في زحام الحياة، نرسم لأنفسنا خرائط صارمة للسعادة نحدد فيها الأسماء والأماكن والتفاصيل، ونظن أن الفرح لا يأتي إلا من دوائرنا المألوفة من صديق قديم، أو قريب، أو من إنجاز خططنا له طويلاً.
لكن الحياة تُصرّ أحياناً على أن تُعلمنا درساً مختلفاً أن السعادة قد تطرق بابك بيدٍ لا تعرفها، ووجهٍ لم تره من قبل، وبلدٍ لم يخطر لك على بال.
ما زلت أتذكر ذلك اللقاء العابر، الذي لم يكن له موعد في مفكرتي، ولا ترتيب مسبق في يومي.
كان لقاءً جمعني بشخصٍ من بلدٍ شفيق ، لا يعرف عني شيئاً ولا أعرف عنه شيئاً .
حمل ثقافة مختلفة وتجارب بعيدة، لكنه حمل أيضاً شيئاً ثميناً قدرة نادرة على قراءة ما وراء الصمت.
جلستُ أمامه وأنا أحمل همومي كحقيبة ثقيلة، وربما كانت ملامحي تفضحني أكثر مما أردت لم يسألني أسئلة مباشرة، ولم يحاول أن يقدم لي نصائح جاهزة تحدث بهدوء، وابتسم ابتسامة صادقة، واستمع إليّ كما لم يستمع إليّ أحد من قبل في تلك اللحظات القليلة، شعرت أنني أمام مرآة لا تعكس عيوبي، بل تعكس إنسانيتي.
كانت المفاجأة أن هذا الغريب، الذي لا يعرف تفاصيل حياتي ولا تاريخ جراحي، استطاع في مقابلة واحدة أن يعيد إليّ ابتسامتي ليس لأنه حلّ مشاكلي، بل لأنه أعاد إليّ الإحساس بأنني مرئي، ومفهوم، تحدث بلغتي الحبيبه، لكنها هذه المرة جاءت بلهجه مختلفة، لهجه جميله ناعمه جعلتني أشعر أنني لست وحدي.
أدركت حينها أن السعادة لا تحتاج إلى تأشيرة دخول، ولا إلى معرفة سابقة، ولا إلى نسب أو جنسية.
السعادة تأتي أحياناً على شكل شخص عابر، من بلد لا نعرفه، يتحدث لغتنا بقلبه قبل لسانه، يمنحنا لحظة صفاء تُعيد ترتيب أيامنا وفي تلك اللحظة، تتحطم كل تصوراتنا المسبقة، ونكتشف أن الإنسانية أوسع من الجغرافيا، وأن الطيبة لا تحتاج إلى ترجمة.
اليوم، وأنا أكتب هذه السطور، أشعر بالامتنان لذلك الغريب الذي لم أكن أتوقع أن يترك في قلبي أثراً تعلمت منه أن أفتح بابي للحظات غير المتوقعة، وأن أؤمن بأن السعادة قد تأتي ممن لا نعرفهم، وأن الابتسامة قد تصلح ما لا تصلحه الكلمات الطويلة.
لعلّ أجمل ما في الحياة أننا لا نعرف من سيُعيد إلينا بهجتنا، ولا من سيُضيء يومنا.
وربما تكون أعظم هدية، تلك التي تأتي من شخص لم تكن تتوقعه، ومن مكان لم تكن تعرفه، وفي لقاء واحد، يغيّر كل شيء.







