ماذا ستفعل دمشق بعد أن أصبحت هي صاحبة القرار في إعادة تعريف موقع سوريا داخل الإقليم فدمشق الجديدة لا تواجه فقط مهمة بناء دولة خرجت من حرب طويلة بل تواجه لحظة جيوسياسية نادرة يمكن أن تجعل من سوريا مجددا مركزا للتوازنات أو تعيدها إلى موقع الساحة التي تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية وهذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل سوريا خلال العقد المقبل لأن استعادة الجغرافيا لا تعني بالضرورة استعادة القوة والقوة الحقيقية تبدأ عندما تستطيع الدولة تحويل موقعها الجغرافي إلى قدرة سياسية واقتصادية وأمنية مستقلة.
سوريا تقف اليوم أمام جغرافيا مختلفة عن تلك التي عرفتها قبل الحرب فالموقع السوري أصبح مرتبطا بشبكات أمنية واقتصادية وحدودية متداخلة من تركيا شمالا إلى الأردن جنوبا ومن العراق شرقا إلى لبنان والبحر المتوسط غربا ولذلك فإن أي قرار تتخذه دمشق في الداخل ستكون له انعكاسات تتجاوز حدودها وأي تحول في علاقتها مع محيطها سيعيد ترتيب مصالح أطراف متعددة وهنا تحديدا تبدأ الجيوستراتيجية الجديدة لدمشق التي يفترض ألا تقوم على البحث عن محور بديل لمحور سابق بل على بناء شبكة مصالح متعددة تمنح الدولة هامش حركة أوسع وقدرة على المناورة دون الارتهان إلى طرف واحد.
المستقبل السوري لن يحتمل سياسة المحاور المغلقة لأن موقع سوريا يجعلها أكبر من أن تكون جزءا ثابتا من محور وأصغر من أن تدخل في مواجهة مفتوحة مع محيطها ولذلك فإن المصلحة الاستراتيجية تقتضي صياغة سياسة توازن دقيقة مع تركيا والدول العربية والقوى الدولية مع الحفاظ على استقلال القرار السوري وتحويل العلاقات الخارجية من علاقات احتياج إلى علاقات مصالح.
الحدود السورية وأدوات السياسة الخارجية الجديدة
وفي هذا السياق ستصبح الحدود السورية واحدة من أهم أدوات السياسة الخارجية الجديدة فالشمال السوري لن يكون مجرد ملف أمني مع تركيا بل جزءا من معادلة اقتصادية وأمنية أوسع والشرق لن يكون مجرد ملف مرتبط بمصادر الطاقة أو الترتيبات العسكرية بل سيكون بوابة سوريا نحو العراق والخليج والجنوب لن يكون مجرد مساحة حدودية مع الأردن بل عقدة اتصال مع المشرق العربي بينما سيعيد الساحل تعريف علاقة سوريا بالبحر المتوسط وشبكات التجارة والطاقة والنقل وبالتالي فإن توحيد القرار الداخلي لن يكون مسألة سيادية فقط بل شرطا ضروريا لإنتاج سياسة خارجية فعالة.
ومن هنا فإن شرق الفرات سيكون أحد الاختبارات الكبرى للجيوستراتيجية الدمشقية الجديدة لأن مستقبل هذه المنطقة سيكشف قدرة الدولة على الجمع بين وحدة القرار الوطني وإدارة التنوع المحلي والمصالح الاقتصادية والأمنية دون الوقوع في منطق الإقصاء أو الانتقام كما أن طريقة إدارة الجنوب ستحدد قدرة دمشق على حماية المجال الوطني من التحول إلى منطقة ضغط دائم بينما ستبقى العلاقة مع تركيا اختبارا لقدرة الدولة السورية على بناء شراكة استراتيجية متوازنة لا تقوم على التبعية ولا على المواجهة.
الاقتصاد جزء من الأمن القومي السوري
أما الاقتصاد فسيصبح في المرحلة المقبلة جزءا من الأمن القومي السوري لأن الدولة التي لا تملك موارد كافية ستجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات سياسية مقابل الدعم ولذلك فإن إعادة تشغيل طرق التجارة والمنافذ الحدودية والطاقة وإعادة الإعمار ليست ملفات اقتصادية منفصلة عن الجيوستراتيجية بل أدوات لإعادة إنتاج القوة السورية.
وإذا استطاعت دمشق أن تربط موقعها الجغرافي بشبكات التجارة والطاقة والنقل بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط فإن سوريا يمكن أن تنتقل تدريجيا من دولة مستهلكة للمساعدات إلى دولة تملك قيمة جيو اقتصادية تجعل استقرارها مصلحة مشتركة لعدد كبير من الأطراف.
