رساله للبرلمان (7)
المضابط تتكلم ..من قالوا “لا”؟
ليست كل كلمة «لا» تحت قبة البرلمان متساوية في وزنها أو أثرها. فهناك «لا» تعترض على قانون، وأخرى ترفض موازنة، وثالثة تتصل بحدود الوطن أو بقرار قد يحمل أبناءه السلاح خارج تلك الحدود.
في هذه الحالة الأخيرة، تصبح الكلمة أكبر من صاحبها، ويصبح تسجيلها في مضبطة البرلمان جزءًا من ذاكرة الوطن، لا مجرد تفصيل في محضر جلسة.
في يونيو ٢٠١٧، كان مجلس النواب المصري أمام اتفاقية تعيين الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية، وما ترتب عليها من نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير.
وفي السادس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢٦، عاد المجلس ليقف أمام قرار مختلف في موضوعه، لكنه يتصل بالمسؤولية الدستورية نفسها: تفويض رئيس الجمهورية بإرسال قوات مسلحة خارج حدود البلاد، في سياق دعم المملكة العربية السعودية.
بين القرارين نحو تسع سنوات، وبين موضوعيهما فارق لا يجوز تجاهله.
الأول تعلق بالسيادة على أرض مصرية في نظر معارضي الاتفاقية، بينما تمسكت الحكومة آنذاك بأن الجزيرتين سعوديتان أصلًا، وأن الاتفاقية تعيد ترسيم الحدود ولا تتضمن تنازلًا عن أرض مصرية.
أما الثاني، فيتعلق باستخدام القوات المسلحة خارج حدود الدولة، وما يرتبط بذلك من مسؤوليات عسكرية وسياسية وإنسانية.
وفي الحالتين، يبقى السؤال الأهم: هل البرلمان شريك حقيقي في صناعة القرار المصيري، أم مجرد محطة دستورية يمر بها قرار اكتمل قبل وصوله إلى النواب؟
وافق مجلس النواب، في جلسته السرية برئاسة المستشار هشام بدوي، على التفويض بأغلبية الثلثين المطلوبة دستوريًا، وفق ما أُعلن رسميًا.
لكن ما يستحق الوقوف أمامه هو ظهور سبعة عشر اسمًا لنواب رفضوا التفويض أو لم يشاركوا في تأييده، وفق القائمة المنشورة في «بوابة البرلمان».
هذه الأسماء ليست مجرد أرقام في خانة الأقلية، بل تعكس تنوعًا حزبيًا وسياسيًا يستحق القراءة.
فمن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ضمت القائمة محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب، وفريدي البياضي، ومها عبد الناصر، وإيهاب منصور، وسناء السعيد، وأميرة فؤاد، وريهام عبد النبي، وبسام الصواف، وأمير الجزار، ومدحت ركابي، وحسن عتيقة، وعلاء فايد.
ومن المستقلين، ضياء الدين داود، وأحمد فرغلي، وأحمد السنجيدي.
ومن حزب الوفد، عبد العليم داود، ومن حزب التجمع، عاطف مغاوري.
الحساب هنا لا يقل أهمية عن الأسماء.
فمجلس النواب يضم خمسمائة وستة وتسعين عضوًا، بينما يمثل السبعة عشر نائبًا نحو اثنين وخمسة وثمانين من المائة بالمائة من إجمالي عضويته.
أي أن الأقلية التي ظهرت في هذه الواقعة لم تبلغ ثلاثة بالمائة من المجلس.
ومن بين السبعة عشر، ينتمي اثنا عشر نائبًا إلى الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بنسبة تقارب سبعين وستة أعشار بالمائة من المجموعة، بينما يمثل المستقلون ثلاثة نواب، بنسبة سبعة عشر وستة أعشار بالمائة، ويتوزع المقعدان الباقيان بين الوفد والتجمع.
غير أن الأرقام لا تقول كل شيء.
فالأقلية البرلمانية لا تُقاس بعدد مقاعدها وحده، وإنما بقدرتها على ممارسة الرقابة، وتقديم البدائل، وتوثيق الاعتراض، وتحويل الاختلاف من موقف عابر إلى عمل مؤسسي مستمر.
هنا تستدعي الذاكرة البرلمانية مشهدًا آخر.
في يونيو ٢٠١٧، أعلنت مجموعة ضمت مائة وأربعة نواب رفضها اتفاقية تيران وصنافير، وطالبت بإثبات مواقفها في مضبطة المجلس.
كان عدد الرافضين المعلن آنذاك أكبر من العدد المنشور في واقعة التفويض العسكري الحالية بأكثر من ستة أضعاف.
لكن المقارنة العددية تحتاج إلى احتياط مهم: فقائمة المائة والأربعة كانت قائمة معلنة لمعارضي الاتفاقية، وليست بالضرورة مطابقة لكشف تصويت نهائي اسمي، كما أن قائمة السبعة عشر الحالية تستند إلى التغطيات المنشورة، لا إلى مضبطة رسمية تفصيلية متاحة للجمهور.
ورغم اختلاف الواقعتين، فإن بعض الأسماء تعود إلى الظهور، وفي مقدمتها ضياء الدين داود، وإيهاب منصور، وأحمد فرغلي، بما يفتح بابًا لدراسة استمرارية المواقف البرلمانية عبر أكثر من فصل تشريعي.
