أعاد تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019 ملف ترسيم الحدود في شرق المتوسط إلى الواجهة، وسط تمسك مصر برفض الاتفاق وعدم الاعتراف بأي آثار قانونية تترتب عليه بالنسبة إليها.
ويرى الباحث في مركز الأهرام للدراسات بشير عبد الفتاح أن الخطوة الليبية، رغم أهميتها السياسية، لا تعني بالضرورة انتقال الخلاف بين القاهرة وأنقرة إلى مرحلة التصعيد، كما أنها لا تفتح تلقائيًا الباب أمام عمليات التنقيب عن النفط والغاز في المناطق البحرية محل النزاع.
وأشار عبد الفتاح إلى أن الاعتراض على المذكرة لا يقتصر على مصر، إذ تعارضها أيضًا اليونان وقبرص وإسرائيل، في ظل خلافات بشأن الأسس القانونية المستخدمة في تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري في شرق المتوسط.
وأوضح أن وجود جزر يونانية بين السواحل التركية والليبية يمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف، إذ ترفض أثينا الطريقة التي جرى بها ترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين أنقرة وطرابلس.
وبحسب عبد الفتاح، فإن تصديق البرلمان الليبي لا يحسم النزاع القانوني بشأن الحدود البحرية، ولا ينهي اعتراضات الدول الأخرى التي ترى أن الاتفاق يمس مطالباتها وحقوقها في المنطقة.
التقارب المصري التركي يقلل فرص التصعيد
ورغم الموقف المصري الرافض، استبعد عبد الفتاح أن يؤدي الملف إلى مواجهة سياسية حادة بين القاهرة وأنقرة، مشيرًا إلى أن التقارب المستمر بين البلدين منذ عام 2023 وفر مساحة لإدارة الخلافات والحفاظ على قنوات الحوار.
وأوضح أن مصر تستطيع الاستمرار في رفض الاتفاقية بالتوازي مع تطوير علاقاتها مع تركيا، باعتبار أن تحسن العلاقات الثنائية لا يعني بالضرورة إنهاء جميع الخلافات المتعلقة بالحدود البحرية والمصالح الإقليمية.
كما ربط التحول الأخير بالتغيرات التي طرأت على خريطة العلاقات داخل ليبيا، بعدما كانت تركيا ترتبط بصورة أساسية بغرب البلاد، بينما تركزت العلاقات المصرية بصورة أكبر مع شرق ليبيا.
وخلال الفترة الأخيرة، تحركت القاهرة لتوسيع علاقاتها مع الأطراف في غرب ليبيا، في مقابل خطوات تركية متسارعة لتعزيز علاقاتها مع القوى الموجودة في الشرق.
واعتبر عبد الفتاح أن أنقرة نجحت في بناء علاقات مع أطراف ليبية مختلفة، وهو ما ساعد في تهيئة الظروف السياسية لإقرار الاتفاقية داخل مجلس النواب بعد سنوات من رفضها.
عقبات أمام التنقيب عن النفط والغاز
وفي المقابل، استبعد الباحث أن يكون تصديق البرلمان كافيًا لبدء عمليات تنقيب فعلية في المناطق البحرية محل الخلاف، مشيرًا إلى استمرار الاعتراضات القانونية والسياسية من عدة دول في شرق المتوسط.
وأوضح أن الشركات الدولية قد تتردد في الاستثمار أو التنقيب داخل مناطق متنازع عليها، خصوصًا إذا ظلت شرعية ترسيم الحدود موضع اعتراض بين الدول المعنية.
كما أشار إلى أن إيداع مذكرة التفاهم لدى الأمم المتحدة لا يحسم وحده قانونيتها، معتبرًا أن الإيداع يمثل إجراءً توثيقيًا ولا ينهي الخلافات المتعلقة بالترسيم.
ورجح عبد الفتاح ألا تتجه تركيا سريعًا إلى بدء عمليات تنقيب استنادًا إلى التصديق الليبي وحده، في ظل احتمالات الدخول في خلافات متزامنة مع مصر واليونان وقبرص وإسرائيل.
وبذلك، يعيد تصديق مجلس النواب الليبي الاتفاقية البحرية مع تركيا إلى قلب صراع المصالح في شرق المتوسط، لكنه لا يحسم النزاعات القانونية بشأن الحدود ولا يضمن الانتقال المباشر إلى استغلال الثروات البحرية، فيما يبقى احتواء الخلاف بين القاهرة وأنقرة اختبارًا جديدًا لمسار التقارب بين البلدين.






