حين يقترب الكاتب من الصفحة الأخيرة، يبدأ في جمع ما تناثر من أوراقه. أما أنا، فكلما جمعت أوراق هذه الرحلة، وجدت فيها عنوانًا يستحق أن أكتب إليه، أو سؤالًا لم يأخذ نصيبه من البحث. كأن الكتاب الذي أوشك أن يكتمل يطلب مني أن أترك له بابًا مفتوحًا.
بين أوراق عبد الله النديم ورسائلي إلى من قد يعرفون عنه شيئًا، نشأ فصل آخر من الحكاية. فصل أبطاله أناس يقرأون، ويحفظون، ويفهرسون، ويجيبون عن سؤال جاءهم من رجل يبحث في مدينة كبيرة عن نهاية رجل آخر.
في الثامن والعشرين من سبتمبر سنة ألفين وستة وعشرين، كتبت إلى الدكتورة توبا روهنكيز أزاكلي، الباحثة في شواهد مقبرة يحيى أفندي. حملت الرسالة اسم النديم، ونسبه، وتاريخ وفاته المتداول، وصفته الوظيفية، وسؤالًا عن نقش أو صورة أو رقم يقود إلى موضعه.
وكان في إرسال هذه التفاصيل اعتراف بسيط: لا يكفي أن يكون الراحل عزيزًا علينا كي يصبح العثور عليه يسيرًا على غيرنا. علينا أن نمنح من نستعين به ما يستطيع العمل عليه. فالحنين لا يصلح وحده مفتاحًا لفهرس عثماني.
جاء ردها في التاسع والعشرين من سبتمبر واضحًا. الشاهد الذي نسأل عنه ليس بين الشواهد التي تناولتها أطروحتها. غير أن لديها قراءات للنقوش التي كانت سليمة في المقبرة عام ألفين وثمانية، محفوظة في ملاحظات كتبتها بيدها، ويحتاج فحصها وقتًا.
توقفت عند هذه الأوراق المكتوبة بخط اليد. كم من عمل هادئ لا نعرف قيمته ساعة إنجازه! باحثة تنحني على حجر لتقرأه، ثم تحتفظ بقراءتها سنوات، حتى يأتي سؤال من بلد آخر فيوقظ في دفترها احتمالًا جديدًا. هكذا يتعاون أناس لم يجمعهم موعد، وقد تفصل بين أعمالهم أعوام طويلة.
وفي السادس من أكتوبر أكدت رغبتها في المساعدة. ثم عادت في الثامن منه برسالة أكثر تفصيلًا: لم تصل بعد إلى معلومة تحدد الشاهد، وهي تعيد مراجعة ما لديها، وقد سألت أستاذًا واسع المعرفة بالمقبرة. لم يكن قد سمع باسم النديم، لكنه رجّح احتمال وجود الحجر في الحظيرة الداخلية المعروفة باسم «صوفة الأولياء».
سبق أن تناولت هذا الاحتمال في موضعه من الرحلة. وما يعنيني هنا هو الطريقة التي وصل بها: سؤال انتقل من باحث إلى باحث، وإجابة احتفظت بتحفظها، ومعلومة أرسلت إلينا قبل أن تتحول إلى نتيجة. في هذه المسافة الصغيرة بين «قد يكون» و«وجدناه» تسكن أمانة البحث كلها.
رددت بالشكر، وقلت إن الأمر لا يستدعي الاستعجال، وإنني أرغب في معرفة أي نتيجة، إيجابية كانت أو سلبية.
واليوم أرى أن هذه العبارة تستحق أن تبقى في سجل الرحلة. فمن نطلب مساعدته ليس مدينًا لنا بالخاتمة التي نحبها. والباحثة التي تفتح أوراقها لنا تمنحنا من جهدها ووقتها؛ فلا يصح أن نجعل امتناننا لها مقدمة لمطالبتها بما لم تعدنا به.
حتى الحادي والعشرين من أكتوبر، لم يظهر في المراسلات التي راجعتها رد أحدث يعلن العثور. وسيظل الشكر واجبًا، أيًّا تكن النتيجة.
