رسالة إلى البرلمان (٥ من ٧)
[المضابط تتكلم.. حين هزّت ١٦١ صوتًا السلطة]
«مشروع إصلاح المؤسسة التشريعية في مصر»

ليست كل انتخابات دليلًا على وجود منافسة، ولا كل تزكية تعبيرًا عن توافق، كما أن الأغلبية لا تعني دائمًا الإجماع، والأقلية ليست بالضرورة عنوانًا للعجز. فقد تفوز الأغلبية بكل المقاعد، وتخسر شيئًا من ثقة الناس، وقد تخسر المعارضة مقعدًا، وتربح معركة أبقى من المنصب الذي لم تحصل عليه. وبين شرعية العدد وقوة الحجة، تتحدد قيمة البرلمان، الذي لا ينبغي أن يكون آلة لجمع الأصوات، بل مؤسسة لوزن الآراء، واختبار البدائل، وتصحيح القرارات.

في رسالتي الرابعة، توقفت أمام الدراسة المهمة التي أعدها الدكتور عبد الناصر قنديل، ونشرها موقع الحرية، حول تشكيل اللجان النوعية بمجلس النواب. واستعدت من ذاكرتي البرلمانية واقعتين: الأولى عن لجنة الثقافة والإعلام والسياحة، التي جذبت بعض النواب بسبب ما توحي به كلمة «السياحة» من رحلات وزيارات، والثانية عن لجنة الخطة والموازنة، التي عانت ضعف الإقبال رغم أهميتها، ثم أصبحت مقصدًا للكثيرين مع صعود النفوذ السياسي لرئيسها. وكان السؤال: هل يذهب النائب إلى اللجنة ليخدم اختصاصها، أم لأنها قد تخدم طموحاته ومكانته؟

واليوم أنتقل من عضوية اللجان إلى توزيع السلطة داخلها، ومن المقاعد التي يشغلها النواب إلى المواقع التي تدير عملهم. لكنني أجد من الضروري، قبل العودة إلى أرقام الدراسة، أن أستعيد واقعة من عام ٢٠٠٠، ربما لم تُروَ بكل أبعادها من قبل. واقعة بدأت بمائة وواحد وستين صوتًا أُعلنت، وأصوات أخرى تحدث عنها شهود الفرز، ثم انتهت إلى ارتباك سياسي تجاوز حدود انتخابات وكالة مجلس الشعب، وكشف جانبًا من طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان.

آمال عثمان.. المنافسة مع دولة من الخبرة والنفوذ

في بداية الفصل التشريعي الذي أعقب انتخابات مجلس الشعب عام ٢٠٠٠، تقدمت مرشحًا لمنصب وكيل المجلس. ولم تكن المنافسة عادية، ولا كانت منافستي شخصية يمكن التقليل من مكانتها. فقد كانت الدكتورة آمال عثمان، وكيلة المجلس السابقة، والوزيرة التي أمضت نحو عشرين عامًا في قلب دولاب السلطة المصرية، منذ عهد الرئيس أنور السادات، فضلًا عن مكانتها الأكاديمية أستاذة للقانون الجنائي بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، وإسهاماتها العلمية في قانون العقوبات والإجراءات الجنائية.

أقول هذا إنصافًا لامرأة صاحبة تاريخ علمي وسياسي معتبر، لا يجوز اختزاله في انتمائها للحزب الوطني. فقد كانت منافستي تملك من الخبرة البرلمانية والنفوذ الأدبي والعلاقات داخل مؤسسات الدولة ما يجعل المعركة غير متكافئة، حتى لو كانت موازين القوى الحزبية أكثر توازنًا. فما بالنا بمجلس تملك فيه السلطة أغلبية كاسحة، بينما تمثل المعارضة أقلية محدودة العدد، متباينة الانتماءات والاتجاهات، ولا تملك من أدوات التأثير ما تملكه الحكومة وحزبها؟

لم أكن أتوهم أن الفوز مضمون، ولا أن الأرقام تسمح بمعركة متكافئة، لكنني كنت أؤمن بأن من حق المعارضة أن تنافس على كل موقع، وأن تختبر قدرة النواب على الفصل بين الانتماء الحزبي والتقدير الشخصي، وبين التعليمات السياسية وحرية الاختيار. فالمنصب لا ينبغي أن يكون حكرًا على الأغلبية لمجرد أنها الأغلبية، كما لا يصح أن يُمنح للمعارضة مجاملة لأنها المعارضة. المعيار هو الكفاءة، والثقة الحرة التي يمنحها أعضاء المجلس.

