لعلنا لا نبحث عمن غابوا، بقدر ما نتتبع في آثارهم طريقًا يعيد أرواحنا إلى نفسها، منذ أكثر من عشرة أعوام، يرافقني عبد الله النديم. لا يطرق باب ذاكرتي ضيفًا، بل يدخل كمن يعرف البيت، ويعرف أين خبأتُ حنيني، وأين تركتُ ما لم أستطع قوله. أقرأ عنه، ثم أغلق الكتاب، فأجده قد بقي مفتوحًا في داخلي.
أذهب إلى مقبرة يحيى أفندي باحثًا عنه،
فأعود وفي يدي أسئلة تخصني أنا أيضًا.
ولطالما سألت نفسي:
لماذا هذا الرجل؟
قبين مصر والآستانة مئات من حكايات المنفيين، فلماذا اختار قلبي أن ينشغل بهذه الحكاية، وأن يجعل من قبر لا يعرف موضعه شاغلًا يتقدم على شواغل كثيرة؟
▪️لم أجد الجواب في التاريخ وحده.
وجدته في شيء من حياتي.
بدأت الحكاية، ربما، من مدينة لا تكف عن إنجاب الغائبين وإبقائهم أبناءً لها: الإسكندرية.
▪️ولد عبد الله بن مصباح النديم فيها سنة ألف وثمانمئة وخمس وأربعين، في عاشر ذي الحجة سنة ألف ومئتين وإحدى وستين للهجرة، على ما يورده بعض كتّاب سيرته.
▪️وولدتُ فيها في الخامس من ديسمبر سنة ألف وتسعمئة وأربعة وستين.
…وبين الميلادين ما يزيد على قرن، وبين البحرين بحر واحد. لم نسمع الموجة نفسها،
لكنني أحب أن أتصور أن الموج كان يعرف سرّنا قبل أن نعرفه.
▪️تعلق كلانا بهذه المدينة، لا لأنها أجمل المدن فحسب، بل لأنها تمنح أبناءها شيئًا من طبيعة البحر:
سعةً تضيق أحيانًا، وحريةً لا تحتمل الأقفاص، وذاكرةً ترد الغائبين إلى أرصفتها مهما طال الرحيل. لم تكن الإسكندرية عندي عنوان الميلاد.
كانت الأمكنة التي أعود إليها ولو تعذرت العودة؛ نسيمًا ووجوهًا وقبورًا وأصواتًا يعرف القلب طريقها وإن عجزت القدم.
▪️ثم إن كلًا منا ولد مرتين. مرةً يوم جاء إلى الدنيا، ومرةً يوم وجد نفسه في قلب ثورة.
…كانت ولادة النديم الثانية في الثورة العرابية، حين خرج من حدود الأديب اللامع إلى اتساع الصوت الذي يوقظ الناس.
…وكانت ولادتي الثانية في ثورة يناير، التي لم تمنحنا حياة جديدة كاملة، لكنها جعلتنا نرى حياتنا القديمة بعيون أخرى.
ليست الثورتان صورةً مكررة، ولا نحن نسختين من رجل واحد؛
لكنهما تركتا في الروحين ندبة :
ماذا يفعل الإنسان حين يلمح وطنه ممكنًا، ثم يشاهد ذلك الممكن يبتعد؟
▪️عرف النديم مرارة الهزيمة، ثم عرف المطاردة والتخفي والقبض والنفي. ▪️وعرفت أنا السجن قبل يناير، وعرفت بعد تراجع أحلامها وجوهًا أخرى من العزلة والإبعاد وطول الانتظار.
لم تكن سنواتنا واحدة، ولا أثماننا متساوية، ولا أزعم لنفسي منزلة الرجل في عصره. لكنني أعرف شيئًا من وجع من رأى باب الحرية يُفتح، ثم وجد وراءه أبوابًا أخرى موصدة.
جمعتنا كذلك مهنة تبدو من بعيد صناعة حروف، وهي في الحقيقة صناعة حضور.
لم يكن النديم مجرد صاحب مقال. أنشأ من الكلمة منبرًا، ومن الصحيفة ساحة، ومن السخرية نافذة يتسلل منها الضوء إلى بيوت لا تصلها خطب القصور. كانت «التنكيت والتبكيت» و«الطائف» و«الأستاذ» أكثر من أوراق تُطبع؛ كانت محاولة لأن يجد الناس لأنفسهم صوتًا.
وأنا، بعد الصحافة والسياسة، شاركت في بناء منبر تلفزيوني من المنفى. عرفت أن الإعلام ليس ما يقوله المذيع أمام الكاميرا وحده، بل ما يحمله وراءه من بشر ومسؤوليات ومخاوف وأحلام. هناك ورق كان يهرب من يد الرقيب، وهنا صوت وصورة يعبران الحدود؛ اختلفت الوسائل، وبقي السؤال: كيف نُبقي نافذة للوطن مفتوحة، حين تضيق منافذه في الداخل؟
ولم يكن النديم ملاكًا من ورق. تثير سيرته أسئلة عن خصوماته الحادة، وعن وظيفة حمل اسم «مفتش المطبوعات»، وعن كلمات لا يصح أن نحبها جميعًا لمجرد أننا نحب صاحبها. وأنا لا أبحث عن توأم يبرئني، ولا عن قديس أعلقه في غرفتي. أحب فيه الإنسان الذي خاض امتحاناته مترددًا أحيانًا، جريئًا كثيرًا، ومُثقلًا بما لا تسعه الشعارات.
