يشكّل ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة فرصةً مهمة لتمثيل عربي أوسع في قيادة المنظمة، ولإيصال شخصية تمتلك خبرة دبلوماسية وتعليماً أكاديمياً إلى واحد من أبرز المناصب الدولية.
تنبع أهمية ترشيحها من خمسة اعتبارات متكاملة:
أولاً: جذورها الفلسطينية المقدسية. تنتمي نسيبة إلى عائلة مقدسية عريقة ارتبط اسمها بتاريخ القدس، وتُعرف عائلتها تقليدياً بحمل مفاتيح كنيسة القيامة. ويمنح ذلك ترشيحها دلالة رمزية، إذ يجمع بين مسيرة دبلوماسية معاصرة وإرث متصل بتاريخ مدينة ذات مكانة كبرى في المنطقة.
ثانياً: انتماؤها العربي والإسلامي. إن وصول شخصية عربية مسلمة إلى قيادة الأمم المتحدة سيكون حدثاً ذا دلالة، ويعكس تنوع المجتمعات التي تمثلها المنظمة. ويمكن لهذا الانتماء أن يسهم في توسيع جسور التفاهم، من دون أن يحول الهوية بحد ذاتها إلى بديل عن الكفاءة أو الحياد.
ثالثاً: كونها امرأة. لم تتولَّ امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة حتى الآن. ولذلك فإن انتخاب نسيبة سيشكل سابقة تاريخية، ويؤكد أن القيادة الدولية ينبغي أن تكون مفتوحة أمام النساء على أساس الكفاءة والخبرة.
رابعاً: خبرتها الدبلوماسية والأممية. خدمت نسيبة مندوبةً دائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة، وتولت مناصب دبلوماسية وحكومية، واكتسبت خبرة مباشرة في عمل المنظمة والتفاوض بين الدول. وهذه المعرفة المؤسسية مهمة لمن يتولى منصباً يتطلب قيادة الأمانة العامة، والعمل مع الدول الأعضاء، ومحاولة بناء التوافق في أوقات الأزمات.
خامساً: تحصيلها العلمي ودراسة التاريخ. درست نسيبة التاريخ في جامعة كامبردج، ثم تابعت دراساتها العليا في جامعة لندن. وتُعد كامبردج من الجامعات العريقة، المعروفة بتقاليدها في التعليم والبحث العلمي. أما دراسة التاريخ، فتساعد الدبلوماسي على فهم كيف نشأت النزاعات، وكيف أسهمت الذاكرة الجماعية والحدود والتحولات السياسية في استمرارها أو تفاقمها. كما تتيح مقارنة التجارب السابقة، والتعرف إلى جذور الخلافات، وتقدير أثر القرارات على المدى البعيد. وهذه أدوات تعزز قدرة الدبلوماسيين على قراءة مواقف الأطراف، وتجنب تبسيط النزاعات، وصياغة حلول تراعي سياقاتها التاريخية.
وتكمن أهمية منصب الأمين العام في أن شاغله يقود الأمانة العامة، ويمثل المنظمة، ويسعى إلى تنبيه المجتمع الدولي إلى الأزمات والمخاطر، وإلى تقريب وجهات النظر ودعم العمل متعدد الأطراف. لذلك فإن اختيار الأمين العام لا يتعلق بسيرة فردية فحسب؛ بل ينعكس على قدرة المنظمة على الاستجابة للتحديات، وتعزيز الثقة والتعاون بين الدول. وخبرة نسيبة الأممية، إلى جانب خلفيتها الأكاديمية، تمنحها أساساً مهماً لخوض هذه المسؤولية.
ولديّ تجربة شخصية جعلتني أدرك كيف يمكن للخلافات السياسية أن تطغى على الكفاءة والفرص. فقد ترشحت لرئاسة مجلس المباني الشاهقة والموائل الحضرية في شيكاغو، المعنيّ بمواصفات الأبنية العالية واستراتيجيات التنمية والتطوير الحضري. وبحسب ما أذكر، كان الفائز يتولى المنصب في شيكاغو بحضور الرئيس الأميركي، وكان باراك أوباما رئيساً وقت ترشحي. حصلت على أربعة أصوات، وفاز رئيس جامعة في كوريا الجنوبية بخمسة، فخسرت بفارق صوت واحد. وكانت تلك فرصة نادرة، وربما لن تتكرر لعربي.
وقد قيل لي إن الكويت لن تصوت لمرشح من دولة أيدت موقف العراق في حرب الخليج، رغم أنني حصلت على دعم مهندسين من بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وأفريقيا، بينما خسرت أصوات آسيا. وتجربتي هذه هي ما يجعلني لا أريد أن تتكرر تصفية الحسابات السياسية مع مرشحة عربية قوية ومتعلمة؛ مرشحة أؤمن بأنها قادرة على إحداث التغيير وإدارة الأمم المتحدة بكفاءة وحزم، وبالعلم والبساطة ومن دون تحيز.
إن دعم ترشيح نسيبة لا يعني تجاهل الانتقادات أو الخلافات المتعلقة بمواقف الإمارات، ولا يعني الامتناع عن النقاش السياسي؛ بل يعني ألا تتحول تلك الخلافات إلى أحكام مسبقة تمنع تقييم المرشحة على أساس خبرتها وقدرتها. يمكن للدول العربية أن تختلف في مواقفها، لكنها تستطيع أن تضع خلافاتها جانباً حين تتاح فرصة نادرة لوصول مرشحة عربية إلى موقع قيادي عالمي.
الترشيح لا يضمن الفوز، لكنه يستحق دعماً جاداً وتقييماً منصفاً. والأمل أن تكون الكفاءة والخبرة، لا تصفية الحسابات السياسية، هي المعيار؛ حتى لا تُهدر فرصة عربية قد تسهم في قيادة الأمم المتحدة وتعزيز دورها في معالجة
النزاعات الدولية.
أصلح الأخطاء اللغوية والعنواناختصر فقرة التجربة الشخصيةقوِّ خاتمة الدعوة للدعم







