حملة تضليل واسعة استمرت ثلاثة أعوام واستهدفت قطر عبر آلاف الإعلانات المصوّرة، كشفتها صحيفة «لوموند» الفرنسية في تحقيق نشرته في التاسع والعشرين من أكتوبر ٢٠٢٦ ضمن قسم «بيكسلز»، وأعدّه الصحفي داميان لولوب بعنوان «رئاسيات ٢٠٢٧: حملة تأثير هائلة تُغرق فرنسا بإعلانات عنصرية، وتكشف عن تدخل خارجي محتمل». واستند التحقيق إلى دراسة أجراها مارك أوين جونز، الأستاذ في فرع جامعة نورث وسترن الأمريكية في الدوحة، والباحث المستقل سوهان دسوزا. وبحسب الدراسة، لم تكتفِ الحملة بمهاجمة الدوحة، بل بثّت رسائل عنصرية ومعادية للمسلمين والمهاجرين في دول أوروبية عدة، وسط قرائن تقنية ومهنية تشير إلى صلات بالقطاع الخاص الإسرائيلي، واحتمال سعيها إلى التأثير في المناخ السياسي قبيل استحقاقات انتخابية، من بينها الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام ٢٠٢٧.

«لوموند»: حملة تضليل بـ830 مليون مشاهدة تستهدف قطر وتؤجج العداء للمسلمين في أوروبا… وقرائن تقود إلى إسرائيل

وقدّر الباحثان، بحذر، أن الحملة حققت نحو ٨٣٠ مليون مشاهدة عبر منصات مختلفة، وأن ميزانيتها ربما تجاوزت عشرة ملايين يورو، ما يجعلها، بحكم حجمها ومدتها، من أكبر حملات التأثير والتضليل الموثقة على الإطلاق. غير أن التحقيق لا يحسم هوية الجهة التي موّلت العملية أو أدارتها، ولا يقدّم دليلًا على تورط إماراتي، إذ يقتصر ذكر الإمارات على شخصية ترتدي الزي الإماراتي في أحد الإعلانات، وهو تفصيل لا يكشف شيئًا عن هوية القائمين على الحملة أو مموليها.

ومن المواد التي شاهدها ملايين المستخدمين على يوتيوب وتيك توك وفيسبوك محاكاة ساخرة للعبة «غراند ثفت أوتو» بعنوان «غراند ثفت قطر»، تظهر فيها شخصية بالزي الإماراتي تشتري مباني أوروبية لتحويلها إلى مساجد. وتضمنت مواد أخرى مشاهد لمهاجرين في مدن أوروبية مصحوبة بشعار «قطر هي المسؤولة»، في محاولة لربط الإمارة الخليجية بالهجرة والإرهاب وبما تصوّره الإعلانات مخططًا لـ«أسلمة أوروبا». وترى «لوموند» أن هذه الرسائل تستدعي نظرية المؤامرة العنصرية المعروفة بـ«الاستبدال الكبير»، وتتجاوز نقد سياسات دولة بعينها إلى تأجيج العداء للمسلمين والمهاجرين. وأشارت الصحيفة في السياق ذاته إلى أن قطر نفسها تستخدم أدوات التأثير والقوة الناعمة، وإلى الشبهات المرتبطة بفضيحة الفساد داخل البرلمان الأوروبي المعروفة بـ«قطرغيت»، لكنها قدّمت الحملة موضوع التحقيق بوصفها عملية تضليل توظّف صورة قطر لبث مضامين عنصرية.

وتصدّرت فرنسا قائمة الدول المستهدفة، إذ سجلت الإعلانات فيها نحو ١٢٠ مليون مشاهدة خلال ثلاثة أعوام، وصارت الأكثر استهدافًا في الأشهر الأخيرة التي غطّاها التحقيق. ولاحظ الباحثان تقاربًا بين نشاط الحملة والمواعيد الانتخابية، فقد تركزت الإعلانات في فرنسا عام ٢٠٢٤ في الأشهر التي سبقت الانتخابات الأوروبية، وفي ألمانيا توقفت المشتريات الإعلانية فجأة قبيل الانتخابات الإقليمية في ساكسونيا أنهالت عام ٢٠٢٦، التي أشار المقال إلى فوز حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف فيها. وتواصل الحملة نشاطها، بحسب الدراسة، في دول تقترب من استحقاقات مهمة عام ٢٠٢٧ مثل فرنسا وإيطاليا، ويرى الباحثان أن استمرار الرسائل المعادية للمسلمين والهجرة يوحي بمحاولة التأثير في المناخ السياسي قبلها. ومع ذلك، لا يقدّم التحقيق قياسًا يثبت أثر الإعلانات في نتائج التصويت، ويكتفي بطرح توقيتها ومضمونها مؤشرين على احتمال التدخل في البيئة المحيطة بالانتخابات.

