من وعود الحماية إلى واجب إعداد القوة:

قراءة شرعية واستراتيجية في التحول الإقليمي

في العشرين من أكتوبر 2026، قال المبعوث الأمريكي توم براك، في منتدى الأمن العالمي بالدوحة، ما يستحق أن تتوقف عنده عواصم المنطقة طويلًا: لم يعد نموذج الأمن الذي اضطلعت فيه واشنطن بحماية حلفائها مقابل ترتيبات سياسية واقتصادية صالحًا بصورته القديمة، وعلى دول المنطقة أن تتعاون وتتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. ومع ذلك أوضح أن الولايات المتحدة لا تغادر الشرق الأوسط. والمعنى أن واشنطن تعيد توزيع الأعباء، لا أنها تتخلى بالضرورة عن نفوذها.

وقبل كلامه بيومين، عرض بنيامين نتنياهو تصورًا أمنيًا يعطي أولوية للمبادرة والضربات الاستباقية والحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي.

إن تزامن التصريحين ليس مصادفة. لكنة يؤكد كيف يفكرون للمنطقة ، وهذا يثير سؤالًا مشروعًا: ماذا يحدث إذا تراجع استعداد القوة الكبرى للتدخل دفاعًا عن حلفائها (وهذا ما رئينا في الحرب علي ايران وضرب إيران القواعد الامريكية في الخليج ..)، بينما اتسع هامش استخدام القوة أمام إسرائيل؟

وليس هذا التحول منفصلًا عن تاريخ أطول. فمنذ عقود التزمت واشنطن بضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، ورسخت ذلك في تشريع أمريكي عام 2008، ثم وقعت عام 2016 مذكرة مساعدات عسكرية بقيمة 38 مليار دولار للسنوات المالية 2019–2028، خاضعة لاعتمادات الكونغرس.

لذلك لا تكفي قراءة التصريح الأمريكي باعتباره انسحابًا؛ فالسؤال الأدق يتعلق بطبيعة النظام الأمني الذي سيبقى، ومن يحصل داخله على الدعم وحرية المبادرة، ومن يتحمل تكاليف الأزمات

القرآن وسنن الوعود والخذلان

إنها ليست مسألة أخبار عسكرية فحسب؛ إنها امتحان لوعي الأمة بمسؤولية حماية نفسها. والقرآن يقدم لنا أصولًا لفهم هذا الامتحان، لا نبوءة بأسماء الدول المعاصرة.

قال تعالى في شأن من وعدوا بني النضير بالنصرة:

﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: 11].

ثم قال:

﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الحشر: 12].

وذكر الطبري وابن كثير أن الآيتين في وعود المنافقين لبني النضير ثم خذلانهم

؛ والعبرة أن الوعد وحده لا يصنع أمنًا، وأن مصير الشعوب لا ينبغي أن يستند إلى ضمانات لا تملك القرار فيها.

وتؤكد التجربة النبوية أن إدارة العلاقات الخارجية لم تقم على الانعزال أو التسليم للآخرين، بل على الموازنة بين العهود والمصلحة والقدرة. فقد عقد النبي ﷺ صلح الحديبية، وكان في ظاهره شروط شاقة على المسلمين، لكنه أدار به مصالح ممتدًا من موقع تقدير المآلات.

والمقصود من استحضار المثال ليس إسقاط شروط الصلح على معاهدات اليوم، بل تذكير صناع القرار بأن حسن تقدير العواقب جزء من التدبير الشرعي، وأن الاستقلال لا يعني رفض التفاوض.

من التحذير القرآني إلى واجب إعداد القوة

لم يقف القرآن عند التحذير؛ بل نقل المسلمين إلى مسؤولية الفعل:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].

وفسر الطبري القوة بما يمكن إعداده من أدوات الاستعداد في عصره. ويدخل في تحقيق مقصد الإعداد اليوم امتلاك المعرفة والتصنيع والقدرة الدفاعية والأمن الغذائي والتكنولوجي والاقتصاد القادر على الصمود.

فالتوكل ليس بديلًا عن الأسباب، والاستعانة بالحليف ليست بديلًا عن امتلاك القدرة الوطنية.

