لم تعد أزمة مديونية النائب أيمن محسب لحزب الوفد حديثًا في الكواليس. صارت ملفًا مفتوحًا على أبواب انتخابات الهيئة العليا، وتحولت الأرقام التي ظلت سنوات بلا إجابة إلى سؤال يطرحه الوفديون: ما حجم المديونية، وما الذي سُدد منها، وما الذي بقي في الذمة؟
البداية من قاعة الانتخابات. كشف مصدر داخل الحزب لموقع القاهرة 24 عن استبعاد النائب من خوض انتخابات الهيئة العليا بسبب مديونيته للحزب، دون تفاصيل عن قيمتها. وأفادت مصادر لموقع صدى البلد بأن الاستبعاد جاء لأنه سدد المديونية بعد المدة التي حددتها الهيئة العليا للسداد. وبحسب المصادر نفسها، تقدم كل من محمد عبد اللطيف ومصطفى الحموي بالطعن ضده. أما النائب فنفى صدور قرار رسمي، وقال إنه قدم ما يثبت صحة موقفه أمام اللجنة.
ثم جاء التطور الأحدث. أصدر السيد البدوي، رئيس الحزب، القرار رقم 267 لسنة 2026 بتاريخ 19 أكتوبر 2026 بتشكيل لجنة للنظر في تظلم محسب من قرار استبعاده. وبحسب مصادر الحزب، يرجع الاستبعاد إلى ديون متراكمة لم يسدد منها الكثير، بعضها سابق. وقال محسب لموقع القاهرة 24 إن اللجنة قبلت تظلمه وعاد إلى سباق الترشح. أي أن الخلاف الرسمي حُسم إجرائيًا، لكن الأسئلة المالية التي أثارته لم تُحسم.
الأرقام التي وردت في الملف. المبلغ الأقدم والأكثر تداولًا هو 11.1 مليون جنيه. أظهرت ميزانية الوفد أن خمسة نواب عليهم مديونية للحزب تتجاوز 28 مليون جنيه، وجاء محسب في مقدمتهم بـ11.1 مليون جنيه. وجاء بعده أحمد رائف بسبعة ملايين، ومحمد ببوح بخمسة ملايين، والنائبة سحر القاصي بأربعة ملايين و875 ألفًا، والنائب ياسر الهضيبي بـ277 ألفًا و900 جنيه. وذكر أمين صندوق الحزب وقتها أن مديونيات النواب عليها منازعات قضائية، وأن الحزب يعتزم الاستئناف.
وتتحدث ملفات أخرى متداولة عن رقم أكبر بكثير. نُشر في فبراير 2025 أن المديونية بلغت 24 مليون جنيه، لكن الموقع الذي نشرها لم يقدم مستندًا يدعمها، ولم تؤكدها مصادر أخرى. ولهذا يبقى الرقم الحقيقي بحاجة إلى كشف حساب معتمد. وقد تضمن النص الذي عُرض عليّ رقمًا ثالثًا هو 15 مليونًا و69 ألف جنيه، لم أعثر على أي مصدر منشور له، فلا يصح تقديمه على أنه الرقم المؤكد قبل أن يُنشر أصله.
وللنائب رواية مضادة. نشر موقع صدى البلد في فبراير الماضي، نقلًا عن مصادر داخل الحزب، أن لمحسب نزاعًا قضائيًا يطالب فيه الحزب باسترداد 11 مليون جنيه، قال إنه دفعها في التعاقد مع شركة حراسات أمن للحزب. وبحسب المصادر نفسها، العقد وقّعه رئيس الحزب السابق عبد السند يمامة، ولا يعلم أحد داخل الحزب تفاصيله، ولا عدد أفراد الحراسة ولا أجر كل منهم. وهنا تنقلب المعادلة: النائب يقول إن له أموالًا لدى الحزب، والحزب يقول إن عليه أموالًا للحزب. ولا يحسم الأمر إلا كشف حساب يضع الرقمين جنبًا إلى جنب.
ملف جريدة الوفد وأجور العاملين. عبر هذا الملف تدخل حقوق الصحفيين والإداريين على خط الأزمة. ففي نوفمبر 2023، حين كان محسب رئيسًا لمجلس إدارة الجريدة، اتفق مع نقيب الصحفيين خالد البلشي على زيادة 800 جنيه على كل المرتبات، على أن تصل المرتبات تدريجيًا إلى حد أدنى قدره 3500 جنيه بجدول مكتوب. لكن الوعود تعثرت. فدخل العاملون في اعتصام مفتوح في 30 سبتمبر 2025 احتجاجًا على مماطلة إدارة الحزب في تطبيق الحد الأدنى. وانتهى الاعتصام بعد أن أعلن يمامة تطبيق الحد الأدنى للأجور وصرف الفروق، وتكفل سبعة من أعضاء الهيئة العليا بتمويل الفروق بنحو 700 ألف جنيه، بينهم أيمن محسب.
ما الذي يحتاجه الوفديون الآن؟
يحتاج الوفديون اليوم إلى ما هو أبسط من البيانات وأقوى من التصريحات: كشف حساب واحد معتمد من الجهات المالية بالحزب، يضع الملف كله على الطاولة. وأول ما ينبغي أن يحسمه هذا الكشف هو أصل كل مديونية وتاريخ نشوئها وما سُدد منها وما بقي، بأرقام نهائية تُنهي التضارب الذي يتراوح بين 11 مليونًا و11.1 مليونًا و24 مليونًا، فلا يعقل أن يظل المبلغ نفسه يتغير من مصدر إلى آخر. ويلي ذلك وضع النزاع القضائي بشأن الـ11 مليون جنيه التي يطالب بها النائب، وهل صدر فيه حكم أم ما زال متداولًا أمام القضاء. وليس أقل أهمية من ذلك مستندات السداد في الموعد المحدد، إذ تقول مصادر إنه سدد بعد انقضاء المهلة، وتقول أخرى إنه لم يسدد، ولا يفصل بين الروايتين إلا الورق. ويبقى أخيرًا ملف فروق الأجور، بما يتضمنه من تفاصيل تمويلها ومن دفع كم، حفاظًا على حقوق العاملين بالجريدة وإنهاءً لأي لبس حولها.
حاول موقع “أخبار الغد” التواصل مع النائب أيمن محسب ومع أمين صندوق حزب الوفد للحصول على ردهما على ما ورد في هذا التقرير من أرقام ومعلومات، وتوضيح موقف المديونية وما سُدد منها وما بقي، غير أن المحاولات لم تسفر عن رد حتى لحظة النشر. ويظل باب الرد مفتوحًا أمام الطرفين، وسيتم نشر أي توضيح أو مستندات يقدمانها فور وصولها.
ويبقى السؤال المفتوح، والذي لا يملك إجابته إلا الحزب نفسه: هل يضع الوفد كشف الحساب كاملًا أمام أعضائه، أم يظل الجميع يتبادلون الأرقام بلا مستند؟






