أصدرت الدائرة التاسعة بمحكمة جنح القاهرة الجديدة حكماً قضائياً يقضي بتغريم رئيسة تحرير موقع “مدى مصر”، لينا عطا الله، مبلغ ثلاثة ملايين جنيه مع التحفظ عليها لحين السداد، إلى جانب الغلق الفوري للموقع الإلكتروني ومصادرة جميع أجهزته ومعداته، وذلك على خلفية القضية المقيدة برقم 11743 لسنة 2026 والتي وُجهت فيها تهمة “تأسيس وإدارة منصة إلكترونية بدون ترخيص رسمي”.

ويأتي هذا الحكم ليحسم نزاعاً إدارياً امتد زهاء ثماني سنوات، تحول بموجبه ملف تنظيم المنصات الصحفية الرقمية من أروقة المراسلات الإدارية المتبادلة مع الجهات التنظيمية إلى القضاء الجنائي، وسط تباين حاد في المواقف بين الجهات التنظيمية الرسمية ونقابة الصحفيين حول إجراءات وشروط توفيق الأوضاع.

كواليس ثمانية أعوام من طلبات التراخيص المعلقة

وتعود جذور النزاع إلى عام 2018 عقب صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180، حيث سارع موقع “مدى مصر” بتقديم طلب رسمي إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لتوفيق أوضاعه الحصول على الترخيص القانوني اللازم، غير أن الطلب لم يتلق أي رد إداري بالقبول أو الرفض.

ومع إقرار اللائحة التنفيذية للقانون في عام 2020، جدد الموقع التقدم بطلبه مرة أخرى دون تلقي إخطار رسمي. وفي عام 2022، علمت رئيسة التحرير خلال تحقيقات جرت معها في النيابة العامة بأن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قد اصدر قراراً بفض الطلب، مؤكدة في الوقت ذاته عدم تسلم إدارة الموقع أي إخطار رسمي بتلك النتيجة وفق المسارات الإجرائية المتبعة، لينتهي المطاف بتقديم طلب ثالث في عام 2023 ظل معلقاً حتى صدور الحكم القضائي الأخير.

وتكشف هذه الواقعة عن نمط إداري طال منصات إعلامية أخرى؛ إذ تقدم موقع “المنصة” بطلب ترخيص ودفع الرسوم المقررة منذ أكتوبر 2018 وأعاد الكرة في أغسطس 2020 دون الحصول على إفادة حاسمة، وذلك عقب واقعة مداهمة مقره واحتجاز رئيسة تحريره نورا يونس عام 2020 قبل إخلاء سبيلها بكفالة مالية. كما واجه موقع “فكر تاني” سيناريو مشابهاً بصدور خطاب رفض لطلبه بعد 14 شهراً من التقدم به بدعوى عدم وضوح السياسات التمويلية والنشرية، دون أن تسفر الجلسات التوضيحية والالتماسات المقدمة في ديسمبر 2024 عن حسم موقفه.

مواجهة قانونية بين الشروط الإدارية والضمانات الدستورية

من جانبها، تدخلت نقابة الصحفيين عبر مذكرة رسمية تقدم بها النقيب خالد البلشي إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، موضحاً أن اللائحة التنفيذية ولائحة التراخيص تفرضان التزاماً إدارياً صريحاً على المجلس بضرورة البت في طلبات التراخيص خلال مدة لا تتجاوز 90 يوماً، مع إخطار صاحب الشأن بالقرار عبر كتاب مسجل موصى عليه بعلم الوصول، مؤكداً أن غياب الرد أو عدم الإخطار يشكل مخالفة إجرائية لا ينبغي أن تتحول إلى مسؤلية جنائية.

وفي المقابل، أوضح عبد المحسن سلامة، عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقيب الصحفيين الأسبق، أن المجلس يعمل وفق معايير وضوابط معلنة وتتولى فحصها لجان فنية متخصصة ترفع تقاريرها للبت النهائي، معرباً عن دعمه لحرية التعبير ونيته طرح ملف الإسراع في البت في طلبات المواقع الإخبارية المعلقة أمام المجلس.

وعلى الصعيد الدستوري، أكد وكيل نقابة الصحفيين محمد سعد عبد الحفيظ أن فرض اشتراطات التثبت والترخيص الإداري المسبق يتصادم مع النصوص الدستورية التي كفلت حرية إصدار الصحف والمنصات بمجرد الإخطار، مستشهداً بسوابق أحكام المحكمة الدستورية العليا التي أبطلت الإجراءات الإدارية التي تحول الإخطار القانوني إلى موافقة مشروطة، مما يفتح الباب أمام مسارات طعن قانونية مرتقبة ضد سندات الحكم.