لقد كان الاعتراض على تيران وصنافير متعلقًا بحدود السيادة الوطنية، بينما يتصل الاعتراض الحالي بحدود التفويض العسكري.
وهذا فارق دستوري وسياسي بالغ الأهمية.
فالمادة مائة واثنتان وخمسون من الدستور المصري تضع ضوابط لإعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، وتشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه.
لكن النص الدستوري، مهما بلغت دقته، لا يغني عن رقابة البرلمان على طبيعة المهمة ومدتها وأهدافها وتكلفتها وحدودها وشروط انتهائها.
ولا يكفي أن يعرف النائب لماذا تبدأ المهمة، بل ينبغي أن يعرف كذلك كيف تنتهي، وما المخاطر التي قد تترتب عليها، ومن يتحمل مسؤولية مراجعة نتائجها.
ومن الإنصاف أيضًا ألا يُفسر رفض التفويض العسكري باعتباره رفضًا لمساندة السعودية، أو انتقاصًا من أهمية أمنها واستقرارها.
فالعلاقات المصرية السعودية أعمق من أن تختزل في تصويت واحد، وأمن البلدين يتصل بمصالح استراتيجية متشابكة.
لكن التضامن السياسي والدبلوماسي والدفاعي شيء، ومنح تفويض عسكري قد يترتب عليه إرسال قوات إلى خارج الحدود شيء آخر، لكل منهما حساباته الدستورية ومسؤولياته.
ومن حق المؤيدين أن يقدموا مبرراتهم، كما أن من حق المعترضين أن يسألوا عن البدائل والضمانات. وليس من حق أي طرف أن يحتكر الوطنية أو أن يصادر حق الآخر في الاجتهاد.
الأهم عندي في هذه الواقعة ليس أن سبعة عشر نائبًا اعترضوا، بل السؤال عما إذا كان هذا الاعتراض يستطيع أن يفتح بابًا لتعاون برلماني أوسع.
فالتجربة التي عرفها البرلمان في أعقاب تيران وصنافير أظهرت أن الاختلافات الحزبية لا تمنع بالضرورة التعاون في القضايا الدستورية والرقابية.
غير أن الاجتماع حول قضية واحدة لا يصنع وحده كتلة معارضة.
فالكتلة البرلمانية تحتاج إلى حد أدنى من التوافق على قواعد العمل، واحترام استقلال مكوناتها، والتنسيق في اللجان، وممارسة أدوات الرقابة، وتقديم مشروعات قوانين وبدائل قابلة للمناقشة.
والاختبار ليس في القدرة على قول «لا» حين تتفق المواقف، بل في القدرة على العمل المشترك حين تختلف البرامج والمصالح والحسابات.
إن إصلاح المؤسسة التشريعية المصرية لا يبدأ بالضرورة من تغيير عدد المقاعد، وإنما يبدأ أيضًا من استعادة قيمة المقعد ذاته.
من حق المواطن أن يعرف كيف صوّت نائبه، ولماذا وافق أو رفض، وما الأسئلة التي طرحها قبل اتخاذ القرار.
ومن حق البرلمان أن تتاح له المعلومات اللازمة لأداء وظيفته، وأن يناقش القرارات المصيرية بالقدر الذي تستحقه من جدية، مع مراعاة مقتضيات السرية حين يتعلق الأمر بالأمن القومي.
فالسرية التي قد تقتضيها حماية العمليات العسكرية لا ينبغي أن تتحول إلى غياب دائم للمساءلة أو إلى محو المواقف من الذاكرة البرلمانية.
لهذا أرى أن الخطوة الأولى في قراءة واقعة السادس والعشرين من أكتوبر ليست إصدار الأحكام على الأشخاص، وإنما الحصول على المضبطة الرسمية، وتحديد طبيعة التصويت، وحصر الموافقين والمعترضين والممتنعين، ثم دراسة الأسئلة التي طُرحت والإجابات التي قُدمت.
بعدها فقط يمكن قياس مدى وجود نواة لتعاون معارض يتجاوز حدود هذا القرار.
وقد يكون أهم ما تقدمه هذه الواقعة أنها تعيد طرح سؤال المعارضة البرلمانية نفسها: هل تُعرّف المعارضة بما ترفضه فقط، أم بما تملكه أيضًا من تصورات وبرامج وأدوات رقابية وتشريعية؟
تسع سنوات تفصل بين تيران وصنافير وتفويض إرسال القوات، لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن مضابط البرلمان واحد:
من الذي اتخذ القرار؟ ومن الذي ناقشه؟ ومن الذي اعترض عليه؟ وهل امتلك المجلس المعلومات والوقت والحرية اللازمة لممارسة مسؤوليته؟
ليست الديمقراطية أن تقول الأغلبية «نعم» دائمًا، ولا أن تقول الأقلية «لا» دائمًا.
الديمقراطية أن تكون «نعم» مسؤولة، وأن تكون «لا» محترمة، وأن يكون البرلمان قادرًا على السؤال قبل القرار، والمحاسبة بعده.
فالأغلبية تستطيع أن تمرر القرار، لكنها لا تستطيع أن تلغي من التاريخ حق الأقلية في الاعتراض.
والمضابط، مهما طال صمتها، تبقى أحيانًا أصدق من التصفيق.