لكن هذه الفرصة تحمل في داخلها خطرا موازيا فكلما ارتفعت القيمة الجيوسياسية لسوريا ارتفع مستوى التنافس عليها ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه دمشق هو أن تتحول المشاريع الاقتصادية الكبرى إلى ممرات نفوذ جديدة أو أن تتحول الحاجة إلى الاستثمار الخارجي إلى أبواب لتثبيت مراكز نفوذ طويلة الأمد.
ولهذا فإن الجيوستراتيجية الجديدة تحتاج إلى عقيدة واضحة تقوم على قاعدة بسيطة وهي أن الانفتاح الاقتصادي لا يعني الانفتاح السياسي غير المحسوب وأن الشراكات الدولية يجب أن تقاس بمدى تعزيزها للسيادة السورية وقدرة الدولة على إنتاج القرار لا بكمية الأموال التي تدخل البلاد.
الأمن الوقائي ومصادر التهديد الجديدة
وفي المستوى الأمني ستحتاج دمشق إلى الانتقال من مفهوم الأمن القائم على رد الفعل إلى مفهوم الأمن الوقائي الذي يقرأ مصادر التهديد قبل تحولها إلى أزمات وهذا يتطلب مؤسسة أمن قومي قادرة على جمع المعلومات وتحليلها وربط المتغيرات الداخلية بالإقليمية والدولية لأن التهديدات المقبلة لن تأتي بالضرورة في شكل حرب تقليدية بل قد تظهر عبر الاقتصاد أو الحدود أو الهجرة أو شبكات الجريمة أو الحرب السيبرانية أو حملات التأثير السياسي والإعلامي.
بناء الدولة كسلاح جيوستراتيجي
أما سياسيا فإن بناء الدولة سيكون هو السلاح الجيوستراتيجي الأهم لأن سوريا لا تستطيع أن تكون لاعبا إقليميا مؤثرا وهي تعاني من هشاشة مؤسساتية أو مراكز قرار متوازية أو انقسامات داخلية قابلة للاستثمار الخارجي فكلما ازدادت قوة المؤسسات ازدادت قدرة دمشق على التفاوض وكلما تراجعت الدولة عادت الجغرافيا السورية إلى كونها مساحة مفتوحة للتدخلات.
ثلاثة اتجاهات لمستقبل سوريا
ومن هنا يمكن استشراف ثلاثة اتجاهات رئيسية للمستقبل الأول أن تنجح دمشق في تثبيت الدولة وتوحيد القرار وإعادة بناء الاقتصاد فتتحول سوريا تدريجيا إلى دولة محورية في منظومة المشرق والثاني أن تحقق الدولة استقرارا جزئيا مع بقاء ملفات داخلية وإقليمية معلقة فتظل دمشق لاعبا مهما لكنها مضطرة إلى إدارة توازنات دقيقة والثالث أن تتعثر عملية بناء الدولة فتعود التناقضات الداخلية لتصبح مدخلا لإعادة تدويل الجغرافيا السورية وبين هذه المسارات ستبقى السنوات المقبلة حاسمة لأن الإقليم نفسه يعاد تشكيله ولا توجد ضمانة بأن تبقى خرائط النفوذ الحالية ثابتة لذلك فإن دمشق الجديدة أمام فرصة لا تتكرر كثيرا وهي أن تنتقل من عقلية استعادة الدولة إلى عقلية بناء الدولة القادرة على التأثير وأن تدرك أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بامتلاك الحدود بل بالقدرة على التحكم في مسارات الاقتصاد والأمن والمعلومات والتحالفات وأن الجغرافيا السورية التي كانت طوال سنوات الحرب مصدرا للصراع يمكن أن تصبح في مرحلة ما بعد الحرب مصدر قوة إذا أحسنت دمشق إدارة موقعها فالجيوستراتيجيات الجديدة لدمشق ستنجح عندما تتحول سوريا من جغرافيا تتنافس عليها القوى إلى جغرافيا تجعل القوى تحتاج إلى استقرارها ومن دولة تتأثر بقرارات الآخرين إلى دولة يصبح قرارها جزءا من حسابات الآخرين وهذه هي المعركة الحقيقية التي ستحدد موقع دمشق في الإقليم خلال السنوات المقبلة.
قسّم الجمل الطويلة إلى فقراتأضف خاتمة أكثر تركيزًاخفّف تكرار مفردات الجيوستراتيجية