وأبرز ما كشفه التحقيق يتصل بالآثار التقنية التي خلّفها المنفذون. فقد امتد نشاطهم إلى ويكيبيديا عبر حسابات وهمية أجرت تعديلات مع إخفاء عناوين الإنترنت الحقيقية، لكن خللًا تقنيًا أظهر لوقت وجيز عنوان أحد المحررين وكشف عن موقع في إسرائيل. كما عثر الباحثان على فيديوهات من الحملة لم تُمحَ بياناتها الوصفية على النحو الصحيح، وبيّنت أن محرريها كانوا يعملون وفق التوقيت الإسرائيلي، وتضمنت أسماء مستعارة لصنّاع محتوى، منها اسم «ShukiD». وتقول الصحيفة إن هذا الاسم يعود إلى صانع فيديو تعاون في حملات سياسية، من بينها حملات لموشيه كحلون، وزير المالية السابق في حكومة بنيامين نتنياهو، ويعرض موقعه الشخصي كذلك أعمالًا لحملات سياسية في زيمبابوي والكونغو ودول أخرى، ولم يرد صاحبه على طلبات «لوموند» التعليق. وتعزز هذه العناصر الاشتباه في صلة العملية بالقطاع الخاص الإسرائيلي، لكنها لا تثبت بمفردها صدور تكليف حكومي إسرائيلي ولا تحدد الممول النهائي.

باحثان يرجّحان تجاوز ميزانيتها عشرة ملايين يورو.. وفرنسا تتصدر الاستهداف مع اقتراب رئاسيات ٢٠٢٧

ورصدت الصحيفة أن الحملة استهدفت أيضًا إيران وحزب الله في لبنان بمحتوى لا يذكر إسرائيل، فيما بدت بعض أنشطتها متقاطعة مع مصالح حكومة نتنياهو. فقد نُشرت إعلانات تروّج لفيكتور أوربان في نوفمبر ٢٠٢٤، في اليوم نفسه الذي أصدرت فيه المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو، وقبيل دعوة أوربان له إلى زيارة المجر. أما بيانات الشفافية الإعلانية على تيك توك فأدرجت «إيران» جهةً دافعة، وهي معلومة وصفتها «لوموند» بأنها كاذبة، في مقابل القرائن التي عرضتها بشأن الصلات الإسرائيلية المحتملة.

وتتبّع التحقيق كذلك صلات مهنية بين «ShukiD» وأشخاص شاركوا في مشروع لحملة مقاطعة قطر، بدأ الإعداد له بعد هجمات السابع من أكتوبر، وكشفت صحيفة «هآرتس» وجوده في منتصف سبتمبر، وفق ما نقلته «لوموند». وقد نشأ المشروع حول مجموعة على واتساب ضمت فاعلين من المجتمع المدني ومتخصصين في الاتصال السياسي، وجُمعت أموال وأُنشئت مواقع إلكترونية وأُعدت رسائل دعائية، قبل أن يتوقف فجأة دون تفسير. وحاولت الصحيفة سؤال ليئور خوريف، الشريك المؤسس لوكالة التأثير «بيرسبتو»، عمّا إذا كانت الحملات الأخيرة في فرنسا قد انبثقت من ذلك المشروع، وقالت إنه كان بحسب «هآرتس» من المشاركين فيه وسبق أن عمل مع «ShukiD»، لكنه لم يرد. وهكذا بقي ارتباط المشروعين سؤالًا مفتوحًا، ولم يعرضه التحقيق حقيقة محسومة.

وكشف التحقيق أيضًا قصورًا في إجراءات المنصات الكبرى. فقد حذف تيك توك عشرات الإعلانات، لكن بعضها بلغ أكثر من مليون مشاهدة قبل إزالته، واستُخدم اسم شركة تعذّر على «لوموند» التحقق من وجودها لشراء عشرات الإعلانات المخالفة لقواعد المنصة. وعلى يوتيوب، لم يمنع حذف حسابات متفرقة مديري العملية من إنشاء حسابات بديلة واستئناف البث خلال أقل من أربع وعشرين ساعة. وبعد الاستعانة بشركة فيتنامية وسيطًا، انتقل المنفذون، بحسب الصحيفة، إلى أصحاب أعمال فردية برازيليين لشراء مساحات إعلانية سياسية بعشرات الآلاف من اليوروهات. وتضع هذه الوقائع المنصات أمام أسئلة عن التحقق من هوية المشترين والممولين وقدرتها على منع عودة الحملات المنسقة، أما المسؤولية عن العملية فتظل محاطة بقرائن جدية على صلات إسرائيلية، مع غياب حسم لهوية الممول النهائي، ودون دليل يورده المقال على تورط إماراتي.