ليس لدي سبب واحد للإعجاب أو الاتفاق مع الزميل الدكتور محمد_الباز، فيما يذهب إليه في ساحات شقاء السياسة، أو في دوره الإعلامي السياسي الذي انتدب نفسه له على امتداد مشواره الطويل.
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن للباز في بلاط صاحبة الجلالة الثقافية شأنا مختلفا عن شأنه في بلاط السلطة والسياسة.
لا أزعم أن اهتمامي بالثقافة هو الاهتمام الأول الذي عشت حياتي له مثل كثير من المثقفين المصريين والعرب، ولا أزعم أيضا أن موقفي من دور محمد الباز في الصحافة الثقافية موقف قديم، أو أن جذوره تمتد إلى معرفتي الأولى به قبل أكثر من عقدين، وربما أكثر.
فقد نتأخر في إنصاف بعض الناس، لا لأنهم تغيروا بالضرورة، بل لأننا اكتشفنا فيهم ما حجبه عنا ضجيج الخلاف.
أحسب أن هذا الموقف الإيجابي ولد مع «حرف»، المطبوعة الثقافية الإلكترونية الصادرة عن مؤسسة الدستور، التي أدهشتني منذ لقائي الأول بها، ثم أبهرتني بالعدد الأخير، السابع والأربعين بعد المائة، الذي صدر قبل أيام. عكفت على معظم صفحاته قراءة ومتعة وتأملا.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها استعادت للصحافة الثقافية تقاليدها، دون أن تستعيد أعباء ورقها، وكأنها تقول إن الصحيفة لا تحتاج إلى مطبعة بقدر حاجتها إلى فكرة وقلم، ولا تحتاج إلى أحبار بقدر حاجتها إلى حبر الموهبة.
الباز ينتمي إلى مدرسة صحفية لم أقف يوما على بابها، رغم أنني كنت أسكن في مقتبل حياتي على بعد أمتار من مقرها.
مدرسة «روزاليوسف»، البارعة في اختيار العناوين، والجريئة في اقتحام الموضوعات، والمولعة بما هو مثير للجدل «جدا»، أو مثير للجدل «فقط». ولو كانت هذه المدرسة بناء تعليميا، لكان إحسان_عبد_القدوس، ابن صاحبتها، أول مدير لها، و#صلاح_حافظ ناظرها الأبرز، و#أحمد_بهاء_الدين أستاذها الأول، الذي أبدع خارج المنهج. فلم يتبن بعده هذا الخط سوى صديقي الراحل مجدي_مهنا.
أما اتحاد طلابها، فقد تعاقبت على رئاسته أسماء من عيار عادل_حمودة و#إبراهيم_عيسى و#وائل_الإبراشي ومحمد الباز.
قد نختلف مع المدرسة، أو مع ميراثها اليساري، لكننا لا نستطيع إنكار مهارتها في جعل الصحافة حية، مشاكسة، وقادرة على إيقاظ القارئ من سباته.
في «حرف» الأخيرة وجدت تلك الخلطة التي أحبها: موضوعات لا تخلو من الصدمة، وكتابات لا تفقد متعتها تحت وطأة الجدية. من أحفاد رفاعة_الطهطاوي إلى حكايات التوأمين علي_أمين و#مصطفى_أمين، ومن النوبة وأدبها إلى أسئلة العقل والسلطة، وسيرة المؤرخين، وأوجاع الشعراء، وأسرار الفن والغناء. ليست قيمة العدد في اتفاقنا مع كل ما ورد فيه، بل في أنه يمنح القارئ فرصة نادرة ليختلف وهو مستمتع، ويعترض وهو ممتن لمن أثار في عقله الأسئلة.
