رسالة إلى البرلمان (٦ من ٧)
قرار الجزائر.. وأسئلة القاهرة..جلسات التفويض امتحانًا للبرلمان
بينما يعاود مجلس النواب المصري اليوم انعقاده لمناقشة تفويض يتعلق بإمكان إرسال قوات مسلحة خارج الحدود، كانت #الجزائر قد سبقتنا، قبل ساعات، إلى قرار بالغ الدلالة، حين وافق برلمانها بغرفتيه، يوم الأحد 25 أكتوبر 2026 ، على إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر. وهكذا وجدت مؤسستان تشريعيتان عربيتان نفسيهما، خلال يومين متتاليين، أمام واحد من أخطر الأسئلة التي يمكن أن تواجه برلمانًا:
متى تعبر قوات الدولة حدودها، ولماذا، وبأي ضمانات، وإلى متى؟
في الحالة المصرية، يدور النقاش حول احتمال تقديم دعم عسكري دفاعي للمملكة العربية السعودية، في ظل التصعيد الإقليمي والتهديدات التي تتعرض لها أراضيها. أما في الجزائر، فقد صدر التفويض بالفعل، وفق الخبر المنشور عن موافقة غرفتي البرلمان بأغلبية الثلثين، في خطوة تحمل دلالة خاصة في تاريخ السياسة العسكرية الجزائرية، التي ارتبطت لعقود بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج الحدود، مع استثناءات تاريخية، أبرزها مشاركة القوات الجزائرية إلى جانب مصر في حرب أكتوبر ١٩٧٣.
وجاء القرار الجزائري عقب زيارة وزير الدفاع النيجري ساليفو مودي إلى الجزائر في الحادي والعشرين من أكتوبر، وتوقيع اتفاق للتعاون العسكري بين البلدين، لم تُعلن تفاصيله كاملة. ووفق البيانات التي نقلتها التغطيات الصحفية، يرتبط التفويض بحماية مصالح الطاقة الجزائرية وتنفيذ الاتفاق الثنائي، في منطقة الساحل التي تتسع فيها تهديدات الجماعات المسلحة والجريمة العابرة للحدود وتهريب السلاح.
والمفارقة التي تستحق التأمل أن الجزائر، التي شاركت قواتها في الدفاع عن مصر خلال حرب أكتوبر، تعود بعد أكثر من نصف قرن إلى إقرار تحرك عسكري خارج حدودها، بينما يناقش البرلمان المصري احتمال مشاركة عسكرية دفاعية تتصل بأمن دولة عربية أخرى. لا يعني هذا أن الحالتين متماثلتان في الأهداف أو الظروف أو المخاطر، لكنه يكشف اتساع الدوائر التي تتحرك فيها اعتبارات الأمن القومي العربي، من الخليج والبحر الأحمر شرقًا، إلى الساحل والصحراء جنوبًا وغربًا.
ولم تعد الحدود الجغرافية وحدها كافية لفهم طبيعة الأخطار. فأمن الطاقة يتداخل مع أمن الممرات البحرية، وحركة التجارة مع الصراعات الإقليمية، والتهديدات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والتحالفات السياسية. لكن هذا التشابك لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتوسيع الالتزامات العسكرية دون دراسة، أو إلى بديل عن تحديد طبيعة التهديد وحدود الاستجابة له.
وهنا تظهر الوظيفة التي أُنشئت البرلمانات من أجلها. فليس دور البرلمان أن يمنح السلطة التنفيذية غطاءً سياسيًا لقرار جاهز، ولا أن يرفض كل تحرك عسكري لمجرد رفضه، وإنما أن يختبر الضرورة والتناسب والمشروعية، وأن يعرف طبيعة المهمة وحدودها، وتكلفتها ومخاطرها، والبدائل السياسية والدبلوماسية التي سبقتها، والضمانات التي تمنع تحول مهمة محدودة إلى التزام مفتوح.