وقرر القرآن شرطًا آخر لا يقل أهمية:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

وقد تنفق دول المنطقة على شراء السلاح ما لا تنفقه على التعاون في إنتاجه، وتستهلك خلافاتها موارد كان يمكن أن تبني بها منظومات دفاع وصناعة وأمن مشترك.

وما تكشفه مأساة غزة، وما شهدته المنطقة من حروب ونزوح..وما هو قائم الان…، أن الأمن لا يُقاس بعدد الصفقات وحده، بل بقدرة المجتمعات على منع العدوان وحماية المدنيين وصون الكرامة.

التحالفات الجديدة بين الاستقلال والتبعية

هنا تكتسب التحالفات الجديدة أهميتها؛ فقد وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك في أغسطس 2026، ووقعت تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا مذكرة «بدر» للتعاون في الصناعات الدفاعية في أكتوبر.

لكن الفارق جوهري: الأول اتفاق للدفاع المشترك، ما زال استكمال إجراءات التصديق عليه مطلوبًا في تركيا، والثانية إطار للتعاون الصناعي، وليسا إعلانًا عن جبهة موحدة ضد إسرائيل.

كما أن غياب مصر عن الاتفاقين، رغم وزنها الجغرافي والسياسي والعسكري، يطرح سؤالًا عن اتساع التعاون الإقليمي وقدرته على ربط أمن فلسطين والبحر الأحمر والخليج، مع احترام سيادة جميع الدول.

وإن كان تفسير البعض لهذا الغياب بأنة بضغط خارجي؛ مع أن قرارات التحالف ترتبط بمصالح والتزامات وطنية مختلفة.

والاختبار ليس في أسماء التحالفات، وإنما في استقلال القرار، وتبادل التكنولوجيا، وتحديد المخاطر بصورة مشتركة، وتجنب الانزلاق إلى حروب استنزاف.

والتأصيل الشرعي يضع حدودًا لهذا الطريق؛ فلا يصح تحويل الحذر من التبعية إلى خصومة دائمة مع غير المسلمين، ولا إلغاء العهود باسم الاستقلال.

يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

وتقوم السياسة الرشيدة على العدل والوفاء وتقدير المصالح والمفاسد وحفظ النفوس والأموال والأوطان ونصرة المظلوم بالوسائل المشروعة.

وفي الصحيح: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه» [البخاري: 2442؛ مسلم: 2580].

أفيقوا… فالاستقلال يبدأ من الداخل

من هنا لا يكفي أن ندعو الأمة إلى الإفاقة. المطلوب أن تتحول اليقظة إلى برامج: تكامل صناعي وعلمي، وتنسيق لحماية الممرات البحرية، واستثمار في اقتصاد منتج، وآليات لحل النزاعات بين الدول، وسياسات تحول دون تهميش الحقوق الفلسطينية.

وهذا مسار لا يتحقق بخطاب حماسي ولا بمجرد توقيع اتفاق.

حين يقول مسؤول أمريكي إن على المنطقة أن تتحمل مسؤولية أمنها، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا قال ذلك الآن؟ بل لماذا ظللنا نؤجل الاستعداد لهذا الاحتمال؟

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

إن الأمة لا تستعيد قرارها بالقطيعة مع العالم، بل ببناء قدرة تجعل شراكاتها اختيارًا حرًا لا ضرورة مفروضة.

والدرس الذي ينبغي أن نستوعبه، من القرآن والتاريخ والواقع، أن أمن الأمة لا يستقيم بالاعتماد على غيرها، ولا بالتنازع بين أبنائها، وإنما بإعداد القوة وإقامة العدل والوفاء بالعهود والتعاون على حماية الحقوق.

فاليقظة الحقيقية ليست أن نكتشف أن الآخرين قد يتخلون عنا، وإنما أن نكون قد أعددنا من القوة والوحدة والاستقلال ما يجعل هذا التخلي غير قادر على تقرير مصيرنا.

محمد ابو عجور

صحّح الأخطاء الإملائية والنحويةاستبدل العبارات المعلّقة بصياغة واضحةوحّد نبرة المقال السياسية والشرعية