استوقفتني الروائية سمر_نور، الفائزة بجائزة «كتارا» عن روايتها «آشا.. الجعران والقمر». أعجبني انشغالها بتاريخ النوبة الشفهي، وحكايات الجدود التي بقيت معلقة بين الذاكرة والخيال، وحضور المرأة النوبية بوصفها حارسة للحكاية، لا مجرد شخصية على هامشها. فالتراث لا يعيش بما نعلقه منه على الجدران، بل بما يبقى في وجدان الناس. وأحسب أن الأدب ينجح حين يعيد إلى الغائبين أصواتهم، وإلى الأماكن المنسية حقها في الكلام.
وللنوبة في قلبي مكان لا يشبه غيره. كتبت عنها من قبل أنها «وطن صغير يسكن القلب قبل أن يسكن الجنوب». أحببت ألوان بيوتها، وظلال نخيلها، وآثارها، ولغتها، وأغنياتها، وفنونها ومبدعيها، لكنني أحببت أكثر ما فيها قلوب أهلها.
أتوقف كثيرا أمام كتابات المبدع حجاج_أدول، وأتذكر صديقي عبد_الصبور، و#هاني_يوسف، والراحل أحمد_كاجوج، وهو يروي بنبرته الدافئة حكايات التهجير، وأتذكر أهل بلانة، وكل من علموني أن الأرض قد تغرق تحت الماء، لكنها لا تغرق في ذاكرة أصحابها.
ولهذا فرحت بحضور النوبة في «حرف»؛ فخلف جمالها حق لم يسقط، وخلف أغنياتها وجع لم يزل، وخلف ابتسامتها صبر لا ينبغي أن يكون بديلا عن العدل.
وأعادتني «حرف»، بمقالها عن طيب القلب علي أمين، إلى زمن جميل من الصحافة المصرية، وإلى المفارقة الإنسانية بين التوأمين. كان مصطفى أمين، بشهادة من عاصروه، وأنا منهم، صاحب موهبة صحفية فذة، وكان علي أمين صاحب قلب نقي وسريرة طيبة. ومن حسن حظي أن مصطفى أمين لم يكن بالنسبة إلي مجرد اسم كبير، فقد عرفته عن قرب، ورشحني لجائزة من الدولة للصحافة الشابة في العيد الأول للثقافة والفن عام ١٩٧٩، وكنت وقتها تلميذا.
وكتب مدافعا عني في عموده «فكرة» حين اعتقلت طالبا جامعيا في مارس ألف وتسعمائة واثنين وثمانين، وبقيت مواقفه في ذاكرتي وقلبي، كما بقيت دروسه في الصحافة والحرية والإنسان.
ومن مصطفى أمين إلى تلميذه مصطفى_شردي، أستاذي الذي أحببته أبا حنونا ومدرسة في الصحافة الشجاعة والوطنية. كتبت من قبل عن «المصطفين»، وما زلت أرى أن أجمل ميراث يتركه الصحفي الكبير ليس المقالات التي تحمل اسمه، بل البشر الذين ترك فيهم شيئا من شجاعته وموهبته وحنانه.
مقال «حرف» عن الأستاذ علي أمين، الذي لم أتشرف بلقائه، أعادني إلى هذه الوجوه العزيزة، وذكرني بأن تاريخ الصحافة لا تصنعه المواقف الصاخبة وحدها، بل تصنعه أيضا القلوب التي منحت المهنة بعض النبل، ومنحت تلاميذها بعض الضوء.
أما ملف «البحث عن أبناء رفاعة»، فقد أخذني من متعة القراءة إلى وجع المقارنة بين التاريخ والحاضر. أحب الأستاذ الراحل بهاء_طاهر وأحترم مشروعه الفكري، وإن اختلفت مع بعض قراءاته لمسار النهضة المصرية. ورفاعة رافع الطهطاوي عندي أكبر من أن يختزل في نسب أو مدرسة أو اتجاه؛ إنه أحد الذين فتحوا للعقل المصري نافذة على العالم، دون أن يطلبوا منه إغلاق أبوابه على جذوره. لكن المفارقة المؤلمة أننا نحتفي اليوم برفاعة رمز التنوير، بينما لا ننصف دائما ما دعا إليه من حرية العقل وكرامة الإنسان.
