الإخوان المسلمون والخلافة الإسلامية في ميزان المصالح الغربية والمشروع الحضاري للأمة

حين تتحد أوروبا تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، وتبني مؤسسات سياسية واقتصادية وتشريعية مشتركة، يُسمى ذلك تقدمًا وتكاملًا حضاريًا. وحين تقيم الولايات المتحدة قوتها على اتحاد خمسين ولاية، وتعزز نفوذها بتحالفات عسكرية واقتصادية عابرة للقارات، يُعد ذلك حقًا مشروعًا لحماية مصالحها وتعظيم قوتها.

ولكن لماذا يثير الحديث عن وحدة المسلمين، أو قيام كيان إسلامي جامع، مخاوف شديدة لدى بعض الدوائر الغربية؟ ولماذا يصبح التعاون والاتحاد مصدر قوة مشروعة للآخرين، بينما يُنظر إليه أحيانًا باعتباره خطرًا عندما يتصل بالمشروع الإسلامي؟

هذه ليست مجرد تساؤلات نظرية، بل تطرحها تصريحات ومواقف سياسية أوروبية حديثة بشأن جماعة الإخوان المسلمين ومشروعها العابر للحدود.

فقد وصف الجنرال الفرنسي السابق كريستوف غومار، عضو البرلمان الأوروبي ومدير الاستخبارات العسكرية الفرنسية سابقًا، في منشور علني، جماعة الإخوان المسلمين بأنها صاحبة مشروع سياسي عالمي يهدف في النهاية إلى إقامة خلافة عالمية تقوم على الشريعة الإسلامية. واعتبر أن مواجهتها تحتاج إلى التعليم، وتكوين النخب، والمواجهة الفكرية والأمنية، وبناء خطاب وطني مضاد.

ولم تكن هذه الرؤية معزولة عن المناخ السياسي الأوروبي؛ فقد أصدرت وزارة الداخلية الفرنسية في مايو 2025 تقريرًا عن الإخوان والإسلام السياسي في فرنسا،(ويتهمون الاخوان بأنهم وراءالمظاهرات في عدد من الدولة الأوربية الان) ثم اعتمد البرلمان الأوروبي في 8 أكتوبر 2026 قرارًا بشأن مواجهة ما وصفه بالتغلغل الإسلامي ونفوذ شبكات الإخوان، بأغلبية 381 صوتًا مقابل 167.

ورغم أن القرار لم يصنّف الجماعة بأكملها تنظيمًا إرهابيًا،
فإن هذه المواقف تكشف حجم القلق لدى تيارات أوروبية من التنظيمات الإسلامية ذات الامتداد الدولي.

لكن السؤال الأعمق: هل مصدر القلق هو ممارسات هذه التنظيمات، أم احتمال تحول الروابط الإسلامية العابرة للحدود إلى قوة سياسية وحضارية مستقلة؟

لا يمكن الجزم بأن الغرب كله يتبنى موقفًا واحدًا، أو أن الاعتراض على الإخوان يعني بالضرورة رفض كل وحدة إسلامية. غير أن خطاب بعض السياسيين يكشف خشية واضحة من المشروعات الإسلامية التي تسعى إلى بناء روابط ومؤسسات وتأثير يتجاوز حدود الدولة الوطنية.

وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية.

فالدول الغربية أدركت منذ زمن أن الدولة المنفردة، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى التحالف والتكامل. ولهذا أقامت الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ومؤسسات التعاون الاقتصادي والأمني، وأصبح الدفاع المشترك وتنسيق السياسات وتعظيم المصالح جزءًا أساسيًا من رؤيتها للقوة.

فلماذا لا يكون للمسلمين حق مماثل في بناء مؤسسات وحدتهم وتنسيق مصالحهم وصناعة استقلالهم الاقتصادي والسياسي؟

إن وحدة المسلمين ليست فكرة طارئة اخترعها الإخوان المسلمون سنة 1928، وإنما هي امتداد لمفهوم الأمة في الإسلام، ولرسالتها في إصلاح الحياة وإعمار الأرض وإقامة العدل.

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].

فالمسلمون ليسوا مطالبين بالاجتماع لمجرد امتلاك القوة، وإنما ليكون تعاونهم وسيلة للقيام بواجباتهم الحضارية: إقامة العدل، وحفظ الكرامة الإنسانية، ومحاربة الفقر والجهل، ونشر العلم، وتحقيق العمران، والمساهمة في إصلاح حياة الناس.