وأسأل، من واقع عشر سنوات قضيتها نائبًا تحت قبة البرلمان، وسبقتها سنوات في العمل الصحفي داخله: هل عُرضت على النواب معلومات كافية عن نطاق التفويض المصري؟ وهل حُددت المهمة بوصفها دفاعًا عن أراضي دولة شقيقة، أم أن صياغتها تحتمل أدوارًا أوسع؟ وما حدودها الزمنية والجغرافية؟ ومن يملك قرار تمديدها أو تعديلها؟ وكيف ستُعرض نتائجها على البرلمان؟ وما التكلفة المالية والعسكرية المحتملة، ومن يتحملها؟
وأسأل أيضًا: هل استمع المجلس إلى تقييم متكامل للمخاطر العسكرية والسياسية والاقتصادية؟ وهل نوقشت السيناريوهات البديلة؟ وما موقف الدول المعنية والمنظمات الإقليمية؟ وما طبيعة الالتزامات التي قد تترتب على مصر تجاه حلفائها؟ وما الترتيبات الخاصة بحماية الجنود وإجلائهم وعلاج المصابين وتعويض أسر الضحايا؟ والأهم: ما الشروط التي ينتهي عندها التفويض، ومن يملك قرار تمديده أو تعديله أو إنهائه؟
ولا أرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة تنتقص من التضامن مع المملكة العربية السعودية، أو تقلل من خطورة التهديدات التي تواجهها. بل إن التضامن المسؤول يقتضي وضوح الالتزامات، حتى لا تتحول النوايا المشروعة إلى نتائج غير محسوبة. فالدول لا تحمي حلفاءها بالتفويضات الغامضة، وإنما بالقرارات المدروسة التي تعرف أهدافها وحدودها وسبل إنهائها.
وإذا كانت الجزائر قد استخدمت المادة الحادية والتسعين من دستورها، التي تشترط موافقة ثلثي أعضاء كل غرفة برلمانية لإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج، فإن المادة الثانية والخمسين بعد المائة من الدستور المصري تضع بدورها ضمانات خاصة لإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، بما يشمل أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه.
ولا ينبغي أن تتحول هذه الضمانات إلى مجرد إجراءات تسبق التصويت. فالقيمة الحقيقية للنص الدستوري ليست في وجوده على الورق، بل في قدرته على إخضاع القرار للمراجعة الجادة، وإلزام السلطة بتقديم الأسباب، وتمكين ممثلي الشعب من تقدير المخاطر قبل الموافقة، ومتابعة التنفيذ بعد صدور التفويض.
ولا أدعو إلى كشف أسرار العمليات العسكرية أو نشر معلومات قد تعرض الجنود للخطر. فثمة فارق واضح بين السرية التي تحمي الأمن القومي، والسرية التي تحجب المساءلة. ومن حق البرلمان أن يعقد جلسة سرية وفق الضوابط الدستورية واللائحية، وأن يستمع إلى القيادات والمسؤولين والخبراء، وأن يناقش المعلومات الحساسة بعيدًا عن العلانية. لكن السرية لا تعني أن يتنازل النواب عن حقهم في المعرفة، أو أن تتحول الموافقة إلى تفويض مفتوح بلا حدود أو مراجعة.
وأرى أن على المجلس، إذا انتهى إلى الموافقة، أن يحدد آلية دورية لمتابعة تنفيذ التفويض، وأن يتلقى تقارير عن تطورات المهمة وتكاليفها ومخاطرها، وأن يُلزم الحكومة بالعودة إليه إذا تغيرت طبيعتها أو اتسع نطاقها. فالرقابة لا تنتهي عند رفع الأيدي، والمسؤولية لا تسقط بإعلان النتيجة. بل ربما تبدأ أخطر مراحلها بعد التصويت، حين تتحول الكلمات إلى قرارات، والقرارات إلى تحركات، والتحركات إلى نتائج يدفع ثمنها بشر من لحم ودم.
