في زحام السياسة وضجيج التحالفات، تختلط المصالح وتتشابه الوجوه، لكن تبقى الحكايات الشعبية هي المرآة الصادقة التي تعكس جوهر النفس البشرية.
وحين نتأمل حكاية الكلب الذي طارد الأرنب بقدمين طويلتين، ثم توقف لاهثاً يسأل: “يا أخي الأرنب، قدماي أطول وقدميك أقصر، فلماذا لا أستطيع اللحاق بك؟”، لنجد الإجابة التي تحمل في طياتها درساً سياسياً بليغاً: “لأنك تجري من أجل الآخرين، وأنا أجري من أجل نفسي”.
هذه العبارة القصيرة ليست مجرد تفسير بيولوجي للسرعة، بل هي تشريح دقيق لطبيعة العلاقة بين الظالم ومن يدعمه.
فالكلب هنا ليس مجرد حيوان مفترس، بل هو رمز لكل من يبيع جهده ووقته وضميره في خدمة سلطة أو ظالم، ظناً منه أن القرب من القوي يمنحه قوة.
لكنه في الحقيقة يظل “كلباً” يجري خلف فريسة ليست له، بينما الأرنب، الضعيف جسدياً، يمتلك سرعة الروح لأنه يجري من أجل بقائه، من أجل حريته، من أجل نفسه.
في المشهد السياسي، نرى كثيراً من “الكلاب” الذين يسخرون أقلامهم وأصواتهم ومواقفهم لدعم الظالم في ظلمه يبررون القمع، ويهاجمون الضحايا، ويقدمون التبريرات الواهية لسجن الأبرياء أو تشريد الآمنين.
يظنون أنهم بذلك يحمون أنفسهم أو يحصلون على مكاسب لكنهم ينسون حقيقة مرة فالظالم لا يحتاج إلى أصدقاء، بل إلى أدوات وحين تنتهي المهمة، تُلقى الأداة في سلة المهملات، أو تُحرق كما تُحرق الأوراق التي تحمل أسراراً.
كم من “كلب” دعم ظالماً في حملاته الانتخابية أو حروبه الإعلامية، ثم وجد نفسه وحيداً في زنزانة أو منفياً أو منسياً، بعد أن انتهت مهمته؟ .
وكم من صوت ارتفع في وجه الضحية، ثم خفت صوته إلى الأبد حين لم يعد للظالم حاجة به؟ .
إنهم كالكلب في الحكاية يجتهدون، يطاردون، يلهثون، لكنهم لا يصلون ليس لأن أرنب الحقيقة أسرع منهم دائماً، بل لأنهم يجرون في اتجاه خاطئ، ولسيد ليس سيدهم.
أما “الأرنب” في الحكاية، فهو رمز للمظلوم الذي لا يملك سوى قضيته قد يكون ضعيفاً في العدد والعدة، قصير القدمين، لكنه يملك دافعاً لا يملكه من يدعم الظالم دافع البقاء، دافع الحرية، دافع الحق.
ولهذا فهو يسبق كل من يجري من أجل غيره لأن من يجري من أجل نفسه، يعرف كل طريق، وكل زاوية، وكل مأمن أما من يجري من أجل سيده، فيتعثر في أول منعطف.
إنها دعوة صريحة لكل من يبرر الظلم، أو يزينه، أو يساهم فيه توقفوا.
فأنتم لستم شركاء في السلطة، بل مجرد أدوات والظالم الذي تحمون ظهره اليوم، سيكشف ظهره لكم غداً.
والتاريخ مليء بشواهد لمن دعم طاغية ثم ذاق مرارة النسيان أو الانتقام وحينها، لن تجدوا من يجري خلفكم، كما لم يجد الكلب من يشفع له عند الأرنب.
قد يقول قائل لكن الكلب قوي، والأرنب ضعيف نعم، لكن القوة بلا وجهة صحيحة لا تصنع نصراً والسرعة بلا دافع ذاتي لا تصنع إنجازاً.
السياسة ليست سباقاً في مضمار، بل هي رحلة في صحراء من يسير فيها من أجل نفسه، يصل إلى واحة الحرية ومن يسير فيها من أجل الآخرين، يضيع في رمال التبعية.
فلنكن كالأرنب نجري من أجل أنفسنا، من أجل كرامتنا، من أجل حقنا. ولا نكن كالكلب نجري من أجل من سيتركنا عند أول محطة.
وتلك هي الحكمة التي يجب أن ترددها كل صحيفة، وكل منبر، وكل ضمير حي من يدعم الظالم في ظلمه، يتركه الظالم عند نهاية المهمة… وحيداً يلهث، بينما الأرنب قد نجا.