مائة وواحد وستون صوتًا.. والستة التي لم تظهر في النتيجة

أجريت الانتخابات، وأُعلنت النتيجة بحصولي على مائة وواحد وستين صوتًا، في مجلس يضم أربعمائة وأربعة وخمسين نائبًا. لم أفز بمنصب الوكيل، لكنني حصلت على أصوات تتجاوز بأضعاف الحجم العددي للقوى المعارضة التي كنت أنتمي إليها أو أتوقع مساندتها. وكان واضحًا أن نوابًا من خارج الدائرة التقليدية للمعارضة، وبينهم عدد غير قليل من نواب الأغلبية، اختاروا التصويت لي، رغم اختلاف مواقعنا السياسية والحزبية.

غير أن الرقم المعلن لم يكن، وفق ما وصلني من شهادات مهمة، نهاية الحكاية. فقد أبلغني زملاء شاركوا في متابعة الفرز، وفي مقدمتهم النائبان رامي لكح وفؤاد بدراوي، أن عملية الفرز كانت قد أظهرت وصول أصواتي إلى قرابة مائة وسبعة وستين صوتًا، قبل أن تتوقف وسط تدخلات وضغوط نسبوها إلى رئيس المجلس آنذاك الدكتور أحمد فتحي سرور، والأمين العام للمجلس الأستاذ سامي مهران.

وبحسب ما نقل إليّ هؤلاء الزملاء، كان التبرير المتداول لذلك التدخل أن ظهور الأصوات بهذا الحجم قد يحدث زلزالًا داخل السلطة، وربما يدفع الرئيس مبارك إلى التفكير في حل مجلس لم تكن قد مضت على انتخابه سوى أيام قليلة. ولا أقدم الرقم الذي كشفته هذه الشهادات باعتباره نتيجة رسمية بديلة، وإنما باعتباره جزءًا من شهادتي عن واقعة عشتها، وأحاديث سمعتها ممن تابعوا تفاصيلها، وأرى أن مكانها الطبيعي في مشروع المضابط تتكلم، إلى جوار الوثائق ومحاضر الانتخابات التي ينبغي إتاحتها.

والمفارقة أن الفارق بين مائة وواحد وستين ومائة وسبعة وستين صوتًا لم يكن ليغير اسم الفائز، لكنه كان يكشف حجم ما اعتبرته السلطة خروجًا غير مألوف على الانضباط السياسي. فالمشكلة لم تكن في احتمال حصول نائب معارض على مقعد الوكيل، بقدر ما كانت في أن عددًا كبيرًا من نواب الأغلبية استطاع أن يصوت على خلاف ما كان يُنتظر منه. وكأن الخطر لم يكن في النتيجة، بل في أن بعض النواب مارسوا حق الاختيار.

مبارك يتساءل: «هو بيعمل لكم إيه؟»

ولم تتوقف التداعيات عند حدود المجلس. فقد نُقل إليّ عمن حضروا الاجتماع الأول للهيئة البرلمانية للحزب الوطني بعد تلك الانتخابات، أن الرئيس حسني مبارك أبدى غضبًا شديدًا من النتيجة، متسائلًا دون أن يذكر اسمي صراحة: «هو بيعمل لكم إيه؟». كان سؤالًا قصيرًا، لكنه في تقديري يختصر جانبًا من طبيعة العلاقة التي كانت السلطة التنفيذية تتصور أنها تربطها بأغلبيتها البرلمانية، ومدى ارتباكها من أن يتحول الاقتراع السري إلى مساحة لا تخضع بالكامل للتوجيه السياسي.

لم يكن السؤال، كما فهمته يومها، عن أسباب اقتناع النواب بمرشح معارض، بل تعبيرًا عن دهشة السلطة من احتمال أن يكون لنوابها رأي لا يتطابق مع حساباتها. فالسلطة التي اعتادت أن ترى الأغلبية كتلة صماء، قد تصاب بالارتباك حين تكتشف أن هذه الكتلة تتكون من بشر، لكل منهم تقديره وموقفه وضميره. وهنا يتحول التصويت من إجراء تنظيمي إلى اختبار لاستقلال الإرادة البرلمانية.