لكن السؤال الذي أراه أكثر اتصالًا بموضوع هذه السلسلة هو: أين كانت اللجان النوعية من إعداد هذا القرار؟ وما الدور الذي قامت به لجنة الدفاع والأمن القومي، ولجنة العلاقات الخارجية، ولجنة الخطة والموازنة، واللجنة التشريعية، كل في حدود اختصاصها؟ وهل عُرضت على النواب تقارير متكاملة تجمع التقييم العسكري والسياسي والدستوري والمالي، أم تُركت هذه الجوانب جميعًا للنقاش العام في الجلسة النهائية؟
فالتفويض العسكري ليس شأن لجنة الدفاع وحدها، مهما بلغت أهمية اختصاصها. إنه أيضًا قرار يتعلق بالعلاقات الدولية والتحالفات الإقليمية، وبالالتزامات المالية التي قد تتحملها الدولة، وبسلامة الإجراءات الدستورية، وبحقوق الجنود وأسرهم، وبالمسؤولية السياسية عن النتائج. وإذا كانت اللجان النوعية هي مطابخ البرلمان، فإن القرارات المصيرية هي الامتحان الحقيقي لجودة ما تعده هذه المطابخ قبل تقديمه إلى القاعة العامة.
وأرى أن من حق النواب أن يطلبوا رأيًا مكتوبًا من كل لجنة مختصة، وأن تتكامل هذه الآراء في تقرير جامع يحدد الأسئلة التي أُجيب عنها، والمسائل التي ما زالت تحتاج إلى إيضاح، والضمانات التي ينبغي أن تصاحب القرار. فاللجان لا تُنشأ لتوزيع النواب على غرف مختلفة، وإنما لتوزيع العمل المعرفي والرقابي على تخصصات متكاملة، حتى لا يضطر المجلس إلى اتخاذ قرار كبير بمعلومات ناقصة أو من زاوية واحدة.
وهنا أعود إلى ما تناولته في الرسالتين الرابعة والخامسة من دراسة الدكتور عبدالناصر قنديل، التي نشرها موقع #الحرية، حول تشكيل اللجان النوعية وهيئات مكاتبها. فقد كشفت الدراسة تفاوتًا كبيرًا في توزيع الأعضاء، واستمرارًا واسعًا للقيادات، وتساؤلات مشروعة حول معايير التخصص والمنافسة والتمثيل. ولم تكن هذه القضايا، في تقديري، مجرد مشكلات تنظيمية، بل مسائل تتصل مباشرة بقدرة البرلمان على ممارسة اختصاصاته الدستورية عندما يواجه قرارًا بحجم إرسال قوات خارج الحدود.
لقد عرفت هذه الحقيقة خلال عشر سنوات قضيتها نائبًا في مجلس الشعب بين عامي ١٩٩٥ و٢٠٠٥، وسبقتها سنوات من العمل الصحفي تحت القبة، فضلًا عن خبرة أسرية ممتدة في الحياة النيابية من خلال والدي الراحل، المحامي والنائب عبد العزيز نور. فقد تعلمت أن ما يحدث داخل اللجان قد يكون أكثر تأثيرًا مما يقال في الجلسات العامة، وأن تعديل كلمة في مشروع قانون قد يحمي حقًا، وأن سؤالًا جيدًا في الوقت المناسب قد يمنع خطأً لا تصلحه بعد ذلك عشرات الخطب.
وحين انتقلت من مقاعد الصحفيين إلى مقاعد النواب، تغير موقعي من مراقب لما يحدث إلى مشارك فيه، لكن السؤال بقي كما هو: من يصنع القرار الحقيقي داخل البرلمان؟ هل هي الأغلبية التي ترفع الأيدي في الجلسة العامة، أم اللجان التي تصوغ النصوص، أم الحكومة التي تقدم المشروعات، أم التوازنات السياسية التي تتحكم أحيانًا في كل ذلك؟ وقد تعلمت أن النائب لا يتحدث إلى الوزير الحاضر أمامه وحده، بل يتحدث أحيانًا إلى زمن لم يأتِ بعد، حين تعود الأجيال إلى المضابط لتعرف من سأل ومن اعترض ومن حذر.
