات الزمن دفعة واحدة تقول المصادر الأثرية إن تاريخ السكن في هذا الموقع يعود إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وإن المدينة مرت عليها حضارات الكنعانيين والآراميين والأنباط والرومان والبيزنطيين، وكل منها ترك بصمته على الحجر .

في الحي الشمالي الغربي، كُشف عن سور المدينة وقلعتها وقصر الحاكم وعناصر سكنية كنعانية وآرامية، بينما يضم الحي الشرقي المعبد النبطي وبركة الحج التي تعود إلى نهاية العصر الهلنستي .

لكن ما يميز السويداء حقاً ليس فقط ما هو ظاهر، بل ما تحكيه الكتابات في متحفها الصغير، ثمة نقوش نبطية ويونانية لا تُقدَّر بثمن إحداها تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، كُرست لبناء معبد على شرف الإله النبطي “ذو الشراة” . وأخرى، على قاعدة عمود في الكنيسة الكبرى، تحمل إهداءً لـ “زوس المنقذ” من قبل الملك السلوقي أنطيوخوس، وكأن الحجر نفسه كان شاهداً على صراع الآلهة والإمبراطوريات .

وهناك كتابة مؤثرة على نافذة منزل في المدينة، تعود لعام 1860، تقول “النوم يتملكك أيها السعيد… ستعيش راقداً في القبر حياً تحت الأشجار، لأن نفوس الورعين ستعيش خالدة” كلماتٌ منقوشة على البازلت، تتحدى الفناء بلغة هادئة.

السويداء ليست فقط مدينة الآثار إنها مدينة السهول البركانية والكروم والتين، ومدينة أناس عاشوا في ظل هذه الحجارة قروناً السكان الحاليون للمحافظة، كما تشير دراسات تاريخية، بدأ تدفقهم إلى الجبل منذ فترة لا تزيد على ثلاثة قرون، قادمين من جبال حلب ولبنان وصفد .

لكن من سكنها قبلهم؟


الأنباط، الذين قدموا من جنوب الجزيرة العربية في القرن السادس قبل الميلاد، وضمّوا هذه المنطقة إلى مملكتهم الممتدة حتى بصرى، ثم الرومان الذين ضموا المنطقة إلى ولايتهم العربية عام 106 ميلادي، فازدهرت قنوات وصلخد والسويداء بفضل موقعها وغزارة أمطارها وينابيعها .

في شارع النجمة، أحد أقدم شوارع المدينة، تتجلى هذه الطبقات بوضوح البوابة الغربية الأثرية التي تعود إلى نهاية القرن الأول الميلادي، وقوس النصر الذي تحول لاحقاً في العصر البيزنطي إلى جزء من كنيسة، والحمامات والمسارح الصغيرة .

كل هذا يوحي بأن السويداء القديمة لم تكن مجرد قرية على طريق تجاري، بل مدينة متكاملة تشبه بصرى في أسوارها وبواباتها ومرافقها العامة .

اليوم، تعيش السويداء واقعاً مختلفاً عن مجدها الأثري المدينة ومحيطها يعانيان من أزمات معيشية واختناقات أمنية، كما يصفها مسؤولون محليون، مع حديث عن مجموعات خارجة عن القانون تعيق حركة الموظفين والطلاب وتؤثر على الحياة اليومية .

لكن تحت هذا السطح المضطرب، يبقى السؤال الأهم كيف لمدينة بهذا العمق التاريخي أن تُختزل في أخبارها اليومية فقط؟

ربما الإجابة تكمن في تلك الكتابة المنقوشة على نافذة منزل قديم: “ستعيش راقداً في القبر حياً تحت الأشجار”.

السويداء، بآثارها وكتاباتها وحجارتها السوداء، لا تموت.

إنها تنام فقط، وتنتظر من يقرأ عليها سلامها القديم.