وربما كان هذا الارتباك انعكاسًا لما كان يجري داخل الحزب الوطني من صراعات بين الحرس القديم والحرس الجديد، وبين مراكز النفوذ السياسي والتنظيمي، وبعض الأجهزة التي كانت تتنافس على التأثير في مستقبل السلطة. وقد بدا لي أن أطرافًا متعددة حاولت تضخيم واقعة انتخابية محدودة، وتحويلها إلى هاجس يهدد استقرار النظام، ربما لتصفية حسابات داخلية أو إثبات الولاء أو تقديم تفسير أمني لحدث كان تفسيره الأبسط أن نوابًا اختاروا التصويت وفق اقتناعهم.

مليون جنيه من أمريكا.. لكل نائب!

ولعل أكثر ما أثار دهشتي وسخريتي ما بلغني عن الشائعة التي رددها وزير الداخلية آنذاك حبيب العادلي، ومفادها أن كل نائب صوت لصالحي حصل على مليون جنيه من الولايات المتحدة الأمريكية. نعم، مليون جنيه لكل صوت! وكأن مائة وواحدًا وستين نائبًا لم تكن لهم عقول أو مواقف أو إرادة، ولم يكن ممكنًا أن يقتنع أحدهم بمرشح معارض إلا إذا تقاضى ثمنًا من دولة أجنبية.

ولو أخذنا هذه الحكاية الهزلية بحسابات أصحابها، لكان المطلوب الحديث عن مائة وواحد وستين مليون جنيه على الأقل، دُفعت لشراء أصوات في انتخابات لا تختار رئيس الجمهورية، ولا تشكل الحكومة، بل تنتخب أحد وكيلي مجلس الشعب! فأي خيال يستطيع ابتكار هذا التفسير، وأي عقل سياسي يتعامل معه باعتباره احتمالًا جادًا؟ لم يكن لهذه الرواية، فيما أعلم، دليل أو سند، لكنها تكشف كيف يتحول العجز عن تفسير الاختلاف إلى اتهام المختلفين بالعمالة والرشوة والخيانة.

والأخطر من سخف الشائعة أنها تعكس ميلًا إلى تجريم الاستقلال، واعتبار التصويت المخالف لإرادة السلطة نتيجة مؤامرة خارجية، لا ممارسة دستورية. فإذا أصبح النائب متهمًا كلما اختار على خلاف ما يُراد منه، فما قيمة الاقتراع السري؟ وإذا كانت السلطة لا تستطيع تصور أن أحدًا يختلف معها عن اقتناع، فكيف يمكنها فهم وظيفة البرلمان أصلًا؟

من الثلث البرلماني إلى المادة السادسة والسبعين

كانت هذه المعركة تحمل، في تقديري، دلالة دستورية تتجاوز حدود وكالة المجلس. فقد كانت المادة السادسة والسبعون من دستور ١٩٧١، قبل تعديلها عام ٢٠٠٥، تنص على أن يبدأ ترشيح رئيس الجمهورية بناءً على اقتراح ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، ثم يتطلب اعتماد المرشح وعرضه على الاستفتاء أغلبية الثلثين، مع إجراءات بديلة عند عدم تحقق هذه الأغلبية.

وكان حصولي على مائة وواحد وستين صوتًا، أي أكثر من ثلث أعضاء المجلس، كافيًا لإثارة هواجس سياسية لدى بعض دوائر السلطة حول ما قد يحدث مستقبلًا. صحيح أن تجاوز حاجز الثلث في انتخابات الوكالة لم يكن يعني أنني أملك تلقائيًا حق الوصول إلى الاستفتاء الرئاسي؛ فهناك فرق دستوري واضح بين اقتراح المرشح واعتماد ترشيحه. لكن السياسة لا تتحرك دائمًا وفق الحساب القانوني وحده، وقد يتحول احتمال نظري محدود إلى هاجس كبير لدى من اعتادوا السيطرة على كل الاحتمالات.

وأعتقد أن هذه الهواجس كانت جزءًا من المناخ الذي سبق تعديل المادة السادسة والسبعين عام ٢٠٠٥، والانتقال من نظام الترشيح بواسطة مجلس الشعب ثم الاستفتاء، إلى نظام الانتخابات الرئاسية التعددية المباشرة. ولا أزعم أن معركة وكالة المجلس كانت السبب الوحيد، أو الحاسم، في هذا التحول، الذي تداخلت فيه اعتبارات داخلية وخارجية وصراعات حول مستقبل الحكم. لكنها كشفت مبكرًا جانبًا من القلق الذي أحاط بإمكان ظهور منافسة سياسية غير محسوبة من داخل مؤسسات النظام نفسه.

