في الخامس والعشرين من أكتوبر عام ٢٠١٠، كان بيتي في الزمالك على موعد مع بعضٍ من أجمل الوجوه التي عبرت حياتي، وأصدق الرجال الذين شاركوني الحلم، وأعز الرفاق الذين حملوا معي أعباء الطريق، منذ كان «الغد» فكرة تبحث عن نافذة، وحلمًا يبحث عن وطن يتسع له، حتى صار حزبًا، وتجربةً سياسية، ومعركةً طويلة من أجل الحرية.
ستة أعوام كانت قد مضت على ميلاد حزب الغد، ولم تكن قد بقيت سوى ثلاثة أشهر تفصلنا عن الخامس والعشرين من يناير. لم يكن أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي تخبئه الأيام، لكن شيئًا كبيرًا كان يتشكل في ضمير الوطن، وشيئًا أكبر كان يتحرك في صدور هؤلاء الرجال.
كانوا هناك، في بيتي، يجمعهم ما هو أعمق من الانتماء إلى حزب، وأبقى من اتفاقٍ على موقف سياسي. جمعتهم سنوات من الأمل والعناد، ومن الصبر على ما لا يُحتمل، والإيمان بما كان البعض يراه مستحيلًا.
أتأمل اليوم هذه الصور، فأشعر أنني لا أستعيد لقاءً مضى، بل أفتح نافذة على زمن كامل. أرى في الوجوه حكايات لم تُكتب بعد، وفي العيون أحلامًا سبقت أصحابها إلى الميادين، وفي اجتماع الرفاق ملامح أيام كانت تستعد لتغيير وجه التاريخ.
لم يكن بيننا يومها من يحمل مفاتيح الغد، لكننا كنا نحمل إيمانًا لا يتزعزع بأن لهذا الوطن حقًا في مستقبل آخر، وأن الحرية ليست هدية تمنحها السلطة، بل حق تنتزعه إرادة الشعوب.
وبعد أسابيع وأشهر قليلة، حين أقبلت يناير، خرجت أحلام كثيرة من الصدور إلى الشوارع، وانتقلت أسماء ووجوه من هذه الصور إلى صفحات أخرى من تاريخ مصر. وكان لكل واحد من هؤلاء الرجال والشباب إسهامه، وموقعه، وحكايته، سواء في الأيام التي سبقت الثورة أو في أيامها التي لا تُنسى.
وما أجمل أن يعود المرء إلى صورة قديمة، فيكتشف أن الذين كانوا حوله لم يكونوا مجرد شهود على زمن، بل بعضًا من صُنّاعه.
اليوم، وبعد اثنين وعشرين عامًا على تأسيس حزب الغد، الذي خرج من رحمه حزب غد الثورة، أجدني أنظر إلى هذه الصور بعينين مختلفتين؛ عين تستعيد ما كان، وأخرى تبحث عما لا يزال ممكنًا.
أرى الشباب الذين كبروا، والأحلام التي تعثرت، والطرق التي افترقت، والرفاق الذين باعدت بينهم المسافات والسنوات. وأرى أيضًا ما لم تستطع الأيام أن تنتزعه من القلب: محبة قديمة، وامتنانًا عميقًا، وإيمانًا بأن ما جمعنا يومًا كان أكبر من كل ما فرّقنا بعد ذلك.
كم أشتاق إلى لقاء كهذا، يعيد جمع الوجوه والأرواح، لا لنستعيد شبابًا مضى، ولا لنبكي على حلم تعثر، بل لنطمئن إلى أن جذوة الإيمان بمصر لم تنطفئ، وأن ما بدأناه معًا لم يكن عبثًا، وأن الأمل، مهما طال انتظاره، لا يفقد حقه في الحياة.
أشتاق أن أصافح تلك الأيادي، يدًا يدًا، وأن أضم أصحابها إلى صدري، وأن أطبع قبلة وفاء على جبين كل رفيق صان عهده، وثبت على مبدئه، ودفع من عمره وراحته ثمنًا لما آمن به.
ومن بين هذه الوجوه العزيزة، أبعث بتحية إجلال ومحبة إلى شيوخنا الذين منحوا التجربة من حكمتهم وخبرتهم ونبل مواقفهم، وفي مقدمتهم سعادة النائب عبد المنعم التونسي، وسعادة النائب عبد الفتاح الشافعي، وإلى كل من كان لنا في الطريق سندًا، وفي الشدائد قدوة، وفي لحظات اليأس سببًا إضافيًا للثبات.
وسلام من القلب على أرواح الذين غادروا دنيانا، وبقيت لهم في القلب منازل لا يشغلها سواهم؛ المستشار موسى الشيخ، والزميل العزيز سامح عطية، والأستاذ الغمراوي. رحمهم الله جميعًا، وجعل ما بذلوه من أجل وطنهم شاهدًا لهم، وأبقى ذكراهم بيننا محبةً لا تنقطع، ووفاءً لا يذبل.
أما الذين بقوا على الطريق، أو ما زالوا عند منعطفاته ينتظرون، فلهم مني باقة من الحب أعظم من كل شكر، ومن الامتنان أجزله، ومن الوفاء أصدقه. لهم جميعًا أقول: لم أنسَ وجهًا، ولا يدًا امتدت، ولا قلبًا ثبت، ولا موقفًا نبيلًا حين عزّت المواقف. وإن فرقتنا الأيام، فما فرّقت بيننا المعاني التي من أجلها التقينا.
لهذه الصور عندي قيمة لا تقاس بعمرها، ولا بعدد من يظهرون فيها. إنها بعض من تاريخي الشخصي، وبعض من سيرة الغد، وصفحات من ذاكرة جيل حاول أن يمنح مصر ما تستحقه من حرية وكرامة وعدالة.
ولعل أكثر ما يوجع القلب، وأكثر ما يواسيه في الوقت نفسه، أن الصور تستطيع أن تجمع من فرقتهم الأيام، وأن تعيد إلينا، ولو للحظات، بيوتًا ووجوهًا وأزمنةً لم يعد في وسعنا استعادتها كما كانت.
في ذلك المساء من أكتوبر، كنا نحتفل بست سنوات من عمر حزب. ولم نكن نعلم أننا، بعد ثلاثة أشهر، سنكون على موعد مع لحظة أكبر من عمر الحزب، وأوسع من أحلامنا جميعًا.
وبعد كل هذه السنوات، لا أزال أؤمن أن مصر التي حلمنا بها تستحق أن نواصل الحلم من أجلها، وأن الذين ساروا معًا في أول الطريق، حتى وإن افترقت بهم السبل، تظل بينهم مودة لا تمحوها المسافات، وذكرى لا تطويها السنون.
فبعض الصور لا يشيخ، لأن ما فيها ليس وجوهًا فقط، بل عهودًا لم تسقط بالتقادم، وأحلامًا لم يقل التاريخ كلمته الأخيرة فيها.
وسنبقى ننتظر ذلك الغد الذي أعطينا بعض أعمارنا من أجله، مؤمنين بأن ما تعثر بالأمس يمكن أن ينهض غدًا، وأن الأمل الذي عاش في القلوب كل هذه السنين لا يستحق منا أن نتخلى عنه عند آخر الطريق.
وإن غدًا لناظره لقريب… وإن بعد العسر يُسرًا.







