تكرر سؤال بعض الصحفيين عما تردد من تصريحات من المسئولين الأثيوبيين بشأن رغبتهم في حصول أثيوبيا علي منفذ إلي البحر الأحمر ، علي اعتبار أنها دولة حبيسة ..
وحيث كثر القول والقيل في هذا الموضوع ، أود أن أحدد موقف القانون الدولي من هذا الموضوع .
في القانون المدني ينظم ” حق الإرتفاق” لصاحب الأرض الحبيسة المرور من ارض جاره ، و هو مبدأ قانوني يهدف إلى منع أن تتحول ملكية شخص لأرض لا منفذ لها إلى البحر أو الطريق العام إلى سجن جغرافي يحول دون الانتفاع بها.
وهذا المبدأ له نظير مهم في القانون الدولي، يتعلق بالدول الحبيسة (Land-locked States)، أي الدول التي لا تملك ساحلاً بحرياً، وتحتاج إلى المرور عبر أراضي دولة أو دول أخرى للوصول إلى البحر.
لكن هناك فارق قانوني جوهري بين الحالتين :
فحق الارتفاق في القانون المدني يطبق علي الأرض الحبيسة ، وهي الأرض التي لا يكون لها منفذ إلى الطريق العام، أو يكون منفذها غير كافٍ لاستغلالها بصورة طبيعية.
في هذه الحالة، تقرر بعض التشريعات المدنية لصاحبها حق “طلب” المرور في أرض الجار، مقابل تعويض عادل، مع مراعاة اختيار المسار الأقل ضرراً بالأرض التي يمر بها.
وتستند هذه الفكرة على اعتبارات ثلاثة:
١. عدم حرمان المالك من الانتفاع بأرضه لمجرد افتقارها إلى منفذ.
٢. عدم تحميل الجار عبئاً غير مبرر.
٣. تحقيق التوازن بين حق الملكية وضرورة الانتفاع بالعقار.
وهذا ما يعرف بحق المرور للعقار المحبوس .
أما تطبيق هذا المبدأ علي الدول الحبيسة ،
فتوجد قاعدة مقابلة في القانون الدولي، لكن لا يمكن القول بأنها مجرد تطبيق لحق الارتفاق المدني على مستوى الدول.
فالدولة الحبيسة لها حق في الوصول إلى البحر والانتفاع بحرية المرور العابر عبر أراضي الدول المجاورة، وفقاً للقواعد والاتفاقات الدولية.
وهذا المبدأ ليس جديداً؛ فقد سبق أن تناولته اتفاقية برشلونة لعام 1921 بشأن حرية المرور العابر (Convention and Statute on Freedom of Transit)، في إطار عصبة الأمم.
ثم جاءت اتفاقية قانون البحار لعام 1982 لتخصص الجزء العاشر، (المواد من 124 إلى 132) ، لتنظيم حقوق الدول الحبيسة وحرية المرور.
ومن اللافت أن الاتفاقية لا تقتصر على مرور الأشخاص والبضائع والشاحنات والقطارات، بل تسمح أيضاً بإدراج خطوط الأنابيب والغاز ووسائل النقل الأخرى باتفاق الدول المعنية.
ومن أهم هذه المواد التي تناولت هذا الحق نجد أن المادة 125 تنص، في جوهرها، على ثلاثة أمور:
١. للدول الحبيسة حق الوصول إلى البحر ومنه، من أجل ممارسة الحقوق المقررة في الاتفاقية، بما فيها حرية أعالي البحار.
٢. تتفق الدولة الحبيسة ودولة العبور على شروط ووسائل ممارسة هذا الحق.
٣. تحتفظ دولة العبور بسيادتها الكاملة على إقليمها، ولا يجوز المساس بها بسبب حق المرور.
ووفق أحكام هذه المادة ، فأن حق المرور يكون للعبور فقط وليس التملك ، حيث تنص اتفاقية قانون البحار على حق الدول الحبيسة في الوصول إلى البحر ومنه لممارسة حريات أعالي البحار والتراث المشترك للبشرية، وحرية المرور العابر عبر أراضي دول المرور العابر بجميع وسائل النقل.
وتشترط المادة 125 بأن ممارسة حق المرور العابر يجب أن تتم عبر التفاوض والاتفاق مع دول المرور العابر الساحلية، مع الاحترام الكامل لسيادتها وقوانينها الوطنية.
ولكن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أو أي وثيقة دولية لا تمنح أي دولة حبيسة “حق امتلاك منفذ بحري”، أو اقتطاع أجزاء من أراضي دولة أخرى، أو فرض ممرات بالقوة أو التهديد.
أي أنه يجب أن يتم تنظيم مرور البضائع والتجارة الدولة الحبيسة ، عبر إبرام اتفاقيات ثنائية أو إقليمية بينها وبين الدول الساحلية المجاورة (مثل ترتيبات استخدام الموانئ كما في تجارب دولية مثل نيبال مع الموانئ الهندية وبوليفيا مع تشيلي أو سويسرا).
وتلتزم دول المرور العابر بتسهيل حركة التجارة والاستيراد والتصدير للدول الحبيسة دون فرض رسوم أو عوائق إضافية غير مبررة (باستثناء ما تتطلبه حركة المرور وتنظيمها)، بينما تلتزم الدولة الحبيسة بعدم الإضرار بمصالح وسيادة دولة العبور.
وهكذا يتضح أن المقارنة بين حق الارتفاق في القانون المدني وحق الوصول إلى البحر في القانون الدولي ليست مجرد تشابه اصطلاحي؛ إنما تكشف عن فكرة قانونية عميقة ، إذ لا ينبغي أن تتحول الجغرافيا إلى وسيلة لخنق حق الكيان المحروم من المنفذ، ولكن دون أن يتحول هذا الحق إلى انتقاص من سيادة الكيان الذي يملك المنفذ.
وبناء علي ما تقدم :
- لا يجوز الخلط بين “حق الوصول” إلى البحر و”امتلاك” ممر إقليمي ذي سيادة مستقلة.
- لا تستطيع الدولة الحبيسة أن تفرض من جانب واحد طريقاً أو ميناءً أو ممراً عسكرياً على الدولة المجاورة.
- لا تفقد دولة العبور سيادتها على أراضيها.
- لا يتحول حق المرور التجاري تلقائياً إلى حق في إنشاء قواعد عسكرية أو ممارسة أنشطة أمنية داخل أراضي دولة العبور.
وهذه النقطة تؤكدها الفقرة الثالثة من المادة 125 من اتفاقية قانون البحار.
أي أن ما يُروَّج له من قِبل بعض الأكاديميين والمسؤولين الإثيوبيين من أن الدولة الحبيسة لها ذلك الحق “ولو بالقوة ” ، أو أنه يخول لها شراء قاعدة بحرية عسكرية في دولة العبور ، فهو تحريف متعمد لقانون البحار الدولي ، وتفسير خاطئ لما نصت عليه المادة 125 .







