يمثل ربط أنغولا وزامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتنزانيا مشروعاً استراتيجياً لإنشاء محور حديدي يصل موانئ المحيط الأطلسي بالمحيط الهندي. ويعتمد التصور على وصل خطوط قائمة بمقاطع جديدة، بما يتيح نقل المعادن والوقود والسلع بين مناطق الإنتاج والأسواق والموانئ، ويوفر لدول جنوب ووسط وشرق أفريقيا خيارات أوسع للتجارة.
المحور الأفريقي: خطوط قائمة ووصلات مقترحة
ان سكة حديد بنجويلا هي الامتداد الغربي للمحور. يبلغ طولها نحو ١٬٣٤٤ كيلومتراً، من ميناء لوبيتو الأنغولي على الأطلسي إلى لواو قرب حدود جمهورية الكونغو الديمقراطية، مروراً ببنغيلا وهوامبو وكويتو ولوينا. بدأ إنشاؤها عام ١٩٠٢، واكتمل امتدادها إلى لواو عام ١٩٢٩.وتوفر منفذاً أطلسياً لصادرات أنغولا والموارد المعدنية القادمة من المناطق الداخلية.
ومن لواو يتصل المسار بشبكة السكك الحديدية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، عبر ديلولو باتجاه كولويزي. ويعتمد أثر هذا الجزء على كفاءة الخطوط القائمة وقدرتها على استيعاب حركة الشحن، وعلى توافق أنظمة التشغيل والمناولة بين الشبكات المختلفة.
أما الوصلة الجديدة المقترحة بين لواكانو الأنغولية وتشينغولا في زامبيا، فيبلغ طولها المخطط نحو ٨٣٠ كيلومتراً. وستربط شبكة أنغولا بالسكك الحديدية الزامبية، بما يتيح نقل البضائع بين مناطق التعدين والموانئ الأطلسية. ولا تزال هذه الوصلة مشروعاً قيد التطوير، وليست خطاً عاملاً.
شرقاً، يشكل “خط تازارا”الصلة الرئيسية بين زامبيا وتنزانيا. يبلغ طوله نحو ١٬٨٦٠ كيلومتراً، من كابيري مبوشي في زامبيا إلى دار السلام، مروراً بمحطات ومناطق منها ناكوندي وتوندومـا ومبيا وموروغورو. بدأ إنشاؤه عام ١٩٧٠ واكتمل مدّه إلى كابيري مبوشي عام ١٩٧٥، وبدأ تشغيله الكامل عام ١٩٧٦. ويوفر لتازانيا وزامبيا منفذاً إلى ميناء دار السلام، كما يخدم نقل المعادن والسلع بين المناطق الداخلية والساحل.
وهكذا، لا يتكون المحور المقترح من خط واحد متصل جاهز، بل من خطوط متفاوتة في حالتها: أجزاء عاملة، وأخرى تحتاج إلى تحديث، ووصلات جديدة لم تُنجز بعد. لذلك لا يمكن اعتبار مجموع أطوالها طولاً نهائياً لمسار واحد قبل اعتماد التصميم التشغيلي واستكمال الربط بين الشبكات.
ولاشك اهمية الأثر الاقتصادي والتجاري لتلك السكك الحديدية حيث يمكن لهذا المحور أن يوسع منافذ التصدير أمام زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ويعزز نقل النحاس والكوبالت والمعادن والمنتجات الزراعية إلى الموانئ. كما يتيح استيراد الوقود والمواد الصناعية والسلع العامة عبر مسارات بديلة، ويخفف الاعتماد على النقل بالشاحنات في بعض المقاطع.
ويُتوقع أن تنشأ حول الخطوط فرص للاستثمار في محطات الشحن والمستودعات ومناطق التخزين والصناعات التحويلية. وقد يؤدي تنوع المسارات إلى زيادة المنافسة بين الموانئ، وتحسين كفاءة النقل، وتعزيز التجارة البينية بين دول المنطقة. إلا أن هذه النتائج لا تتحقق بمجرد مدّ القضبان؛ فهي تتطلب تنسيق الجمارك وإجراءات الحدود، وتوحيد معايير التشغيل والإشارات، وتوفير القاطرات والعربات، وصيانة الخطوط والموانئ.
ولم تُعلن توقعات رسمية متكاملة لعدد الركاب أو كميات البضائع السنوية التي سينقلها المحور بعد اكتماله. لذا ينبغي التمييز بين حركة الشحن الحالية على بعض الخطوط وبين السعة المستقبلية للمشروع المتكامل، التي تتطلب دراسات هندسية واقتصادية تحدد عدد القطارات، وأوزانها، وسرعاتها، وسعة محطات المناولة والموانئ.
وهناك في الجانب الاخر مشاريع السكك الحديدية والممرات الخليجية والشرق أوسطية ولكن تختلف وظيفة محور لوبيتو–تازارا عن مشروعات الربط في الشرق الأوسط.
فالمحور الأفريقي يخدم أساساً تجارة الموارد والسلع بين الدول الداخلية والموانئ الأفريقية، بينما تستهدف مشروعات الشرق الأوسط ربط الخليج بالأردن وإسرائيل وأوروبا، أو إنشاء مسار بديل يمر عبر سوريا وتركيا.
