في ١٧ نوفمبر ١٩٩٧، شهدت منطقة الدير البحري في الأقصر هجوماً إرهابياً أودى بحياة ٦٢ شخصاً، بينهم ٥٨ سائحاً أجنبياً. لم تكن الفاجعة خسارةً بشرية فحسب؛ بل هزّت صورة مصر السياحية وفتحت أسئلة مؤلمة عن الجاهزية الأمنية، وانتهت بخروج وزير الداخلية حسن الألفي من منصبه. أما روايات المواجهة الحادة بينه وبين الرئيس حسني مبارك، ومنها عبارة «يا فاشل»، فتناقلتها وسائل إعلام، لكن تفاصيلها ليست كلها ثابتة بمصادر رسمية.
وفي الأيام الماضية، استُهدف مشيّعو جنازة بإطلاق نار في كنيسة بقرية حمود بمحافظة الكرك. إنها جريمة مروّعة تطال الأردن كله، لا أهل الكرك وحدهم، وتمسّ حرمة الإنسان والوحدة الوطنية وأمن دور العبادة.
المقارنة مع الأقصر ليست مساواةً بين ظروف الحادثتين، ولا استباقاً للتحقيق؛ إنما تذكير بأن الهجمات على مواقع يقصدها الناس للعبادة أو السياحة تخلّف أثراً يتجاوز مكان وقوعها. لقد عرف الأردنيون العالمُ بقوة أمن بلدهم واستقراره، لكن هذه الحادثة هزّت تلك الصورة، وأظهرت الأجهزة المعنية ضعيفةً ومتراخيةً على نحو لا يعكس ما عُرف عن الأردن.
وهذا الانطباع، بصرف النظر عن حقيقة الإجراءات التي ستكشفها التحقيقات، قد يؤثر بلا شك في ثقة الزوار والمستثمرين، وينعكس على السياحة والاقتصاد والاستثمار.
لذلك نطالب بإقالة وزير الداخلية تحمّلاً للمسؤولية الأدبية والسياسية، وبإيقاف مديري الدوائر والأجهزة الأمنية المعنية في الكرك عن العمل مؤقتاً إلى حين انتهاء تحقيق مستقل وشفاف، من دون أن يكون ذلك حكماً مسبقاً عليهم.
وعلى الحكومة إعلان نتائج التحقيق للرأي العام ومحاسبة كل من يثبت تقصيره، أياً كان موقعه. لا مجال للمجاملة أو التهاون؛ المطلوب محاسبة بلا هوادة، وفق القانون وبما يضمن عدم تكرار ما حدث.
ولا يكفي التعامل مع التطرف بوصفه ملفاً أمنياً فقط. فالحادثة تستدعي مراجعةً جادة لمناهج الثقافة والتربية والتعليم، وتعزيز قيم المواطنة وقبول الاختلاف، إلى جانب إعلام واعٍ يواجه خطاب الكراهية ولا يتركه ينتشر.
وقد يسهم ضعف هذه الجهود في تهيئة بيئة للتطرف، لكنه لا يفسّر وحده جريمةً بعينها ولا يعفي مرتكبيها من مسؤوليتهم.
الدرس من الأقصر واضح: بعد كل فاجعة، لا بد من تحقيق ومحاسبة وإصلاح.
واود التذكير هنا انه
البُعد التاريخي والجغرافي (من الأقصر إلى الكرك) يجعل من البد ان يتم الربط بين “الأقصر” في مصر و”الكرك” في الأردن لان لها دلالات استراتيجية وتاريخية من عدة زوايا أهمها :
اولا : التاريخ المشترك و الامتداد الجغرافي والأمني التاريخي بين مصر وبلاد الشام (منذ العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية)، حيث كانت الكرك تمثل خط الدفاع الأول والربط العسكري المباشر مع القوى في مصر لحماية المنطقة من التهديدات الخارجية.
ثانيا : وحدة التهديدات الأمنية: حيث أن الإرهاب والفكر المتطرف لا يعترف بالحدود، وأن الأحداث التي قد تشهدها بيئات جغرافية مختلفة (مثل صعيد مصر أو جنوب الأردن) تتطلب تنسيقاً ومحاسبة استباقية امنية بين البلدين لمنع تمدد هذه الخلايا
ان دماء اهلنا الضحايا في الكرك تستحق أكثر من كلمات العزاء؛ تستحق عدالةً تحمي الأردنيين، وتصون ثقة العالم بأمن الأردن واستقراره.