والمفارقة أن السلطة التي أقلقها احتمال تجمع هذا العدد من النواب خلف مرشح معارض، انتقلت بعد سنوات إلى تعديل يفتح نظريًا باب المنافسة الشعبية المباشرة، لكنه أحاطها بشروط وقيود معقدة. وهنا يتأكد أن جوهر الديمقراطية لا يتحدد بإعلان المبدأ، بل بالشروط التي تجعل ممارسته ممكنة. فقد تفتح السلطة بابًا في الدستور، ثم تضيق الممرات المؤدية إليه، وقد تعلن التعددية بينما تحتفظ بأدوات تجعل المنافسة غير متكافئة.

من وكالة المجلس عام ٢٠٠٠ إلى لجان عام ٢٠٢٦

من هذه الذاكرة أنتقل إلى دراسة قنديل، وإلى انتخابات هيئات مكاتب اللجان النوعية التي جرت في الرابع من أكتوبر الجاري. فإذا كانت معركة وكالة المجلس قد كشفت قدرة بعض نواب الأغلبية على الخروج عن الاختيارات المتوقعة، فإن السؤال اليوم هو: إلى أي مدى تسمح آليات اختيار قيادات اللجان بمنافسة حقيقية، تعبر عن كفاءة المرشحين وإرادة الأعضاء، لا عن ترتيبات وتفاهمات سابقة على الاقتراع؟

لدينا خمس وعشرون لجنة نوعية، تتكون هيئة مكتب كل منها من رئيس ووكيلين وأمين للسر، بإجمالي مائة موقع قيادي. وتكشف المقارنة بين دوري الانعقاد الأول والثاني أن التغيير لم يشمل سوى اثني عشر موقعًا، بينها ثلاث رئاسات وثمانية مواقع للوكلاء وموقع واحد لأمين السر. أما المواقع الثمانية والثمانون الأخرى فاحتفظ بها شاغلوها، وبقيت هيئات مكاتب خمس عشرة لجنة دون أي تغيير.

لا أرى في الاستمرار عيبًا لمجرد الاستمرار، ولا في التغيير فضيلة لمجرد التغيير. فقد يكون بقاء رئيس لجنة دليلًا على خبرة ناجحة تستحق الثقة، وقد يكون تغييره خسارة لكفاءة تراكمت عبر سنوات. لكن السؤال هو: ما معيار هذه الثقة؟ لماذا بقي من بقي؟ ولماذا تغير من تغير؟ وهل جرى تقييم الأداء، أم كان التجديد امتدادًا لترتيبات سياسية سابقة؟ فالمنصب ليس حقًا مكتسبًا، والخبرة الطويلة لا تمنح حصانة من التقييم، كما أن الوافد الجديد لا يجوز حرمانه المنافسة لمجرد أنه لم يشغل الموقع من قبل.

وقد أوردت الدراسة نماذج تستحق التقدير والمراجعة معًا، بينها استمرار النائب مصطفى سيد سالم وكيلًا للجنة الخطة والموازنة عبر اثني عشر دور انعقاد، وتنقل النائب طارق رضوان بين رئاسة ثلاث لجان خلال عشرة أدوار، واستمرار النائب أحمد السجيني رئيسًا للجنة الإدارة المحلية لعشرة أدوار متتالية. وقد تكون في هذه التجارب كفاءات تستحق الإشادة، لكن الحكم النهائي ينبغي أن يكون بما أنجزته اللجان من تشريعات وتعديلات ورقابة ومتابعة، لا بطول البقاء وحده.

سبعون دقيقة.. ومائة موقع قيادي

وتوقفت أمام واقعة إجرائية لافتة رصدتها الدراسة، إذ رفع رئيس المجلس المستشار هشام بدوي الجلسة الثالثة يوم الرابع من أكتوبر عند الثانية عشرة وعشرين دقيقة ظهرًا، بعد دعوة النواب إلى إجراء انتخابات اللجان، ثم عادت الجلسة الرابعة عند الواحدة والنصف لإعلان النتائج. أي إن الفاصل لم يتجاوز سبعين دقيقة لانتخابات مائة موقع قيادي في خمس وعشرين لجنة.

