تواصل العملة الأمريكية صعودها الملحوظ أمام الجنيه في القطاع المصرفي، متجاوزة مستوى 55 جنيها للشراء لأول مرة داخل حزمة من البنوك، في مؤشر جلي يعبّر عن استمرار الضغوط الحادة على سوق الصرف، بالتزامن مع إصرار الحكومة على الترويج لمشروعاتها الكبرى وفعاليات منتدى الاقتصاد لعام 2026 باعتبارها الركيزة الأساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية الموالية وتدعيم مستويات الثقة في البنية المالية للبلاد.

ارتفاع سعر الدولار يكسر حاجز الخمسين وسط تحديات اقتصادية كبرى

سجل سعر الشراء أعلى مستوياته عند 55.20 جنيها داخل بنكي بيت التمويل الكويتي وأبوظبي الإسلامي، في حين تخطى حاجز 55 جنيها داخل غالبية المصارف العاملة بالسوق المحلية، على وقع موجة صعود متواصلة انطلقت خلال الأيام السابقة، وتزامنت مباشرة مع خروج شرائح جديدة من استثمارات الأجانب خارج أدوات الدين الحكومية وعودة الهزات الضاغطة على قيمة العملة المحلية.

يفتح هذا الصعود المفاجئ الباب واسعا أمام تساؤلات ملحة تتعلق بمدى فاعلية السياسات النقدية والاقتصادية الحالية في ترميم ثقة المستثمرين، خصوصا أن الجهاز الحكومي كثف خلال الأسابيع المنصرمة رسائله الإعلامية حول تحسن المؤشرات الكلية، واستعرض عبر منصات منتدى الاقتصاد لعام 2026 إنجازاته المزعومة في قطاعات البنية التحتية والاستثمار والإصلاحات الهيكلية بغية تقديم لوحة مشرفة عن مناخ الأعمال.

تفاصيل التحركات المصرفية وضغوط السوق

تعكس واقعية التداولات اليومية مشهدا أشد تعقيدا مقارنة بالخطابات الرسمية التي تعول كثيرا على المشروعات القومية وشبكات النقل الحديثة والمدن الجديدة لاستقطاب رساميل أجنبية، إذ جاء قفز الدولار تبعا لموجة نزوح جديدة للأموال الساخنة من السوق الثانوية لأذون وسندات الخزانة، وهو ما ضاعف حجم الطلب المحموم على العملة الخضراء وألقى بأثقاله الثقيلة على كاهل العملة المحلية.

يؤكد محللون ماليون مستقلون أن استقرار أسعار الصرف لا ينفصل أبدا عن قدرة الهيكل الإنتاجي على استقطاب استثمارات حقيقية ومستدامة طويلة الأجل، وتأسيس بيئة تشريعية مستقرة قادرة على احتجاز رؤوس الأموال، عوضا عن الركون الكلي للتدفقات السريعة التي تتسم بسرعة التأثر بالمتغيرات العالمية والهروب السريع عند أول بارقة مخاطر.

آراء الخبراء وتحديات الاستثمار المباشر

أوضح الخبير المالي ممدوح الولي، في إفادات سابقة، أن استمرار الضغوط الضاغطة على الجنيه تجسد بوضوح اتساع فجوة النقد الأجنبي، لافتا إلى أن الاعتماد على الأموال الساخنة لا يحمل في طياته علاجا جذريا أو مستداما، لكونها تتبخر سريعا بمجرد تبدل المناخ الدولي أو تصاعد مؤشرات المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.

أكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق عبر عدة مقابلات أن المستثمر الخارجي يتحرى أولا وضوح الرؤية والسياسات الاقتصادية، واستقرار سعر الصرف، ومرونة تحويل الأرباح للخارج، وثبات البيئة التشريعية، عادا هذه الاشتراطات أكثر وزنا وتأثيرا في اتخاذ القرار الاستثماري من كافة الحملات الترويجية والمؤتمرات الكبرى.

أشار الخبير وائل النحاس، في تصريحات تليفزيونية موثقة، إلى أن مواصلة تراجع العملة المحلية تكشف عجز السوق عن تلبية احتياجاتها من التدفقات الدولارية الحقيقية، مبينا أن صعود الدولار يترجم اختلالا هيكليا بين قوى العرض والطلب وليس مجرد تذبذبات عابرة في قاعات التداول.

أنفقت الدولة طوال السنوات الفارطة عشرات المليارات من الجنيهات على مشروعات الطرق والتشييد والمدن الجديدة لاعتبارها طوق النجاة لجذب المستثمرين، غير أن خبراء الاقتصاد يشددون على أن هذه البنى الأساسية وحدها لم تفلح في خلق طفرة حقيقية ومستدامة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

يضع هذا التجاوز المزعج لسعر 55 جنيها الاقتصاد المحلي أمام اختبار مصيري عسير، في وقت تحاول فيه الدوائر الرسمية إقناع الأسواق بأن برامج الإصلاح قد أثمرت، بينما ترسل مؤشرات التداول رسائل معاكسة تنذر باستمرار نزيف العملة وتفاقم الأعباء المعيشية.