وإذا عدنا إلى تاريخنا الدستوري، وجدنا أن المصريين ناقشوا كثيرًا من الأسئلة التي نطرحها اليوم. ففي الخامس عشر من يونيو ١٩٢٢، شهدت الجلسة العاشرة للجنة وضع دستور ١٩٢٣ نقاشًا حول العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومزايا وجود غرفة برلمانية واحدة أو غرفتين. وتحدث علي ماهر بك عن أهمية المراجعة والتدقيق، ومخاطر الصدام بين السلطات، في نقاش كان يتناول فلسفة المؤسسة قبل عدد مقاعدها ومناصبها.
ولم يكن إصدار دستور ١٩٢٣، ثم انعقاد أول برلمان في ظله عام ١٩٢٤، نهاية الصراع على السلطة، بل بداية محاولة لتنظيمه داخل إطار دستوري. فالمؤسسات لا تلغي الخلافات، لكنها تمنحها قواعد، وتجعل للحكومة مسؤولية، وللمعارضة حقًا، وللأمة وسيلة لمراقبة من يتحدثون باسمها. وهذه إحدى أهم الدروس التي ينبغي أن نستعيدها كلما واجه البرلمان قرارًا يتعلق بالحرب أو السلام أو الحقوق والحريات.
ومن تلك المحاضر التأسيسية أنتقل إلى واقعة برلمانية عاصرتها، تقدم مثالًا واضحًا على قيمة الإجراءات الدستورية في صناعة التشريع. ففي عام ١٩٩٩، ناقش مجلس الشعب وأقر القانون رقم مائة وثلاثة وخمسين بشأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية، في مرحلة كانت تتولى فيها الدكتورة #ميرفت_التلاوي وزارة الشؤون الاجتماعية. وكان هذا الملف من القضايا التي اهتممت بها، لما يتصل به من حرية التنظيم والعمل الأهلي، وحدود سلطة الإدارة، والضمانات التي تحمي استقلال المجتمع المدني.
ثم جاءت المفارقة الكبرى في الثالث من يونيو عام ٢٠٠٠، حين قضت المحكمة الدستورية العليا، في القضية رقم مائة وثلاثة وخمسين لسنة إحدى وعشرين قضائية دستورية، بعدم دستورية القانون كله، بسبب عيب في الإجراءات الدستورية لإصداره. فقد كان يتعين عرض مشروع القانون على مجلس الشورى لأخذ رأيه بوصفه من القوانين المكملة للدستور، ولم يحدث ذلك. وهكذا سقط بناء تشريعي كامل، لا لأن البرلمان افتقد الأغلبية اللازمة لإقراره، بل لأنه لم يستكمل ضمانة دستورية لازمة.
وهنا يتجلى درس لا ينبغي أن يضيع: الأغلبية تستطيع أن تقر القانون، لكنها لا تستطيع أن تعفي نفسها من احترام الدستور. والإجراءات ليست دائمًا شكليات يمكن اختصارها أو تجاوزها، بل قد تكون ضمانات جوهرية لحماية الحقوق وتوزيع الاختصاصات. وهذا الدرس يصبح أشد أهمية عندما يتعلق الأمر بتفويض عسكري، لأن الخطأ في إجراء دستوري أو تقدير سياسي قد تترتب عليه نتائج لا يمكن تداركها بسهولة.
ومن خبرتي في تمثيل دائرة باب الشعرية والموسكي، تعلمت أن العمل النيابي لا يقف عند نقل شكاوى المواطنين إلى الوزراء. فحين كنت أتناول مشكلات أصحاب الورش والصناعات الصغيرة، والعاملين في الأحذية والجلود، والباعة الجائلين، كان عليّ أن أميز بين مشكلة سببها موظف أساء استخدام سلطته، وأخرى نشأت عن قرار إداري معيب، وثالثة يكمن أصلها في قانون يحتاج إلى تعديل. فالخدمة قد تعالج مشكلة فرد، أما التشريع الجيد فقد يمنع تكرارها مع آلاف المواطنين، والرقابة الجادة تكشف أسباب الظلم بدلًا من الاكتفاء بعلاج نتائجه.