ليست السرعة وحدها دليلًا على مخالفة أو تلاعب، فقد تكون الترشيحات قد أُعدت مسبقًا، وقد تُحسم بعض المواقع بالتزكية، وهو ما تجيزه اللائحة. لكن السؤال: هل أتيح وقت كافٍ للتعرف إلى برامج المرشحين ومناقشة أولوياتهم؟ وكم موقعًا شهد منافسة فعلية، وكم حُسم بالتزكية؟ وهل كان التوافق نتيجة اقتناع حر، أم تعبيرًا عن تفاهمات سبقت الاقتراع؟ هذه أسئلة لحماية القيمة السياسية للانتخابات، لا للتشكيك في الأشخاص.

وتنص المادة الثانية والأربعون من اللائحة الداخلية على انتخاب رئيس اللجنة ووكيلين وأمين للسر بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائها، وبالاقتراع السري عند التنافس، مع إعلان الفوز بالتزكية إذا لم يزد عدد المرشحين على المواقع المطلوبة. وهذه القواعد لا تمنع المنافسة، لكن فعاليتها تتوقف على حرية الترشح وتكافؤ الفرص وإتاحة الوقت للاختيار. فالشرعية الإجرائية ضرورة، لكنها ليست وحدها ضمانة الكفاءة والتمثيل. وما أسهل أن تكون الانتخابات صحيحة في أوراقها، محدودة في اختياراتها.

الأغلبية التي تملك المقاعد.. والأقلية التي تملك حق السؤال

أما توزيع المواقع القيادية، فيكشف عن استمرار تركيز واضح. فقد حصل حزب مستقبل وطن على أربعين موقعًا من أصل المائة، بينها رئاسة اثنتي عشرة لجنة، وحصل حماة الوطن على رئاسة ست لجان، والجبهة الوطنية على أربع، بينما تولى المستقلون رئاسة لجنتين، وحصل الشعب الجمهوري على رئاسة واحدة. وفي المقابل، لم يحصل المستقلون، وعددهم مائة وعشرة نواب، إلا على ثمانية مواقع في هيئات المكاتب.

لا أقول إن العدالة تقتضي تقسيم المقاعد بحساب جامد، أو أن تتنازل الأغلبية عن حقها في القيادة، لكن الديمقراطية لا تعني أن تأخذ الأغلبية كل ما تستطيع أخذه لمجرد أنها تستطيع. فالبرلمان ليس حكومة مصغرة، بل سلطة تشريعية ورقابية يفترض أن تكون فيها للأقلية حقوق تتجاوز مجرد الحضور وإبداء الاعتراض. والنائب، حتى لو كان من حزب الحكومة، ليس وزيرًا ملزمًا بالدفاع عن كل قراراتها؛ بل ممثل للأمة، مكلف بمراقبتها بقدر ما هو مكلف بالتشريع.

ورئاسة اللجنة ليست مكافأة حزبية أو لقبًا بروتوكوليًا، بل موقع مؤثر في جدول الأعمال، وإدارة النقاش، والاستماع إلى الوزراء والخبراء، وصياغة التقارير والتوصيات. وقد عرفت تحت القبة رؤساء لجان يفتحون المجال للاختلاف، فيتحول النقاش إلى وسيلة لتجويد النصوص، كما عرفت كيف يمكن لضيق الصدر بالرأي المخالف أن يحول اللجنة إلى ممر لتمرير المشروعات. ولهذا يجب أن يُختار رئيس اللجنة لقدرته على إدارة الاختلاف، لا لمهارته في إنهائه.

ولا تقل مسؤولية المعارضة والمستقلين عن مسؤولية الأغلبية. فقد أشار الباحث إلى توزع المستقلين على عشرين لجنة وغيابهم عن خمس، وإلى أن حزب العدل وزع نوابه الأحد عشر على عشر لجان. ولا أرى أن الانتشار أفضل دائمًا من التركيز، لكن المهم أن يكون توزيع النواب نتيجة خطة سياسية وتشريعية واضحة، لا مجرد رغبات فردية. فالحزب الذي لا يملك خريطة لأولوياته داخل اللجان، يتحول نوابه إلى أفراد يعمل كل منهم باجتهاده، مهما بلغت قيمة هذا الاجتهاد.