▪️ثم جاء المنفى، فاقتربت الصورتان على نحو أشد إيلامًا.
عبر النديم يافا ومدن الشام، وانتهت خطاه إلى الآستانة. وانتهت بي رحلتي إلى إسطنبول، المدينة نفسها التي تغير اسمها في أفواهنا وبقي بحرها قادرًا على حمل الشوق القديم. لكليْنا في هذه المدينة وجوه أحسنت استقبالنا، ومساحات من حرية وكرامة ما كنا لنستخف بهما. لكن حلاوة الأمان لا تمحو مرارة الغياب. يستطيع المنفي أن يشكر البيت الذي آواه، وأن يبكي في الوقت نفسه البيت الذي غادره. وليس في القلب تناقض حين يحب مكانًا ويشتاق إلى مكان آخر.
المنفى ليس أن تعيش بعيدًا عن وطنك فقط. هو أن يقع شيء جميل ولا تستطيع أن تطرقه على باب أمك؛ أن تنجح، ثم تكتشف أن أول رقم يريد إصبعك أن يطلبه صار خارج الخدمة إلى الأبد.
هنا، بالذات، يتقدم وجه أمي، فيصير التاريخ شديد القرب.
في إحدى أوراق مذكراتي، كتبت عن رغبتي في أن يكون قبري إلى جوار أمي في مدافن المنارة بالإسكندرية إن تيسر ذلك، وعن تفكيري، إن لم يتيسر، في موضع بإسطنبول قريب من مقبرة النديم وعبد الفتاح كيرة. يوم كتبت تلك السطور لم أكن أتوقع أن يصبح البحث عن موضع قبر النديم نفسه فصلًا طويلًا من حياتي. أي مفارقة أن أفتش عن موضع راحة رجل، وقد فكرت ذات يوم في أن يكون قريبًا من راحتي الأخيرة!
كانت أمي قد رحلت سنة ألف وتسعمئة وأربع وتسعين. وبعد رحيلها بشهور، خرجت من مناقشة الدكتوراه في موسكو سنة ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين، وأسرعت إلى هاتف دولي لأزف إليها الخبر. أدرت القرص حتى قاربت أن أطلب رقمها، ثم تذكرت أنها رحلت. هناك، وليس عند قبرها، شعرت كأن الفقد وقع لتوه. فقدتُ يومها لا من يواسيني في الحزن فقط، بل من كان ينبغي أن يشاطرني الفرح.
أما أم النديم، فقد قطعت البحر تبحث عن ابنها المريض، ووصلت بعد أن سبقتها وفاته. لم تصل في الوقت الذي كانت فيه يده تنتظر يدها. وكم مرة وقفت أمام هذه الحكاية، أتخيل أمًا فاتتها لحظة الوداع، ثم أتذكر ابنًا فاتته لحظة البشرى. اختلف المشهدان، والتقى فيهما ذلك النقص الذي لا يعوضه الزمن: أن تغيب الأم عن اللحظة التي تكون في أمس الحاجة إليها.
لم أعد أرى النديم مجرد شخصية في كتاب. رأيت رجلًا سبقني إلى تجربة أعرف شيئًا من وجعها. رجلًا أراد أن يعود ولم يعد. انتظر أمه، فوصلت بعد غيابه. وترك أوراقًا لم تصل كلها إلى أهله. ثم مضى أكثر من قرن، وبقي القبر الذي نعرف مقبرته بغير عنوان محدد لنا.
ما أقسى أن يصبح وطن الإنسان ذكرى، ثم يصبح قبره نفسه ذكرى بلا عنوان.
لكنني أرفض أن تكون هذه هي النهاية.
لقد مرّت بنا في هذه السلسلة شواهد ووجوه لم تكن في أول الطريق. وقفنا أمام حجر اتضح أنه يحمل توقيع خطاط لا اسم الميت. قرأنا خبرًا عثمانيًا عن الوفاة. تتبعنا شهادة من عرفوا الجنازة، وشهادة أم لم تدرك الوداع. بحثنا في مراسلات الباحثين وقراءات الشواهد، وفي أوراق أحمد تيمور، ثم وجدنا صورتين منشورتين لنموذجين من رسالتين بخط النديم إلى الشيخ علي الليثي.
في كل مرة ظننت أن الطريق ينتهي، ظهرت ورقة تقول إن ثمة طريقًا آخر. ومع كل أثر تعلمت ألا أدّعي ما لم أجده، وألا أجعل حبي للرجل يغلب حقه في الحقيقة. فالحب الذي يزوّر ليصل أسرع ليس حبًا، والوفاء لا يستعير من الوهم شهادة ميلاد.
