قال السياسي السوري أحمد طعمة إن بناء مستقبل سوريا يتطلب مراجعة جادة لتجارب المعارضة والعمل السياسي خلال العقود الماضية، وصولًا إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تقوم على الكفاءات والحريات واستقلال القضاء والفصل بين السلطات، مؤكدًا أن الهوية الوطنية السورية الجامعة يجب أن تتشكل عبر حوار وطني مستمر.

وجاءت تصريحات طعمة خلال حوار موسع في بودكاست «الحكاية السورية»، تناول خلاله مسيرته السياسية والفكرية، وتجربة المعارضة السورية، والمراجعات التي شهدتها التيارات الإسلامية منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب رؤيته لمستقبل الدولة والهوية الوطنية في سوريا.

مراجعات بدأت من تجربة الثمانينيات

واستعرض طعمة تأثير الأحداث التي شهدتها سوريا خلال ثمانينيات القرن الماضي في تكوين وعيه السياسي، مشيرًا إلى أن البيئة التي نشأ فيها جمعت بين الاهتمام بالعلوم الإسلامية والتاريخ والأدب والفكر والنقاش المفتوح.

وأوضح أن القمع الواسع الذي تعرضت له التيارات السياسية، ولا سيما الإسلامية، أدى عمليًا إلى تراجع الحياة السياسية في البلاد بعد عام 1980، معتبرًا أن تلك المرحلة تركت آثارًا عميقة امتدت لعقود.

وأشار إلى أن الإفراج عن أعداد من المعتقلين مطلع التسعينيات مثّل محطة مهمة في تشكل المراجعات الفكرية والسياسية، إذ بدأ عدد من الخارجين من السجون في طرح أسئلة تتعلق بالأخطاء التي وقعت فيها الحركات السياسية والإسلامية وضرورة إعادة تقييم الأفكار والأساليب التي قادت إليها.

طعمة: العمل السري كان من الأخطاء الكبرى

وتوقف طعمة عند أبرز المراجعات السياسية التي ظهرت في تلك المرحلة، معتبرًا أن العمل السري كان من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها التيارات الإسلامية والسياسية، لأنه حال دون إخضاع الأفكار للنقاش والتمحيص، كما منح السلطات ذريعة لملاحقة المنخرطين فيه.

ودعا إلى التمييز بين العمل الدعوي والعمل السياسي، موضحًا أن ذلك لا يعني إبعاد الإسلاميين عن السياسة، وإنما الاتجاه نحو التخصص، بحيث يعمل في المجال السياسي أشخاص مؤهلون له دون أن تنعكس الأزمات السياسية بصورة مباشرة على النشاط الدعوي والاجتماعي.

كما تناول قضية استخدام العنف في مواجهة الأنظمة الاستبدادية، معتبرًا أن الدخول في الصدام المسلح ينقل المعارضة إلى الساحة التي تتفوق فيها الأنظمة السلطوية.

وقال إن استمرار النشاط السلمي يقلل الخسائر ويزيد من القدرة على التأثير، بينما يمنح العنف الأنظمة مبررات إضافية للاستئصال والقمع.

من المراجعات إلى المجتمع المدني

وتحدث طعمة عن انخراطه في لجان إحياء المجتمع المدني أواخر التسعينيات، معتبرًا أن هذه التجربة كانت جزءًا من التحول نحو الانفتاح على القوى والتيارات المختلفة والبحث عن مساحات مشتركة بينها.

وأوضح أن هذه المرحلة دفعت إلى إعادة النظر في العلاقة مع المختلفين فكريًا وسياسيًا، والبحث عن مشروع وطني يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية.

وقال إن الهدف أصبح بناء مشروع وطني ودولة مدنية ديمقراطية، تقوم على التوافق والتعددية بدلًا من الإقصاء والصراع بين التيارات المختلفة.

إعلان دمشق وتجربة جمع المعارضة

وتطرق طعمة إلى تجربة «إعلان دمشق» عام 2005، الذي كان أحد مؤسسيه، مشيرًا إلى أنه نجح في جمع أطياف سياسية وفكرية متنوعة ضمت إسلاميين وليبراليين ومسيحيين وأكرادًا.

واعتبر أن التجربة أكدت بالنسبة إليه ضرورة التوافق بين المكونات السورية المختلفة، مشددًا على أن الخروج من الأزمات لا يمكن أن يتحقق من خلال تيار واحد أو مكون منفرد.

وكان طعمة قد تعرض للاعتقال عام 2007، قبل أن ينخرط لاحقًا في النشاط السياسي المرتبط بالثورة السورية، ويمر بعدة محطات شملت الائتلاف والحكومة السورية المؤقتة واللجنة الدستورية.

الهوية السورية يجب أن تكون محل اتفاق

وحول قضية الهوية الوطنية، أعرب طعمة عن تفاؤله بإمكانية الوصول إلى هوية سورية جامعة حال توافرت الحريات وأتيحت الفرصة لتلاقح الأفكار بين مختلف مكونات المجتمع.

واستشهد بنماذج من المجتمع السوري خلال أربعينيات القرن الماضي، حين كانت مكونات دينية وقومية مختلفة تعيش جنبًا إلى جنب، معتبرًا أن صعود الفكر القومي الذي تبناه حزب البعث أسهم في ضرب جانب من هذا التنوع والتعايش.

وأكد أن الهوية الوطنية السورية ينبغي ألا يفرضها طرف واحد، بل يجب أن تكون محل اتفاق ناتج عن حوار وطني مستمر، وأن ترتكز على مبادئ جامعة تتجاوز الخلافات السياسية الآنية.

دولة للكفاءات لا للولاءات

وعن مستقبل سوريا، أكد طعمة تمسكه بالتفاؤل رغم ما مرت به البلاد من آلام وصراعات، مشددًا على ضرورة الاستفادة من النخب والكفاءات السورية وعدم تهميشها.

وقال إن المطلوب هو بناء دولة تقوم على الكفاءات وليس سلطة تقوم على الولاءات، وأن تكون سوريا دولة مدنية تحترم الحريات واستقلال القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات.

واختتم طعمة رؤيته بالتأكيد على تطلعه إلى دولة يشعر السوريون بالفخر بالانتماء إليها، وتقوم مؤسساتها على الكفاءة والقانون بدلًا من الولاء السياسي والشخصي.

ده بالشكل المناسب لـ«أخبار الغد»: عنوان مختلف، مقدمة قوية، أول جملة بارزة، وتقسيم بعناوين فرعية، مع الحفاظ على المحاور الأساسية للحوار.