ومن هذه التجربة يتضح لي ما ينبغي أن نحمله إلى الجهات الرسمية الحافظة للوثائق، وإلى إدارة الموقع والأوقاف والمكتبات: سؤال محدد، يعرف صاحبه ما يطلب، ويترك للمستند أن يجيب في حدود ما يحتويه.
قد نحتاج إلى قيد دفن، أو دفتر تخصيص مواضع، أو خريطة تربط أرقام الجرد بأماكنها. وقد تحمل ملفات ترميم المقبرة ما يفسر اختلافًا بين صورة قديمة ووضع قائم. هذه مسارات ينبغي التحقق من وجود مادتها وإمكان الاطلاع عليها. ولا يجوز أن نكتب عنها كما لو أننا تسلمنا دفاترها بالفعل، أو أن ننسب إلى مؤسسة تعاونًا لم تثبته أوراقنا.
فالكتابة عن أبواب البحث لا تمنحنا حق الادعاء بأنها فُتحت كلها.
ولعل أهم ما يمكن جمعه الآن هو ذاكرة العمل نفسه: إلى من كتبنا؟ ومتى؟ وما السؤال؟ وما الجواب؟ وأي اسم جُرّب في الفهرس؟ وأي احتمال استُبعد، وعلى أي أساس؟
هذه التفاصيل التي تبدو إدارية تحمي جهد الآخرين من أن يبدأ كل مرة من الصفر. وقد تمنح باحثًا يأتي بعدنا فرصة أن يمضي خطوة أبعد، بدل أن يعيد رحلتنا كاملة ثم يقف عند الموضع نفسه.
لهذا أريد لأوراق المراسلات أن تبقى جزءًا من مادة الكتاب. إنها تبين كيف تشكلت المعرفة، ومن أسهم فيها، وأين انتهى الدليل، وأين بدأ انتظارنا.
لقد صار لهذا البحث رفاق، بعضهم من أصحاب الدراسات التي نرجع إليها، وبعضهم ممن قرأوا سؤالنا وأجابوا عنه. وللمصريين والأتراك الذين عنوا بتاريخ هذا المكان نصيب من الشكر، بقدر ما تثبته أعمالهم وما قدموه. فلا نزيد فضل أحد بنسبة اكتشاف إليه لم يعلنه، ولا نغفل فضل من حفظ معلومة صغيرة قد تصبح يومًا مفتاحًا.
وفي هذا التعاون معنى أحب أن يبقى: أن يحمل إنسان من ذاكرة بلد آخر شيئًا، ثم يعيده إليه حين يسأله عنه. للثقافة وجوه كثيرة، وهذا من أهدئها وأبقاها.
أما النهاية السعيدة التي أرجوها، فلها عندي صورة بسيطة: وثيقة يمكن قراءتها، وموضع يمكن تعيينه، واسم نطمئن إلى أننا لم نضعه على حجر غير صاحبه. ثم يُحفظ ما عرفناه، حتى لا يأتي باحث بعد سنوات فيسأل السؤال نفسه بلا جواب.
قد نصل إلى ذلك، وقد تكشف الأوراق أن بعض ما تمنيناه لم يعد ممكنًا. لكن ما دامت هناك مادة لم تُفحص، وصورة لم تُطابق، وجهة يمكن سؤالها سؤالًا جديدًا، فإن للعمل بقية.
أضع هذا الفصل قبل ختام الكتاب، وأترك في ملف الرحلة مكانًا لرسالة قادمة. رسالة لا أعرف صاحبها ولا موعدها، وأرجو أن تحمل يومًا ما انتظرناه طويلًا.
وحين تصل، إن وصلت، لن تكون مكافأة لصبري وحدي. سيكون فيها نصيب لكل يد حفظت ورقة، ولكل عين قرأت نقشًا، ولكل من قال بأمانة: لم نجد بعد.
أما الآن، فأطوي هذه الصفحات، وأُبقي عنوان المراسلة مفتوحًا.
لعل أجمل ما سيُكتب عن النديم لم يصلنا بعد.





















