تحولت مقاعد الأحزاب العربية في الكنيست إلى رقم حاسم في معركة تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، بعدما أظهرت النتائج الأولية عجز معسكري بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت عن الوصول منفردين إلى أغلبية الـ61 مقعدًا، لكن المعارضة لا تزال مترددة في الاعتماد على الأصوات العربية لإسقاط نتنياهو.

وأظهرت أحدث النتائج الواردة مع تقدم عملية الفرز تراجع معسكر نتنياهو إلى 54 مقعدًا بعد فرز 72.4 بالمئة من الصناديق، في مؤشر على استمرار تغير خريطة المقاعد مقارنة بالنتائج التي ظهرت خلال الساعات الأولى من العد.

وكانت تقديرات سابقة، بعد فرز نحو نصف الأصوات، قد منحت معسكر نتنياهو 55 مقعدًا، مقابل 50 لمعسكر آيزنكوت و15 للأحزاب العربية، قبل أن تتغير الأرقام مع تقدم الفرز.

ويعني ذلك أن أيا من المعسكرين لم يحسم حتى الآن أغلبية الـ61 مقعدًا المطلوبة من أصل 120 مقعدًا في الكنيست، ما يضع الأحزاب العربية في قلب حسابات تشكيل الحكومة المقبلة.

صعود عربي يغير معادلة الحكم

شهدت الانتخابات مشاركة مرتفعة للناخبين العرب، الذين يشكلون نحو خمس سكان إسرائيل، وسط غضب متزايد من سياسات الحكومة اليمينية، وتصاعد معدلات الجريمة والعنف في البلدات العربية، إلى جانب تداعيات الحرب.

وأظهرت المؤشرات الانتخابية تحقيق القائمة المشتركة وحزب «القائمة العربية الموحدة – راعم» مكاسب ملحوظة، الأمر الذي يمنح الأحزاب العربية كتلة برلمانية يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في قدرة أي من المعسكرين على تشكيل الحكومة.

ولا تقتصر أهمية هذه المقاعد على حجم التمثيل العربي داخل الكنيست، إذ يمكن استخدامها لمنع نتنياهو وحلفائه من الحصول على أغلبية تسمح لهم بتشكيل حكومة جديدة.

وقال رئيس «راعم» منصور عباس إن شخصيات من المعسكرين تواصلت معه، مؤكدًا استعداده لمناقشة ترتيبات سياسية تسمح بتشكيل حكومة بديلة.

في المقابل، أكد رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين أن هدف قائمته يتمثل في إنهاء حكم نتنياهو وحلفائه من اليمين المتشدد.

لماذا تتحفظ المعارضة على أصوات العرب؟

رغم حاجة معسكر آيزنكوت المحتملة إلى أصوات النواب العرب، تواجه فكرة الاعتماد عليهم معارضة داخلية من عدد من القوى المنضوية في المعسكر المناهض لنتنياهو.

وكان عدد من قادة المعارضة قد تعهدوا خلال الحملة الانتخابية بعدم تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، في ظل مخاوف من خسارة قطاعات من الناخبين الإسرائيليين الرافضين لمشاركة هذه الأحزاب في القرارات المتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية.

ويبرز هذا الموقف بصورة خاصة لدى قوى يقودها نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، في ظل التباعد بين مواقفهما القومية والأمنية ومواقف الأحزاب العربية.

كما يقدم آيزنكوت نفسه باعتباره بديلًا لنتنياهو قادرًا على تشكيل حكومة تستند إلى قاعدة سياسية صهيونية، مع تبنيه مواقف في ملفات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تختلف بصورة جوهرية عن مواقف القوى العربية.

وبذلك لا يقتصر الخلاف بين المعارضة والأحزاب العربية على توزيع الحقائب الوزارية أو شكل الائتلاف، وإنما يمتد إلى ملفات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والهوية والسياسات الأمنية.

تجربة منصور عباس تعود إلى الواجهة

ولا تعد مشاركة حزب عربي في الائتلاف الحاكم سابقة غير مسبوقة، إذ انضمت «راعم» بقيادة منصور عباس عام 2021 إلى الائتلاف الذي قاده نفتالي بينيت ويائير لبيد.

وشكلت تلك التجربة سابقة بمشاركة حزب عربي مستقل في ائتلاف حكومي إسرائيلي، وركز عباس خلالها على ملفات الخدمات والبنية التحتية ومكافحة الجريمة في المجتمع العربي.

لكن التجربة أثارت انتقادات من قوى عربية وإسرائيلية، وانتهت بسقوط الحكومة في عام 2022.

وتبدو إعادة التجربة أكثر تعقيدًا حاليًا في ظل التحولات التي أعقبت حرب غزة وتصاعد الاستقطاب السياسي والأمني داخل إسرائيل.

هل يمكن دعم حكومة آيزنكوت من الخارج؟

ولا يشترط تأثير الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة دخولها رسميًا إلى الائتلاف، إذ يمكن نظريًا دعم حكومة يقودها آيزنكوت من خارجها أو الامتناع عن التصويت في بعض الإجراءات البرلمانية، إذا سمحت خريطة المقاعد بذلك.

لكن مثل هذا السيناريو يتطلب تفاهمات سياسية واضحة تضمن قدرة الحكومة على الحصول على الثقة والاستمرار في تمرير الموازنة والتشريعات الأساسية.

كما تواجه هذه الصيغة خلافات داخل القوى العربية نفسها، إذ تتبنى «راعم» نهجًا أكثر انفتاحًا على المشاركة والتفاهمات الائتلافية، بينما تتحفظ قوى أخرى داخل القائمة المشتركة على المشاركة في حكومة إسرائيلية.

الخلافات قد تمنح نتنياهو فرصة للبقاء

وقد يستفيد نتنياهو من رفض بعض قوى المعارضة الاعتماد على النواب العرب، حتى إذا لم يتمكن معسكره من بلوغ أغلبية الـ61 مقعدًا.

ففي حال فشل آيزنكوت في بناء أغلبية بديلة، وعجز نتنياهو في الوقت نفسه عن استقطاب شركاء إضافيين، قد تدخل إسرائيل في مفاوضات ائتلافية طويلة ومعقدة، مع بقاء احتمال إجراء انتخابات جديدة قائمًا إذا فشلت محاولات تشكيل الحكومة.

وخلال هذه الفترة، يستطيع نتنياهو الاستمرار على رأس حكومة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة.

وهكذا تضع نتائج الانتخابات الأحزاب العربية في موقع قد يسمح لها بالتأثير بصورة مباشرة في مستقبل نتنياهو السياسي، لكن قدرتها على تحويل ثقلها البرلماني إلى تغيير في الحكم ستظل مرهونة باستعداد المعارضة الإسرائيلية للتراجع عن تحفظاتها وقبول صيغة تعاون معها.

صحّح التباين في أرقام المقاعدخفّف التكرار في المقدمةاختصر الفقرات التحليلية الطويلة