كما يُقال إن السمكة تفسد من رأسها، فإن البرلمان قد يبدأ ضعفه من لجانه النوعية، فهي مطابخه السياسية والتشريعية والرقابية. فالقاعة العامة هي وجه البرلمان، أما اللجان فهي عقله الذي يفكر، ويده التي تصوغ النصوص، وضميره الذي يراجع ويسأل قبل أن يوافق أو يعترض.
وقد تعلمت مبكرًا أن قانونًا كاملًا قد يتغير بملاحظة عابرة داخل لجنة، وأن حقًا كبيرًا قد يضيع بحذف كلمة صغيرة، وأن ما يبدو في الجلسة العامة انتصارًا للأغلبية قد يكون نتيجة معركة حُسمت قبلها بأسابيع داخل إحدى غرف اللجان.
بهذه القناعة قرأت دراسة الباحث الدكتور عبد الناصر قنديل، خبير النظم والتشريعات البرلمانية ومدير المجموعة المصرية للدراسات البرلمانية، التي نشرها موقع #الحرية حول اتجاهات تشكيل اللجان النوعية في الفصل التشريعي الثالث لمجلس النواب، ومقارنة تشكيلاتها بين دوري الانعقاد الأول والثاني.
وأحيي الباحث لأنه اختار النقد القائم على الأرقام والوثائق، كما أقدر موقع الحرية لإتاحته قراءة البرلمان من زاوية لا تتعلق بما يقوله النواب أمام الكاميرات، بل بما يفعلونه داخل اللجان. وأرى أن تكريم الدراسة الجادة لا يكون بالإشادة فقط، بل بالحوار معها، وإضافة الخبرة والذاكرة والنقد إليها، حتى تصبح مدخلًا لإصلاح حقيقي.
لم أقرأ الدراسة كمراقب بعيد، ولا كمعارض يبحث عما يؤكد موقفًا سابقًا، بل كصحفي تابع البرلمان قبل أن يصبح عضوًا فيه، ونائب أمضى عقدًا كاملًا تحت قبته، بين عامي ١٩٩٥ و٢٠٠٥، عبر فصلين تشريعيين وعشرة أدوار انعقاد.
وقرأتها أيضًا كابن بيت ارتبط بالحياة النيابية عبر تجربة والدي الراحل، المحامي والنائب عبد العزيز نور، الذي تعلمت منه أن قيمة البرلمان لا تقاس بفخامة مقره، بل بقدرته على حماية الحقوق، وتقييد السلطة، وإيصال صوت المواطن. كانت المضابط في بيتنا صفحات من التاريخ الحي، أبحث فيها عما قيل، وأحيانًا عما لم يُقل.
وحين بدأت عملي الصحفي تحت القبة، أدركت أن من يكتفي بمتابعة الجلسة العامة يفوته نصف الخبر، وربما أهم نصف فيه. فمشروع القانون يكون قد مر قبل عرضه بمراجعات وحوارات واعتراضات وتسويات قد تغير جوهره. وبعد دخولي البرلمان نائبًا في ديسمبر ١٩٩٥، ثم تجديد الثقة بي عام ٢٠٠٠، تحولت هذه الملاحظة إلى تجربة يومية. وعرفت أن بعض النواب الأقل حضورًا في الصحف قد يكونون الأكثر تأثيرًا في صياغة التشريعات، بينما لا يترك أصحاب الخطب الطويلة أثرًا مماثلًا في تقارير اللجان. فالبرلمان لا يصنعه ارتفاع الصوت، بل المعرفة ودقة السؤال والقدرة على الإقناع.
أستعيد هنا واقعتين من تجربتي البرلمانية، تكشفان أثر أسماء اللجان ومواقع النفوذ في اختيارات النواب.
الواقعة الأولى: حين دخلنا لجنة الثقافة.. فظننا أننا في لجنة الزراعة.
في بداية الفصل التشريعي عام ١٩٩٥، كانت الثقافة والإعلام والسياحة لجنة واحدة، وكانت رغبتي الأولى بحكم عملي الصحفي والإعلامي، فيما جاءت اللجنة الدستورية والتشريعية ثانية بحكم دراستي للقانون. وكان زميلي الإعلامي الراحل محمود سلطان يرى اللجنة نفسها مناسبة لخبرته.