أما تمثيل المرأة، فقد كشفت الدراسة أن مائة وستين نائبة حصلن على ثمانية عشر موقعًا في هيئات المكاتب، بينها ثلاث رئاسات. وقد تشكلت هيئة مكتب لجنة الإعلام والثقافة والآثار كاملة من النائبات، بينما خلت لجنة الشؤون الإفريقية من النساء، ولم تضم لجنة النقل سوى نائبة واحدة. وهي مفارقة تؤكد أن زيادة التمثيل العددي، رغم أهميتها، لا تكفي لضمان المشاركة المؤثرة. فالمرأة شريك في الاقتصاد والدفاع والسياسة الخارجية والموازنة، لا ممثلة لقضايا الأسرة والصحة والتعليم وحدها.

إصلاح المؤسسة التشريعية يبدأ قبل التصويت

من هنا أرى أن الإصلاح ينبغي أن يبدأ بإعلان الترشيحات لهيئات مكاتب اللجان قبل الانتخابات بوقت كافٍ، وإتاحة بيانات المرشحين وخبراتهم وبرامجهم، ونشر عدد المواقع التي حُسمت بالتزكية وتلك التي شهدت منافسة فعلية. كما ينبغي تعزيز فرص المعارضة والمستقلين في مواقع المسؤولية، دون إلغاء حق الأغلبية أو تحويل المناصب إلى حصص جامدة، مع ضمان حق عدد معقول من أعضاء اللجنة في طلب مناقشة موضوع، أو عقد جلسة استماع، أو إثبات رأي مخالف في تقريرها.

وأقترح كذلك نشر تقرير سنوي لتقييم أداء هيئات مكاتب اللجان، يشمل الاجتماعات والحضور ومشروعات القوانين والتعديلات الجوهرية والملفات الرقابية والتوصيات التي نُفذت. فاللائحة تلزم اللجان بتقديم تقارير عن نشاطها، والمطلوب أن تتحول هذه التقارير إلى وسيلة علنية للمحاسبة، حتى يكون استمرار القيادة نتيجة إنجاز موثق، لا امتدادًا لترتيب سياسي. فالبرلمان الذي يملك حق تقييم الحكومة ينبغي ألا يستثني نفسه من التقييم.

وأستعيد هنا بالتقدير إسهامات أستاذ العلوم السياسية الدكتور علي الصاوي في تطوير دراسات الأداء البرلماني وقياس فعاليته، وهي جهود تنقل النظر إلى المؤسسة من عدد المقاعد والجلسات والقوانين إلى جودة التشريع وأثر الرقابة. وأرى أن الجمع بين هذا الاتجاه البحثي ودراسة الدكتور عبد الناصر قنديل يوفر أساسًا مهمًا لمشروع وطني لإصلاح المؤسسة التشريعية، يستند إلى المعرفة والخبرة والوثيقة، لا إلى الانطباعات أو المجاملات.

لقد تعلمت من عشر سنوات تحت قبة البرلمان، ومن سنوات سبقتها في العمل الصحفي، ومن خبرة أسرية ممتدة في الحياة النيابية، أن السلطة حين تضيق بالنقد لا تصبح أقوى، بل تصبح أقل قدرة على رؤية أخطائها. وتعلمت أن المعارضة التي لا تتقن سوى الاعتراض تتحول إلى شاهد على القرار، لا شريك في مراجعته. وأن أفضل التشريعات ليست بالضرورة التي تصدر بأسرع إجماع، بل التي تمر بأعمق اختبار للآراء والبدائل والاعتراضات.

المضابط تتكلم.. حتى حين يصمت أصحاب المقاعد

أعود في ختام هذه الرسالة إلى معركة وكالة مجلس الشعب عام ٢٠٠٠، لا لاستعادة منصب لم أحصل عليه، بل لأنني أرى فيها صورة مكثفة لعلاقة البرلمان بالسلطة. فقد كان أمام النواب مرشحة صاحبة تاريخ علمي ووزاري وبرلماني كبير، تمثل الحزب الحاكم، ومرشح معارض يملك خبرة نيابية وصحفية وقانونية، لكنه لا يملك أغلبيته أو نفوذه. وكان حق الجميع أن يختاروا، وأن يكون اختيارهم تعبيرًا عن إرادتهم، لا عن خوفهم من عواقبه.