ولهذا كنت أرى أن اللجان النوعية ليست تقسيمًا إداريًا للنواب، بل مطابخ حقيقية للتشريع والرقابة. فالنص القانوني لا يعيش في الكتب وحدها، وإنما في المصانع والورش والمستشفيات والمدارس والمنازل. وقد يكون النائب الذي يعرف واقع الناس أقدر على كشف أثر لم ينتبه إليه القانوني، كما قد يكون القانوني أقدر على صياغة الضمانة التي يحتاجها هؤلاء الناس. ومن هنا تأتي أهمية التكامل بين اللجان، لا تنازعها أو انعزال كل منها عن الأخرى.
وأعود إلى دراسة قنديل، وما استعاده فيها من مناقشات مجلس النواب عام ٢٠١٦ بشأن إعداد لائحته الداخلية. ففي الجلسة السابعة والعشرين، يوم الثامن والعشرين من فبراير، تحفظت النائبة #هالة_سلطان_أبو_علي على التوسع في عدد اللجان النوعية، مستندة إلى تجارب برلمانية أخرى، وشاركها النائب أكمل قرطام جانبًا من الاعتراض. وفي المقابل، قدم النائب إيهاب الخولي والدكتور علي عبدالعال، رئيس المجلس آنذاك، تفسيرات تتصل بخصوصية النظام التشريعي المصري الذي كان يقوم على غرفة واحدة.
وانتهى الخلاف إلى إرجاء مناقشة المادة السابعة والثلاثين، ثم العودة إليها في الجلسة الثامنة والثلاثين، يوم السابع من مارس، لمناقشة مسميات اللجان واختصاصاتها بصورة أكثر تفصيلًا. ولا يعنيني هنا الانتصار لرأي على آخر، وإنما أن الخلاف سُجل، وأن الاعتراض وجد طريقه إلى المناقشة، وأن التأجيل لم يكن علامة عجز، بل فرصة لمزيد من الدراسة. فليس عيبًا أن يتراجع البرلمان خطوة ليتأكد من سلامة القرار، وإنما العيب أن تتحول سرعة التصويت إلى قيمة أعلى من جودة التشريع.
والمفارقة أن عودة مجلس الشيوخ عام ٢٠١٩ أعادت طرح بعض الأسئلة التي نوقشت عام ٢٠١٦. فإذا كان وجود غرفة تشريعية واحدة من مبررات زيادة لجان النواب إلى خمس وعشرين لجنة، فما الذي تغير بعد عودة الغرفة الثانية، وإنشاء أربع عشرة لجنة نوعية بمجلس الشيوخ؟ وهل راجعنا فلسفة توزيع الاختصاصات وحدود التكامل بين المجلسين؟ إن الإصلاح لا يعني تقليص اللجان لمجرد التقليص، بل قياس الحاجة الفعلية إليها، وحجم العمل الذي تتحمله، والقيمة التي تضيفها إلى التشريع والرقابة.
وهنا أستعيد بالتقدير جهود أستاذ العلوم السياسية الدكتور علي الصاوي في دراسة الأداء البرلماني وقياس فعاليته وتطوير صناعة التشريع. فالمعيار ليس عدد القوانين التي يصدرها المجلس، ولا عدد الاجتماعات التي تعقدها اللجان، وإنما جودة التشريع، ومدى استخدام أدوات الرقابة، وقدرة المؤسسة على التأثير في السياسات العامة. وأرى أن دراسة الدكتور عبد الناصر قنديل تقدم إضافة مهمة لهذا الاتجاه، وتفتح الباب للانتقال من تحليل تشكيل اللجان إلى تقييم ما أنجزته بالفعل.