وبمقارنة شبكة السكك الحديدية الخليجية فهي مشروع إقليمي لنقل الركاب والبضائع بين دول مجلس التعاون، ويبلغ طولها المخطط نحو ٢٬١١٧ كيلومتراً وتستهدف قطارات الركاب ذات سرعات تصل إلى “٢٠٠ كيلومتر في الساعة” وقطارات الشحن سرعات تتراوح بين “٨٠ و١٢٠ كيلومتراً في الساعة”. والموعد المستهدف لإكمال الشبكة هو عام ٢٠٣٠. لكنها شبكة خليجية داخلية، ولا تصل بمفردها إلى الأردن أو إسرائيل، كما لم تُحسم كلفة إجمالية موحدة لها.
أما ممر ” الهند–الشرق الأوسط–أوروبا”فهو تصور متعدد الوسائط يجمع النقل البحري والسكك الحديدية، ويربط الهند بالخليج ثم بالأردن وإسرائيل وأوروبا.
ويتطلب إنجازه وصلات حديدية عابرة للحدود وبنية للموانئ والمناولة والتخليص. وقد قُدّرت كلفة بعض وصلات الربط عبر الأردن بنحو “٢٫٠٩ مليار دولار” مع تقديرات تتجاوز “٢٫٥ مليار دولار” عند إضافة منشآت ومراكز لوجستية محددة؛ وهذه تقديرات لأجزاء من الممر وليست كلفة المشروع كله. ولا يوجد موعد تشغيل نهائي ملزم للممر بأكمله.
وثمة تصور آخر لمسار يربط الخليج بأوروبا عبر الأردن وسوريا وتركيا. ويُطرح هذا المسار بوصفه بديلاً إقليمياً محتملاً، لكن مساره وتمويله وجدوله الزمني لم تُحسم. ولا ينبغي وصفه بأنه «خط صيني»؛ فالصين ترتبط بمشروعات ومبادرات أوسع للنقل والتجارة، لكن لا يوجد في هذا التصور المعلن خط صيني محدد يربط الخليج بالأردن وإسرائيل.
والسؤال الذي يتبادر للذهن لدى البعض هل تتنافس هذه المشروعات؟
والحقيقة لا يوجد اتصال سككي مباشر بين المحور الأفريقي وممرات الخليج والشرق الأوسط، كما أن لكل منها نطاقاً جغرافياً ووظيفة اقتصادية مختلفة. ويمكن أن تتنافس الممرات الشرق أوسطية على جذب التجارة والاستثمارات بين آسيا وأوروبا، في حين يتنافس محور لوبيتو–تازارا أساساً على نقل صادرات وسط وجنوب أفريقيا إلى موانئ الأطلسي والهندي.
ويتمثل دور الصين في السياق الأفريقي بصورة أوضح في تمويل تحديث خط تازارا، الذي تبلغ كلفته المعلنة نحو ١٫٤ مليار دولار. أما وصلة لوبيتو–زامبيا الجديدة فتُقدّر كلفتها بنحو “٥ مليارات دولار” وفق تقديرات المشروع المتداولة، وهي كلفة الوصلة وليست كلفة جميع خطوط المحور الأفريقي. ولا تتوافر حتى الآن كلفة موحدة للمحور الأفريقي بكامله.
- أهمية الاتفاق: يهدف لتعزيز التجارة الأفريقية، وفتح مسار بري يربط الموانئ والممرات على الساحل الغربي والشرقي للقارة.
- الخلفية والتمويل: يأتي بعد اتفاقيات سابقة لتحديث خط تازارا (بدعم صيني) وممر لوبيتو (المدعوم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، ولم يتم تحديد موعد نهائي لإنجاز المبادرة بالكامل بعد.
من منظور هندسي، لا يُقاس نجاح أي ممر بطول الخط فقط، بل باستمرارية المسار، وسعته، وموثوقية التشغيل، وزمن عبور الحدود، وتكامل السكك مع الموانئ والطرق والمستودعات. ولهذا فإن المنافسة الحقيقية بين الممرات تكمن في قدرتها على نقل البضائع بكلفة أقل ووقت أقصر وبانتظام أعلى، لا في مجرد إعلان مشروع جديد.
وعودة إلي لمحة تاريخية هندسية يُعد خط السكك الحديدية بين الإسكندرية والقاهرة في مصر أول خط حديدي رئيسي في أفريقيا. بدأ تنفيذه عام “١٨٥٢” ، وافتُتح كاملاً عام “١٨٥٦” ، بطول يقارب ٢٠٩ كيلومترات. وقد تولى المهندس البريطاني روبرت ستيفنسون أعمال التصميم والإشراف على إنشائه، ضمن مشروع نفذته الدولة المصرية في عهد عباس باشا.
من هذا الخط المبكر إلى الممرات العابرة للقارة اليوم، بقي الهدف الهندسي واحداً: ربط مناطق الإنتاج بالأسواق والموانئ. لكن الفائدة الاقتصادية لممر لوبيتو–تازارا، مثل فائدة مشروعات الخليج والشرق الأوسط، ستعتمد على استكمال البنية التحتية وتنسيق تشغيلها، وتحويل الخطوط المنفصلة إلى خدمة نقل متصلة وموثوقة.
اما الهدف السياسي لبعض الخطوط فهو التطبيع مع إسرائيل و دمجها التجاري والاقتصادي مع دول المنطقة, والنقل احدها .