ومن هنا أهدي هذا المقال إلى سعادة السفير محمد_رفاعة_الطهطاوي، الحفيد الذي يستحق شرف الانتماء إلى جده بيولوجيا وفكريا، وأتمنى أن تنتهي محنة احتجازه التي امتدت ثلاثة عشر عاما. لا أطلب له امتيازا بسبب اسمه، وإنما أطلب له إنصافا بسبب إنسانيته وحقه في العدالة. وأهديه أيضا إلى حفيدة الطهطاوي الدكتورة ماجدة_رفاعة، واحدة من أرقى وأرق وأفهم من عرفت في هذه الدنيا. وما أجمل أن يتواصل النسب إلى العظماء في الدم والخلق معا؛ فالأسماء الكبيرة لا يخلدها أحفادها بكثرة ترديدها، بل بما يحملونه من قيمها.
وفي بقية العدد متع أخرى؛ من دموع الكاتب الجزائري حامد_ياسين في حفل توقيع خلا من القراء، إلى سيرة المؤرخ أحمد_زكريا_الشلق، وتأملات صديقي الحبيب والحكيم دكتور حسام_بدراوي، وحكايات أم_كلثوم والفن والشعر والسينما. وقد أختلف مع بعض المعالجات، أو أرى في بعض العناوين إثارة تزيد على حاجة الفكرة، لكن ذلك لا ينتقص من قيمة التجربة. فالثقافة ليست مجلسا للموافقين، والصحافة التي تستحق القراءة هي التي تسمح للعقل بأن يتحرك، لا التي تريحه من عناء التفكير.
لهذا أكتب اليوم عن محمد الباز، دون أن أغير موقفي من آرائه السياسية، أو أخفف من خلافي مع دوره الإعلامي. فالإنصاف ليس مكافأة لمن نتفق معهم، وإنما امتحان لقدرتنا على رؤية ما يستحق التقدير عند من نختلف معهم. وقد علمتني سنوات الصحافة والسياسة أن الخصومة لا ينبغي أن تكون عماها، وأن المحبة الحقيقية للثقافة تبدأ حين نرفض تحويل اختلاف الرأي إلى إنكار للموهبة.
وحتى أغلق باب المزايدة، أكرر بوضوح أكثر أني أختلف مع الباز في بلاط صحافة السلطة، لكن ربما بطريقة تعبير تختلف عن طريقته في التعبير عن خلافه معي (فقد دعا يوما إلى قتل شخصي المتواضع! ومرارا قال إنه يتحسس مسدسه عندما يسمع مني، أو عني، أو يقرأ لي… لكن هذا كله وغيره لا يمنعني من أن أشكره على ما صنع في بلاط الصحافة الثقافية).
وأدعو القارئ المصري والعربي إلى أن يمنح «حرف» بعضا من وقته، وأن يستمتع بحرف يختلف عن أي حرف، في زمن طغت فيه سخافة السوشيال ميديا على جمال المعرفة.
وصار الضجيج ينافس الفكرة، وعدد المشاهدات ينازع قيمة الكلمات. أدعوه إلى قراءة العدد الأخير، والعودة أيضا إليها من العدد الأول، ليرى كيف يمكن للصحافة أن تحتفظ بشبابها دون أن تتخلى عن وقارها، وأن تصل إلينا بلا ورق، لكنها لا تصل أبدا بلا معنى.
شكرا للدكتور محمد الباز ولزملائه في «حرف».
وأتمنى لهذه التجربة أن تكبر وتتسع لكل الأصوات، وأن تظل الثقافة فيها أرحب من السياسة.
فكم من خلاف أقام بين الناس جدارا، ثم جاءت قصيدة أو رواية أو حكاية قديمة، ففتحت فيه نافذة.
ولعل أجمل ما في الثقافة أنها لا تشترط أن نتفق، كي تمنحنا سببا لأن نتقارب.