ومن هنا أقترح برنامجًا عمليًا لإصلاح المؤسسة التشريعية يبدأ من اللجان، لا من القاعة العامة وحدها. وتكون خطوته الأولى إعداد مراجعة مؤسسية لتوزيع الاختصاصات والنواب على اللجان، وربط العضوية بالتخصص والخبرة وحجم العمل، مع إعلان معايير الاختيار وأسباب التفاوت الكبير في أعداد الأعضاء. أما الخطوة الثانية فهي وضع آلية للتنسيق بين اللجان في الموضوعات المشتركة، خصوصًا القرارات التي تتداخل فيها الاعتبارات الدستورية والمالية والسياسية والأمنية
ومن هنا أقترح برنامجًا عمليًا لإصلاح المؤسسة التشريعية، يبدأ من اللجان لا من القاعة العامة وحدها. وتكون خطوته الأولى مراجعة توزيع الاختصاصات والنواب على اللجان، وربط العضوية بالتخصص والخبرة وحجم العمل، مع إعلان معايير الاختيار وأسباب التفاوت الكبير في أعداد الأعضاء. أما الخطوة الثانية، فهي وضع آلية دائمة للتنسيق بين اللجان في الموضوعات المشتركة، خصوصًا القرارات التي تتداخل فيها الاعتبارات الدستورية والمالية والسياسية والأمنية، حتى لا ينظر كل طرف إلى جانب من القضية، بينما تضيع الصورة الكاملة بين اختصاصات اللجان.
وتتمثل الخطوة الثالثة في إلزام اللجان المختصة، عند نظر المشروعات والقرارات الكبرى، بإعداد تقارير تتضمن البدائل والمخاطر والتكاليف والآثار المتوقعة، مع تسجيل الآراء المخالفة وأسباب قبولها أو رفضها. أما الرابعة، فهي تفعيل الرقابة اللاحقة، بحيث لا ينتهي دور اللجنة بإقرار التشريع أو صدور التفويض، بل يمتد إلى متابعة التنفيذ وقياس النتائج ومساءلة الحكومة عما تحقق وما لم يتحقق.
وأقترح أن يبدأ تنفيذ هذه الخطوات خلال مائة يوم، بتكليف مجموعة عمل برلمانية تضم ممثلين عن الأغلبية والمعارضة والمستقلين، إلى جانب خبراء القانون والعلوم السياسية والاقتصاد والإدارة البرلمانية. وتقدم المجموعة، خلال ثلاثين يومًا، تقريرًا بتقييم عمل اللجان، ثم مشروعًا لتطوير آليات التنسيق والرقابة خلال ثلاثين يومًا أخرى، على أن تخصص الأيام الأربعون التالية لمناقشة المقترحات وإقرار ما يمكن تنفيذه منها، وإعلان جدول زمني للتعديلات التي تحتاج إلى إجراءات تشريعية.
وأرى أن هذه الإصلاحات لا تكتمل دون استعادة الذاكرة البرلمانية وإتاحتها للبحث والمراجعة. فقد بدأ مجلس الشعب منذ عام ١٩٩٠ تطوير بنيته المعلوماتية، وافتُتحت المرحلة الأولى من مركز معلوماته في نوفمبر ١٩٩٣، بما شمل قواعد بيانات للمضابط والمداخلات والسوابق البرلمانية. وهذه تجربة تستحق البناء عليها، بتحويل الأرشيف إلى قاعدة رقمية عامة، تُفهرس فيها الجلسات بأسماء النواب والموضوعات والتواريخ وأرقام الصفحات، وتُربط مشروعات القوانين بتقارير اللجان والتعديلات ونتائج التصويت.