في اليوم الأول، ذهبنا معًا نبحث عن مقرها. وبعد أن وجدنا اللافتة ودخلنا، فوجئنا بعدد كبير من النواب بالجلابيب الصعيدية والريفية. فقلت لمحمود مازحًا إننا ربما دخلنا لجنة الزراعة والري. وبينما كنا نستعد للخروج، استوقفنا المستشار الراحل #صلاح_الطاروطي والفنانة الراحلة #فايدة_كامل، وسألانا إلى أين نذهب. وحين أخبرناهما أننا نبحث عن لجنة الثقافة والإعلام والسياحة، ضحكت فايدة كامل وقالت: «ما هي دي لجنة الثقافة والإعلام والسياحة!» ثم شرح لنا الطاروطي أن بعض النواب يطلبون الانضمام إليها بسبب كلمة «السياحة»، متصورين أنها تتعلق بالرحلات والزيارات.
ضحكنا يومها، لكنني أدركت لاحقًا أن وراء الطرفة درسًا مهمًا. فالمشكلة ليست في ملابس النواب أو أصولهم؛ فقد عرفت نوابًا يرتدون الجلابيب أكثر ثقافة وخبرة من أصحاب الملابس الرسمية. المشكلة في الفجوة بين تصور النائب لوظيفة اللجنة واختصاصها الحقيقي. فمن يختار اللجنة بسبب اسمها قد لا يكون مستعدًا لمناقشة قوانين الاستثمار السياحي أو حماية التراث أو الإعلام والحريات الثقافية.
ولهذا ينبغي أن يعرف النائب قبل الانضمام إلى اللجنة طبيعة عملها، وأن يحصل النواب الجدد على المعلومات والتدريب. فالمقاعد لا تمنح الخبرة، وأسماء اللجان لا تجعل أصحابها متخصصين.
الواقعة الثانية: لجنة الخطة والموازنة.. من فراغ المقاعد إلى زحام النفوذ.
كانت لجنة الخطة والموازنة من أهم لجان البرلمان، لاختصاصها بمراجعة خطة التنمية والموازنة العامة والتشريعات ذات الأثر المالي. فالموازنة تكشف أولويات الدولة: أين تذهب الأموال، وما نصيب الصحة والتعليم، ومن يدفع الضرائب، ومن يحصل على الدعم، وحجم الدين وأعبائه. والنائب الذي لا يقرأها لا يستطيع ممارسة رقابة اقتصادية مكتملة.
لكن اللجنة، في مرحلة من ذلك الفصل، لم تكن تحظى بالإقبال المناسب. كان يرأسها الوزير والنائب الراحل توفيق عبده إسماعيل، وكان يكاد يستجدي النواب للانضمام أو الحضور، حتى إن بعض الاجتماعات لم يكن يحضرها إلا عدد قليل جدًا. وكانت المفارقة أن لجنة تناقش أموال الدولة وحياة ملايين المصريين تعاني الفراغ، بينما تجتذب لجان أخرى أعدادًا أكبر.
ثم جاءت قضية بنك الدقهلية المعروفة إعلاميًا بـ«قضية نواب القروض»، وارتبط بها اسم توفيق عبده إسماعيل وشخصيات برلمانية ومصرفية. ولا أقصد هنا إعادة محاكمة أصحاب القضية أو تحميل كل من ارتبط باللجنة مسؤولية الاتهامات، فالمسؤولية الجنائية شخصية ولا تثبت إلا بالأدلة والأحكام. لكن تلك المرحلة ألقت بظلال ثقيلة على لجنة كانت تعاني أصلًا ضعف الإقبال.
وقد وجد عدد من النواب أنفسهم يتابعون ملفات الخطة والموازنة معنويًا، إدراكًا بأن مسؤولية المال العام لا تنتهي عند حدود اللجنة التي ينتمي إليها النائب. فالموازنة مرآة عمل الدولة كلها.
ثم تغيرت صورة اللجنة لاحقًا عندما تولى رئاستها المهندس أحمد عز، الذي أصبح من أبرز مراكز النفوذ السياسي والتنظيمي في الحزب الوطني. وأصبحت اللجنة مقصدًا لعدد كبير من النواب. ولا أقصد تقييم تجربة أحمد عز أو إنكار أي تطوير فني ربما شهدته اللجنة، لكنني أتوقف أمام التحول: هل تغيرت اختصاصاتها؟ أم أن الذي تغير هو وزن رئيسها السياسي وصلته بمراكز القوة؟
لقد كانت اللجنة تبحث عن أعضاء حين لم يكن رئيسها مركزًا للنفوذ، ثم أصبحت جاذبة عندما صار موقعه مصدرًا للتأثير. ولا يعني ذلك أن كل من انضم إليها لاحقًا كان يطلب النفوذ، لكن التباين يكشف أثر المكانة السياسية لرئيس اللجنة في اتجاهات العضوية.
