قال صاحب الجنتين: «مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا»؛ ثم جاء المشهد: «فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ». بين يقين اللسان وحيرة اليدين، مسافة يقطعها الإنسان حين يفاجئه زوال ما حسبه امتدادًا لعمره. تظل الكفّان، ويغيب ما كان يملؤهما. (الكهف، الآيتان الخامسة والثلاثون والثانية والأربعون).

رجلًا سبق الوداعُ خطّتَه للبقاء.
ما زال في مكانه، لكن شيئًا فيه يتأهّب للخروج الوشيك .
يجلس كما اعتاد ثم يتفقد العيون ليتأكد أن الحركة ما زالت تعني ما كانت تعنيه.

يكثر كلامه
. يشرح الشرح،
ويعود إلى البداية قبل أن يبلغ النهاية. كأن كل جملة إضافية تمنح الوقت مهلة. وكلما حاول الحديث عن الغد، استطرد في الدفاع عن الأمس.

يرفع إصبعه، ثم يفتح كفه .
تبدأ الحركة بالتوجيه وتنتهي بما يشبه الرجاء. يسوّي ورقة لا تحتاج إلى تسوية، ويحرّك كوبًا لا يريد أن يشرب منه. لعلّ في استجابة الأشياء الصغيرة عزاءً عن أشياء أكبر أفلتت من يده.

تمرّ الابتسامة، ثم يبقى وجهه لحظة بلا عبارة.
يضمّ شفتيه قبل كلمة،
ويبتلع ريقه بعد أخرى.
وبينهما كلام كثير أعاده إلى صدره؛ فالاعتراف يحتاج إلى وجه يستطيع صاحبه أن يراه في المرآة بعد أن ينطق به.

عيناه تتفقدان السند.
تمرّان على الحاضرين،
ثم تتوقفان عند من كان يطمئن إليه من غير اختبار.
يتأخر الرد قليلًا، فيطول الصمت داخله. وربما لم يتخل عنه أحد بعد غير أن الخائف من الوحدة يسمع خطواتها في أبسط مسافة.

وحين يحسّ ببرود القريب،
يعيد قراءة دفئه القديم.
أتراه كان يحبه، أم يحب الباب الذي يُفتح من خلاله؟ لا تؤلمه الخسارة، ويؤلمه أكثر أن تكون أعوام الطمأنينة قد قامت على خطأ في الفهم .

تتزاحم الأنا في حديثه:
ما بذله،
وما احتمله،
وما أراد إنقاذه.
كأنه يكتب مرافعة شفهية أمام غياب لم يقع.
يطلب حسن الظن طويلًا، ويتوقف قليلًا عند حق الآخرين في أن تكون لهم ذاكرة مختلفة.

يوشك أن يسمي من خذله، ثم يكتفي بإشارة. يضحك عند موضع المرارة،
وينفعل ويبكي عند تفصيل تافه.
أما الجملة الثقيلة، فيتركها ناقصة؛ يريد أن تُفهم، ويخشى أن تحفظ عليه.

تتكاثر الوصايا:
احفظوا،
اصبروا،
انتبهوا.
ويعيد العبارة،
ويتابع أثرها في الوجوه.
وراء كل توصية تكاد تلوح رغبة صغيرة:
أن تظل له حركة في المكان،
حين لا يعود فيه.

يطيل الحديث عن الصدق مع الله ، وعن عدل و ينتظر تصفيق الجميع.
غير أن اليد المرفوعة إلى السماء تظل غير قادرة أن تمتد إلى مظلوم فما أثقل الموعظة حين تطلب من الغيب أن يصلح ما تركته الأيدي على الأرض.

قد تكون رقته صحوة، وقد تكون خوفًا . و ربما ندما لكن للندم فعلٌ يتجاوز رجفة الصوت.

يشد كتفيه كلما شعر بانحنائهما، ويستقيم او يستدير في جلسته كأنه يصلح بها اختلال سابق
ينظر إلى الباب. كان يحسبه جزءًا من المكان و صار يراه احتمالًا.

يتباطأ عند نهاية اللقاء.
يعود إلى كلمة قالها،
ويضيف نصيحة،
ويطيل في مصافحة. لعلّ يدًا تحتفظ بيده لحظةً أطول، فتمنحه ما عجزت عنه كل عباراته

ما زال يتحدث. والوجوه ما زالت أمامه. لكن بعض الوداع يبدأ هكذا: بكلام كثير يحرس جملة واحدة لا يريد صاحبها أن يقولها.

وأقسى الوداع أن تظل في مكانك، وتخشى أن تكون العيون قد بدأت تراك بصيغة الماضي

هكذا…..
شاهدت صديقي البروفيسور التركي
في محاضراته الاخيره قبل التقاعد

صحّح الأخطاء اللغوية والإملائيةوحّد ضمير السرد والزمنخفّف التكرار واجعل الختام أقوى