في زمن لم يعد فيه الظهور حكراً على أحد، صارت السوشيال ميديا المصنع الأكبر للشهرة، والطريق الأقصر نحو الأضواء.

لم نعد بحاجة إلى موهبة استثنائية أو سنوات من العمل الصامت لنصبح “مشهورين”؛ يكفي فيديو قصير، أو تعليق لاذع، أو رأي مستفز، ليتحول الإنسان بين ليلة وضحاها إلى اسم يتداوله الملايين.

وهنا تكمن المعجزة… والمأساة في آن واحد.

لا أحد ينكر أن هذه المنصات حققت ما لم تحققه أي وسيلة إعلامية من قبل فقد كسرت احتكار الأصوات، ومنحت المهمشين منصة، وجعلت الإنسان العادي قادراً على أن يصل صوته إلى ملايين البشر في ثوانٍ.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة هل نجحت هذه التكنولوجيا في أن تجعل هؤلاء الملايين يسمعون بعضهم ويفهمون بعضهم؟ الإجابة المؤلمة لا.

التكنولوجيا نجحت في توصيل الصوت، لكنها فشلت في توصيل الفهم بل الأسوأ من ذلك، أنها اكتشفت أن الخلاف أكثر ربحاً من الوفاق.

فخوارزميات المنصات لا تكافئ الحوار الهادئ، بل تكافئ الجدل والاستقطاب والغضب، لأن الغضب يُبقي المستخدم على الشاشة أطول وهكذا تحولت الشهرة إلى صناعة قائمة على إشعال الحرائق، وتحول “الترند” إلى ساحة معارك يومية، يخرج منها الجميع خاسرين إلا المنصة نفسها.

والأخطر أن هذه الآلة لا تصنع المشاهير فقط، بل تصنع الخصوم فهي تضخم الخلاف الصغير حتى يصبح أزمة، وتحول الاختلاف في الرأي إلى عداوة شخصية، وتقنع الناس بأن من يخالفهم ليس مجرد مخالف، بل عدو يجب إسكاته.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة عصرنا الكبرى مجتمع متصل تقنياً إلى أقصى حد، ومنفصل إنسانياً إلى أقصى حد.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى حياتنا، تزداد المسألة تعقيداً فالأدوات الجديدة قادرة على إنتاج المحتوى بسرعة مذهلة، وعلى تضخيم الشهرة والخلاف معاً بكفاءة لم نعهدها من قبل وهنا تصبح الحاجة ملحّة ليس إلى تكنولوجيا أذكى فحسب، بل إلى حكمة أكبر في استخدامها فالتكنولوجيا ستبقى مجرد أداة ، أما الوجهة، فيحددها وعينا نحن.

إن معضلة عصرنا ليست في قلة الكلام، بل في كثرة الكلام بلا فهم وليست في غياب المنصات، بل في غياب النية الحسنة على هذه المنصات.

وربما يكون أول دروس الحكمة التي نحتاجها أن نتذكر، قبل أن نضغط “نشر” أو “مشاركة”، أن وراء الشاشة إنساناً آخر يستحق أن نسمعه… لا أن نصدمه.

فالشهرة التي تُبنى على الخلاف، سرعان ما يحرقها الخلاف نفسه. أما الشهرة التي تُبنى على الفهم، فهي وحدها التي تدوم.