تكشف الواقعتان مشكلة واحدة: قد يجذب اسم اللجنة نوابًا لا يعرفون اختصاصها، وقد يجذب نفوذ رئيسها نوابًا لم تكن أهميتها الموضوعية كافية لجذبهم. والسؤال هو: هل يذهب النائب إلى اللجنة ليخدم التشريع والرقابة، أم لأنها تخدم مكانته ومصالحه وطموحاته؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ضوء أرقام دراسة الدكتور قنديل. فمجلس النواب يضم خمسًا وعشرين لجنة، بمتوسط حسابي يقارب أربعة وعشرين عضوًا، لكن لجنة الإسكان والمرافق والتعمير تضم ثلاثة وسبعين نائبًا، بينما لا تضم لجنتا الشؤون الإفريقية والشؤون الدينية والأوقاف سوى ثمانية أعضاء لكل منهما.
وأتوقف خصوصًا أمام لجنة الشؤون الإفريقية. فالقارة ترتبط بمصر بقضايا مياه النيل وسد النهضة والقرن الإفريقي والبحر الأحمر والتنافس الدولي على الموارد والموانئ. وقد يكون أعضاؤها الثمانية من أصحاب الكفاءة، لكن هل يملكون العدد والدعم الفني والوقت والمعلومات الكافية؟ وهل يعكس حجم اللجنة اهتمام المؤسسة التشريعية بملف يمس الأمن القومي؟
أما كثرة أعضاء لجنة الإسكان فلا تعني بالضرورة خللًا، فاختصاصاتها واسعة وتشمل الإيجارات والمرافق والتعمير والتصالح والتنمية العمرانية. لكنها تحتاج إلى تفسير مؤسسي معلن: هل يرجع الحجم إلى عبء العمل، أم إلى خبرات الأعضاء، أم إلى صلتها بالأنشطة العقارية ومصالح الدوائر؟ وإذا كانت لبعض الأعضاء مصالح مهنية مرتبطة بموضوعات اللجنة، فالمطلوب الإفصاح عن المصالح ومنع تعارضها. فالشفافية تحمي الخبرة من الشبهة وتحمي التشريع من التأثيرات غير المعلنة.
الأخطر أن يصبح توزيع النواب انعكاسًا لموازين القوى بدلًا من أولويات الدولة والمجتمع. فالبرلمان لا يحتاج إلى أعضاء يشغلون المقاعد، بل إلى خبرات تشغل الملفات.
وتنص المادة ٣٨ من اللائحة الداخلية على أن يحدد المجلس عدد أعضاء كل لجنة بناءً على اقتراح مكتب المجلس بما يكفل حسن عملها. وتنص المادة ٣٩، المعدلة بالقانون رقم ١٣٦ لسنة ٢٠٢١، على تلقي رئيس المجلس طلبات العضوية وتنسيقها مع مراعاة التخصص واختصاصات اللجان «قدر الإمكان». وهذه العبارة تمنح مرونة ضرورية، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتقدير ما لم تقترن بمعايير معلنة وتسبيب واضح.
لذلك أقترح أن يعلن مكتب المجلس قبل كل دور انعقاد خريطة التخصصات المطلوبة، وحجم الملفات، وعبء العمل، والحدين الأدنى والأقصى للعضوية، مع السماح بالاستثناء المسبب. وأن يقدم كل نائب بيانًا بخبرته واهتماماته وما يريد العمل عليه، وأن تعلن الأحزاب خططها لتوزيع نوابها بما يعكس برامجها.
كما ينبغي الانتقال من قياس عدد الأعضاء إلى قياس أثر الأداء: عدد الاجتماعات، متوسط الحضور، مشروعات القوانين، التعديلات الجوهرية، جلسات الاستماع، التوصيات، ومدى تنفيذها. فقد تكون لجنة صغيرة أكثر تأثيرًا من لجنة كبيرة.
وأقدر في هذا السياق جهود أستاذ العلوم السياسية الدكتور علي الصاوي في دراسة الأداء البرلماني وقياس فعاليته. كما تمثل دراسة قنديل إضافة مهمة لأنها تقدم صورة كمية عن بنية اللجان، وتفتح الباب لدراسة إنجازها وتأثيرها الفعلي.
تعلمت أن النائب الجاد لا يسأل: ما اللجنة التي تمنحني أهمية أكبر؟ بل: أين أستطيع أن أضيف أكثر؟ فالمحامي والصحفي والطبيب والمهندس يملكون خبرات مختلفة، لكن التخصص لا ينبغي أن يتحول إلى تقسيم جامد يمنع النائب من الاهتمام بالشأن العام. المطلوب الجمع بين حرية الاهتمام وضرورة التخصص.