ولا أطالب بكشف ما يجب أن يبقى سريًا حماية للأمن القومي، وإنما أدعو إلى قواعد واضحة لإتاحة الوثائق بعد زوال أسباب سريتها. فهناك فرق بين حماية معلومة في وقت حساس، وحجب التاريخ إلى الأبد. ومن حق الأجيال أن تعرف، حين تسمح الظروف والقواعد القانونية، كيف اتخذ ممثلوها قرارات الحرب والسلام، وما الأسئلة التي طرحوها، وما الضمانات التي طلبوها، وما الاعتراضات التي سُجلت قبل اتخاذ القرار.
وأتمنى أن يكون العقد الممتد من ديسمبر ١٩٩٥ إلى ديسمبر ٢٠٠٥ من المراحل التي تُستعاد مضابطها كاملة، لا لأنني شاركت فيه نائبًا، وإنما لأنه شهد مناقشات واستجوابات وتشريعات وصدامات سياسية تستحق الدراسة. وأريد أن أضع ما أتذكره من وقائع إلى جوار ما حفظته الوثائق، وأن أراجع ما أصبت فيه وما أخطأت، وأن أستعيد مواقف زملاء اتفقت معهم أو اختلفت، ووزراء تحاورت معهم أو اشتبكت مع سياساتهم. فالتاريخ البرلماني لا يكتبه المعارضون وحدهم، ولا تحتكره الأغلبية.
ولا أريد أن تكون شهادة العيان بديلًا عن الوثيقة، كما لا أقبل أن تتحول الوثيقة إلى وسيلة لإلغاء شهادة من عاش الواقعة. فالمضبطة تسجل ما قيل في إطار الجلسة، لكنها قد لا تسجل كل ما جرى في الممرات أو أثناء المفاوضات السياسية التي سبقت التصويت. وشهادة النائب الذي عاصر هذه الوقائع تساعد على فهم السياق، بينما تمنح الوثيقة التاريخ والرقم والنص الذي يمكن الرجوع إليه.
ومن هنا جاءت فكرة كتابي المقبل «المضابط تتكلم.. حول إصلاح المؤسسة التشريعية في مصر»، امتدادًا لمشروع «إصلاح مرفق العدالة». ولا أريده مذكرات نائب سابق يستعيد سنواته تحت القبة، ولا دراسة أكاديمية تكتفي بالجداول والنصوص، بل عملًا يجمع بين الوثيقة والشهادة، وبين القانون والسياسة، وبين الخبرة الشخصية والنقد المؤسسي. فالقضاء يحرس القانون، لكن البرلمان مسؤول عن صناعة قانون يستحق الحراسة.
وتعود بنا هذه الفكرة إلى الواقعة الراهنة. فحين يناقش مجلس النواب تفويضًا يتعلق بإمكان تحريك قوات مسلحة خارج الحدود، لا يكفي أن نعرف نتيجة التصويت. بل ينبغي أن نعرف، في حدود ما تسمح به اعتبارات الأمن القومي، طبيعة المهمة، وسندها الدستوري، وحدودها الزمنية والجغرافية، وتكلفتها، ومخاطرها، والبدائل التي نوقشت قبلها، والآلية التي ستتابع بها المؤسسة التشريعية تنفيذها.
وهنا تتجلى الصلة المباشرة بين إصلاح اللجان وقرار التفويض. فلو أن كل لجنة مختصة أدت دورها كاملًا، وقدمت رأيها الفني والسياسي والقانوني، ثم اجتمعت هذه الآراء في تقرير واحد، لأصبح التصويت تعبيرًا عن دراسة متكاملة، لا مجرد موقف سياسي. وإذا تغيرت طبيعة المهمة أو اتسع نطاقها، وجب أن تكون هناك ضمانات واضحة للعودة إلى البرلمان وفق مقتضيات الدستور.
فالدرس الذي تقدمه لنا مناقشة التفويض المصري، بعد القرار الجزائري المتعلق بإرسال قوات إلى النيجر، ليس أن على البرلمانات أن توافق أو ترفض وفق موقف واحد مسبق، بل أن عليها أن تمارس اختصاصها كاملًا قبل اتخاذ القرار. فالموافقة المسؤولة تحتاج إلى معرفة، والرفض المسؤول يحتاج إلى حجة، وكلاهما يفقد قيمته إذا غابت المعلومات أو اختُزل النقاش في إجراءات شكلية.