وما زلت أرى أن الأصوات المائة والواحد والستين التي أُعلنت، وما نقله إليّ رامي لكح وفؤاد بدراوي وغيرهما عن الأصوات التي لم تظهر في النتيجة النهائية، تكشفان وجهين لحكاية واحدة: أولهما أن داخل الأغلبية نوابًا يستطيعون التفكير والاختيار خارج الحسابات المتوقعة، وثانيهما أن السلطة قد تنزعج من هذه الاستقلالية أكثر مما تنزعج من المعارضة نفسها. فهي تستطيع مواجهة نائب معارض، لكنها قد تعجز عن تفسير لماذا اختار بعض نوابها تأييده.

ولا تزال في ذاكرتي مفارقة السؤال الذي نُقل إليّ عن الرئيس مبارك: «هو بيعمل لكم إيه؟». كان السؤال الأجدر بالطرح: لماذا صوّت هذا العدد من نواب الأغلبية لمرشح معارض؟ وهل كان ذلك تقديرًا للكفاءة، أم احتجاجًا على ترتيب مسبق، أم رغبة في إرسال رسالة سياسية؟ لكن البحث عن تفسير أمني أو شخصي للاختيار الحر قد يحجب السؤال الأهم: كيف نحمي استقلال النائب حين يخالف إرادة حزبه أو توقعات السلطة؟

ولهذا لا أريد لهذه الواقعة أن تُقرأ باعتبارها مجرد قصة عن أيمن نور وآمال عثمان، أو فتحي سرور وسامي مهران، أو غضب مبارك وشائعات العادلي، وإنما بوصفها شهادة عن طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعن الخوف من استقلال الاقتراع، وعن هشاشة المؤسسة حين يصبح اختلاف الأصوات سببًا للريبة بدلًا من أن يكون دليلًا على حيويتها.

وأرى أن هذه الشهادة، وغيرها مما عشته خلال عقد كامل تحت القبة، تستحق أن تجد مكانها بين صفحات مشروع كتابي المقبل، الذي أفكر في أن يحمل عنوان «المضابط تتكلم.. حول إصلاح المؤسسة التشريعية في مصر». فلا أريده كتاب ذكريات ينتصر لصاحبه، بل كتابًا تتجاور فيه شهادة العيان مع الوثيقة، والتجربة مع القانون، والذاكرة مع النقد. فالمضابط لا تحفظ فقط ما أقرته الأغلبية، بل تحفظ أيضًا ما اعترضت عليه الأقلية، وما تجاهلته السلطة، وما أثبت الزمن أنه كان جديرًا بالإنصات.

وأقول للنواب الحاليين: لا تجعلوا المقاعد أهم من الوظائف التي أُنشئت من أجلها، ولا تجعلوا التزكية بديلًا دائمًا عن المنافسة، ولا استمرار القيادات دليلًا على نجاح لم يُقَس. وأقول للمعارضة والمستقلين: لا تكتفوا بالشكوى من ضيق المساحة، بل استثمروا ما تملكونه منها في تقديم معرفة أفضل، وأسئلة أدق، وتشريعات أجود، وبدائل يستطيع الآخرون الاقتناع بها. فالبرلمان ليس المكان الذي ينبغي أن تنتصر فيه الأغلبية على الأقلية إلى الأبد، بل المكان الذي ينبغي أن تنتصر فيه الحجة الأفضل، ولو تأخر انتصارها.

لقد خسرت يومها مقعد الوكيل، لكنني ربحت يقينًا لم تبدده السنوات، أن السياسة لا تقاس دائمًا بما نحصل عليه من مواقع، بل بما نتركه من أثر. وأن التصويت الذي لا يغير اسم الفائز، قد يغير فهمنا للمؤسسة كلها. وأن بعض الأصوات التي تبدو صغيرة في ميزان السلطة، قد تصبح كبيرة في ميزان التاريخ، لأنها كشفت ما كان مستورًا من مخاوف وتناقضات.

فالانتخابات تمنح المناصب، لكن المواقف وحدها تمنح أصحابها مكانًا في التاريخ. وكم من نائب جلس على مقعد القيادة فلم يترك وراءه إلا اسمه، وكم من نائب خسر المقعد وترك في المضابط رأيًا بقي أطول من أصحاب المقاعد.

ذلك هو الدرس الذي تعلمته من مائة وواحد وستين صوتًا أُعلنت، وأصوات أخرى ظلت حكايتها معلقة بين الشهادة والوثيقة. فالمقاعد قد توزَّع باتفاقات السياسة، لكن الاحترام لا يوزَّع، والتاريخ لا يُنتخب بالتزكية.