وأرى أن الإصلاح يبدأ بخمس خطوات:
مراجعة فلسفة توزيع النواب وأحجام اللجان وفق حجم العمل وأولويات الدولة.
تفعيل معيار التخصص والخبرة، وإلزام مكتب المجلس بتفسير التفاوت الكبير في الأعداد.
وضع قواعد للإفصاح عن المصالح المهنية والاقتصادية ذات الصلة بعمل اللجان.
إصدار تقرير سنوي يقيس أداء كل لجنة وجودة مناقشاتها وتوصياتها وتنفيذها.
بناء منظومة تدريب ودعم بحثي للنواب، خصوصًا الجدد، حتى لا يكتشفوا اختصاصات لجانهم بالمصادفة أو يعتمدوا على معلومات الحكومة وحدها.
كما ينبغي الاستفادة من عودة مجلس الشيوخ، الذي يضم أربع عشرة لجنة إلى جانب لجان مجلس النواب، لمراجعة توزيع الاختصاصات ومنع الازدواج غير المفيد وتعزيز التكامل بين المجلسين.
وأوجه رسالة إلى الأحزاب، خصوصًا المعارضة: لا يكفي انتقاد الأغلبية، بل يجب تقديم نموذج أفضل في اختيار النواب وتحديد الأولويات واللجان التي تحتاج إلى حضورها. فالمعارضة مسؤولية في تقديم البديل ومراقبة التفاصيل، وقد تخسر تصويتًا لكنها لا ينبغي أن تخسر حجتها أو تترك المضابط بلا نقد موثق.
إن دراسة قنديل ليست مجرد نقد لتشكيل اللجان الحالي، بل فرصة لمراجعة مشكلة قديمة. فما شهدته في برلمان ١٩٩٥، من لجنة جذبت نوابًا بسبب اسم السياحة، وأخرى لم تجذبهم رغم صلتها بالمال العام ثم أصبحت مقصدًا مع تغير نفوذ رئيسها، ليس منفصلًا عن أرقام عام ٢٠٢٦. تتغير الأزمنة والأسماء، لكن المشكلة تستمر إذا لم تتغير القواعد.
وأفكر في تحويل هذه الرسائل، مع المضابط والوثائق والشهادات، إلى كتاب بعنوان «إصلاح المؤسسة التشريعية في مصر»، امتدادًا لمشروع «إصلاح مرفق العدالة». فإصلاح القضاء لا ينفصل عن إصلاح التشريع، وأحد أبواب الكتاب المقترحة «المضابط تتكلم»، لاستعادة مشاركاتي ومشروعات القوانين وطلبات الإحاطة بين ١٩٩٥ و٢٠٠٥، بوصفها مادة تاريخية قابلة للفحص لا شهادة لصاحبها.
أختم بما بدأت به: لا ينبغي أن نكتفي بالتعجب من الفارق بين لجنة الإسكان الكبيرة ولجنة الشؤون الإفريقية الصغيرة، ولا أن تختفي الدراسة بعد أيام. المطلوب فتح باب جاد لإصلاح العمل البرلماني من داخله.
لا أطالب ببرلمان كامل، بل ببرلمان يعرف لماذا اختار أعضاء لجانه، وماذا ينتظر منهم، وكيف يحاسبهم. أطالب بأن تكون الكفاءة سببًا للعضوية، والخبرة سببًا للثقة، والإنجاز سببًا لاستمرار القيادة، لا أن تتحول اللجنة إلى باب للمزايا أو طريق للنفوذ.
ما زلت أذكر ضحكة فايدة كامل حين ظننا أننا دخلنا لجنة الزراعة، كما أذكر لجنة الموازنة وهي تبحث عمن يملأ مقاعدها ثم تصبح مقصدًا للراغبين في الاقتراب من مراكز القرار. وبين الواقعتين تعلمت درسًا لا يزال صالحًا:
أن اسم اللجنة قد يجذب النائب، وأن نفوذ رئيسها قد يغريه، لكن اختصاصها وحده ينبغي أن يحدد حاجتها إليه، وكفاءته وحدها ينبغي أن تحدد قيمته داخلها.
فالبرلمان لا يبدأ ضعفه حين تعجز أصوات نوابه عن الوصول إلى الحكومة، بل حين تعجز عقول لجانه عن الوصول إلى الحقيقة.
وإذا كان فساد السمكة يبدأ من رأسها، فإن إصلاح البرلمان ينبغي أن يبدأ من عقله.
وعقل البرلمان هو لجانه.