وأقول لرئاسة مجلس النواب وأعضائه: أصلحوا أدوات المعرفة قبل أن تطلبوا الثقة في القرارات، وأعيدوا الاعتبار للجان بوصفها مؤسسات للفحص والمراجعة، لا ممرات لتمرير المشروعات. واحموا حق الأقلية في تسجيل موقفها، وحق الأغلبية في الاختيار الواعي، وحق المواطن في معرفة ما فعله ممثلوه باسمه. فالبرلمان الذي لا يعرف تاريخه قد يكرر أخطاءه، والذي لا يتيح وثائقه يحرم الناس من أهم وسائل محاسبته.
لقد تعلمت من سنوات العمل الصحفي والنيابي، ومن خبرة أسرية ممتدة في الحياة البرلمانية، أن أخطر ما يصيب البرلمان ليس ارتفاع صوت المعارضة، وإنما انخفاض سقف الأسئلة. وأن السلطة التنفيذية لا تصبح أكثر أمنًا حين تتوقف المؤسسة التشريعية عن مساءلتها، بل تصبح أكثر عرضة لأخطاء لا تجد من ينبه إليها في الوقت المناسب.
ولهذا أقول لزملائي النواب: لا تجعلوا من التفويض شيكًا على بياض، ولا من السرية ستارًا يحجب المسؤولية، ولا من الأغلبية بديلًا عن الحجة. استمعوا إلى كل رأي، واطلبوا كل معلومة لازمة، وسجلوا ما تتوصلون إليه بأمانة، ثم صوتوا وفق ما يمليه الدستور والمصلحة الوطنية والضمير. فالرقابة لا تنتهي عند رفع الأيدي، والمسؤولية لا تسقط بإعلان النتيجة.
وأرى أن إصلاح المؤسسة التشريعية يبدأ من احترام عقلها، أي لجانها، وحماية ذاكرتها، أي مضابطها، واستعادة استقلال إرادتها، أي قدرتها على أن تسأل وتناقش وتوافق أو ترفض دون خوف أو إملاء. فليس البرلمان القوي هو الذي يصوت أسرع، وإنما الذي يدرس أفضل، وليس الذي يتحدث أكثر، وإنما الذي يترك في حياة الناس أثرًا أعدل.
افتحوا المضابط، ففي صفحاتها ما هو أشد بلاغة من الخطب، وأقوى حجة من البيانات، وأكثر نفعًا للمستقبل من ألف وعد بالإصلاح.
فما يقال تحت القبة قد تنتهي به الجلسة، وما يُقر فيها قد يتغير بقانون آخر، لكن مسؤولية القرار تبقى في التاريخ، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأرواح الجنود وأمن البلاد ومصير الأجيال.
وإذا كان الأمر بيدي، لجعلت لكل تفويض حدودًا واضحة، ولكل قرار رقابة مستمرة، ولكل لجنة مسؤولية معلنة، ولكل جلسة مضبطة محفوظة، ولكل مواطن حقًا في أن يعرف، حين تزول مقتضيات السرية، لماذا اتخذ ممثلوه القرار الذي اتخذوه باسمه.
فالدولة القوية لا تخشى أسئلة برلمانها، والبرلمان القوي لا يخشى ذاكرته. ولا إصلاح حقيقيًا للمؤسسة التشريعية إذا ظلت لجانها بعيدة عن صناعة القرار، ومضابطها بعيدة عن متناول الناس، وإرادتها بعيدة عن الاستقلال.
ولهذا أريد للمضابط أن تتكلم، لا لكي تحاكم الماضي وحده، بل لكي تساعدنا على إصلاح الحاضر، وحماية مستقبل المؤسسة التشريعية في مصر.