بعض المصادر تؤرخ وفاته بالعاشر من أكتوبر سنة ألف وثمانمئة وستة وتسعين، وأخرى بالحادي عشر. وبين اليومين متسع لخلاف المؤرخين، لكنه أضيق بكثير من المسافة التي صنعها النسيان. لقد انقضى أكثر من سبعة وأربعين ألف يوم على رحيله. ولا أريد أن يستهلكنا الخلاف في يوم الوفاة حتى ننسى الواجب في الأيام التي تليه.
فالذكرى الحقيقية لا تقاس بما نقوله في يومها، بل بما نفعله في اليوم التالي. الاحتفال سهل؛ أما الوفاء، فهو أن يبدأ العمل عندما تنتهي الكلمات.
ويسألني بعضهم: لماذا كل هذا الانشغال برجل مات منذ مئة وثلاثين عامًا، بينما من حولنا حاضر يستغيث؟ وهل أعثر على قبره، فأكون قد أنجزت شيئًا؟ وهل إعادة رفاته، إن أمكنت قانونًا وإنسانيًا، تعيد إليه ما انتزعه المنفى من عمره؟
لا. عبد الله لن يعود إلى الدنيا، حتى لو أعدنا رفاته إلى وطنه. لكن هذه السلسلة ربما أعادت إلى الدنيا شيئًا من عبد الله. وربما كان هذا مبلغ ما أطمئن إليه.
ولا أعد العثور على الرفات غاية تتقدم على حرمة الميت وأهله، أو على مقتضى الدليل والقانون. إن أمكن أن نحدد القبر ونكرمه ونحفظه، فذلك وفاء. وإن أمكن يومًا أن نتداول أمر العودة على وجه لائق، فليكن. لكن عودة الفكر ليست معلقة على حركة تابوت، واستعادة الأوراق لا تنتظر إذنًا من الموت.
أن نبحث عن الجسد، وعن الكتب، وعن الرسائل، وعن الحقيقة التي ضاعت بين الأيدي. وأن نعيده إلى مصر إن أمكن جسدًا، وإليها فكرًا على أي حال. وحين يعود اسمه، أتمنى ألا يعود معه حجر وحده. أتمنى أن تعود ورقة، ومخطوطة، وكتاب، وصوت، وحقيقة جديدة؛ شيء مما كتبه في ليالي المنفى، ولم يتخيل أن أحدًا سيفتش عنه بعد أكثر من قرن.
لا أدري أين سأمضي أنا في بقية الطريق. أعرف فقط أنني لا أحب أن يتحول النفي إلى نبوءة نهائية، ولا أن يصبح الخوف من الموت بعيدًا عن الوطن سببًا في قبول حياة بلا كرامة. لقد كتبت من قبل عن رغبتي في أن أدفن جوار أمي، وعن اتساع أرض الله إن تعذر ذلك. واليوم أعلم أن أعمق ما نرجوه ليس أن تملكنا الأرض بعد الرحيل، بل ألا تخسرنا الذاكرة ونحن أحياء.
وكم تمنيت أن ألتقي النديم مرة واحدة، لا لأحدثه عن الثورة والسلاطين،
بل لأمشي معه قليلًا على كورنيش الإسكندرية. نسكت حتى ينتهي الموج من كلامه، ثم أسأله: هل وجدت في الآستانة شيئًا يشبه بحرنا؟
هل سامحت الذين جعلوا العودة أمنية؟
وهل كنت، حين كتبت آخر رسالة، تعرف أن امرأة في مصر ستظل تبحث في دفاتر أبنائها عن حرف منك؟
لن يجيب. وربما كانت حيرتي هي الجواب الذي تركه لي.
تأخرنا كثيرًا يا نديم. لكننا لم نأتِ لنبحث عن عظامك فقط. جئنا نبحث عنك كلّك.
جئنا نبحث عن الرجل الذي كتب وضحك وغضب وأحب وخاصم، ووقف في الميدان ثم وقف وحيدًا أمام نافذة المنفى. جئنا نبحث عما ضاع من أوراقه، وعما بقي من حقه في وطنه، وعما لا يزال في داخلنا نحن من شجاعة لم تكتمل، ورجاء لم ينطفئ.
أعرف الآن لماذا لم يفارقني كل هذه السنوات.
لم أكن أمضي وحدي من النيل إلى البوسفور؛ كنت أمضي في طريق يعيدني، كلما ابتعدت، إلى أول مدينة أحببتها، وإلى أمي، وإلى الحلم الذي رأيته ذات يناير ممكنًا، وإلى المعنى الذي أريد ألا أفقده مهما طال المنفى.
ربما لا نصل غدًا إلى حجر قبره. لكننا نستطيع أن نمنع أن تضيع الطريق إلى روحه.
يا عبد الله، هذه آخر حلقات السلسلة المنتظمة، لا آخر الطريق. سيظل الباب مفتوحًا للباحثين، وللوثيقة التي لم تظهر بعد، وللحجر الذي لم ننتهِ من قراءته، وللأمل الذي لا يملك أحد حق إغلاقه. فقد ذهبت أبحث عن النديم، ثم وجدتني، في بعض منعطفات الرحلة، أبحث عن نفسي.