وهذه رسالة تتجاوز حدود المسلمين أنفسهم؛ لأن الإسلام جاء رحمة للعالمين، لا مشروعًا للهيمنة على شعوب الأرض.

ومن هذا المنطلق ينبغي فهم الخلافة في الوعي الإسلامي باعتبارها تعبيرًا تاريخيًا عن وحدة الأمة ومسؤوليتها في الحكم والعمران، لا مجرد اسم لنظام سياسي.

وقد ورد في الحديث الذي رواه أحمد وحسّن إسناده عدد من أهل العلم، قوله ﷺ: «ثم تكون خلافة على منهاج نبوة»، وهي بشارة لا تحدد زمنًا ولا تنظيمًا بعينه، ويظل معيارها الارتباط بمنهاج النبوة في العدل والشورى والإصلاح.

وعندما تحدث الإمام البنا عن الخلافة في «رسالة المؤتمر الخامس» سنة 1938، وصفها بأنها «رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام».

لكنه لم يجعل الوحدة السياسية نقطة البداية؛ بل تحدث عن تعاون ثقافي واجتماعي واقتصادي، ثم أحلاف ومعاهدات ومؤتمرات، ثم تكوين عصبة للأمم الإسلامية.

وهذا جانب مهم في فهم مشروع البنا؛ فقد نظر إلى الوحدة باعتبارها مسارًا متدرجًا لبناء القوة والمؤسسات، لا مجرد إعلان سياسي يستعيد شكلًا من الماضي.

والسؤال الذي ينبغي توجيهه إلى المنتقدين الغربيين لهذا التصور: ما الذي يجعل بناء سوق أوروبية مشتركة وتحالفات دفاعية أمرًا مشروعًا، بينما يصبح السعي إلى تكامل اقتصادي وثقافي وسياسي بين الدول الإسلامية مدعاة للريبة؟

(وهذا واضح في قلقهم من بعض التحالفات البسيطة مثل مكة وبدر)

إن حق أي دولة في مواجهة العنف أو النشاط غير القانوني لا خلاف عليه، ولكن ذلك ينبغي ألا يتحول إلى مصادرة حق المسلمين في التعاون السياسي السلمي أو إقامة المؤسسات المشتركة أو التعبير عن تطلعاتهم الحضارية.

فالقوة التي يحتاج إليها المسلمون ليست قوة السيطرة، وإنما قوة الاستقلال والعدل والعمران.

ولعل ما ينبغي أن يشغلنا أكثر من مخاوف بعض الغربيين هو عجزنا نحن عن تحويل مقومات الوحدة إلى واقع.

فكيف تمتلك الأمة هذه المساحات الجغرافية والثروات والطاقات البشرية، ثم تعجز عن إنشاء منظومة فعالة للتكامل العلمي والصناعي والغذائي والتكنولوجي؟

إننا نحتاج إلى نقد الاستبداد والانقسام والصراعات الداخلية، كما نحتاج إلى فهم أثر المصالح الدولية والتدخلات الخارجية؛ لأن الوحدة لا تُبنى بالشعارات ولا بمجرد استحضار أمجاد التاريخ.

لقد أدرك الغرب أن القوة في هذا العصر لا تصنعها الدول المنعزلة، بل تصنعها المؤسسات والتحالفات وتكامل المصالح.

وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن تستوعبه الأمة الإسلامية.

فليس المطلوب أن نطالب الآخرين بالسماح لنا بالوحدة، وإنما أن نمتلك الإرادة والقدرة على بنائها، وأن نقدم نموذجًا حضاريًا يثبت أن اجتماع المسلمين يمكن أن يكون قوة للعدل والاستقرار وإصلاح حياة الإنسان.

وحين تتحول الوحدة من حلم تتناقله الأجيال إلى مؤسسات ومصالح وإنجازات، لن يكون السؤال: لماذا يخشى الآخرون اتحاد المسلمين؟

بل لماذا تأخر المسلمون كل هذا الزمن عن تحقيق وحدتهم؟

محمد ابو عجور

احذف الملاحظات الدخيلة من المقالخفّف التعميمات عن الغرب والإخوانوحّد العنوان وقلّل علامات الاستفهام