أحمد عبده – مدير قناة الشرق السابق

لم تكن قناة الشرق بالنسبة لي مجرد مكان أذهب إليه كل صباح لأؤدي عملي وأنتظر راتبي في نهاية الشهر، ولم تكن مجرد مؤسسة إعلامية عملت بها لسنوات، بل كانت وستظل في وجداني شيئًا أكبر بكثير من ذلك.. كانت البيت الكبير، بيت العائلة بحق.

كان لي شرف خوض تجربتين إعلاميتين أعتز بهما كثيرًا، وأزعم أنهما كانتا من أكبر التجارب الإعلامية المعارضة في الخارج.

كانت البداية مع قناة «مصر الآن»، تجربة استثنائية بدأناها من الصفر، وبإمكانيات محدودة، لكنها سرعان ما استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة وتأثيرًا في الشارع المصري، وأن تحظى بمتابعة قطاع كبير من المصريين. ورغم أن التجربة لم تستمر سوى عام واحد، بعدما واجهت ضغوطًا خارجية أكبر مما توقعنا، فإنها ستظل واحدة من التجارب التي أعتز بها وأفتخر بكل من شاركني فيها.

ثم جاءت تجربة قناة الشرق، التي توليت إدارتها بتكليف من أخي الكبير وحبيبي الدكتور أيمن نور.

والحقيقة أن الشرق كانت تجربة مختلفة تمامًا، لها روحها ومذاقها الخاص. فمن يدخل الشرق يشعر وكأنه أمام صورة مصغرة لمصر بكل تنوعها ومكوناتها وأطيافها وانتماءاتها الفكرية والأيديولوجية. هناك يلتقي المختلفون، ويتجاوز الجميع خلافاتهم وانتماءاتهم، ليجتمعوا على هدف واحد: نقل الحقيقة، ورفع الوعي، والتعبير عن آمال وآلام المصريين.

في الشرق، لم تكن تشعر أنك تعمل داخل مؤسسة، بل كنت تشعر أنك في بيتك الكبير، وسط عائلتك.

ولست هنا لأرسم صورة مثالية لا وجود لها؛ فقد كانت هناك خلافات ومشكلات وعقبات، وأحيانًا مشاحنات واختلافات في وجهات النظر، لكنها جميعًا ظلت داخل إطار العائلة التي يجمعها بيت واحد، وسرعان ما كانت تتجاوزها، لأن ما يجمعنا كان دائمًا أكبر مما يفرقنا.

وأعتقد أن أكثر ما يؤلمني اليوم، في ظل الأزمة المالية التي تمر بها القناة وما يحيط بمستقبل بثها من مخاوف، هو أن كثيرًا من أبناء هذا البيت ربما لم يتخيلوا يومًا أن يأتي وقت لا يستيقظون فيه استعدادًا للذهاب إلى بيتهم الثاني، الذي يقضون فيه من الوقت أحيانًا أكثر مما يقضونه في بيوتهم الحقيقية.

أتذكر جيدًا وجوه الزملاء، وأعرف أن كثيرًا منهم، حتى في أصعب لحظات الضيق أو الاختلاف، كان يواصل عمله بكل إخلاص وتفانٍ. ربما ترى الحزن في عينيه، لكنك ترى العزيمة في خطواته، والإصرار في حركته، والرغبة في أن تخرج الشاشة كما ينبغي، وأن تصل الصورة إلى الناس، وأن يجد ملايين المصريين من يعبر عنهم وينقل صوتهم.

فخلف كل برنامج يُبث، وكل صورة تظهر على الشاشة، وكل خبر يُذاع، هناك جهد وتعب وحلم وإيمان برسالة.

وقد مرت الشرق بأزمات وصعوبات كثيرة، بعضها كان كفيلًا بأن يعصف بهذا البيت الكبير، لكنها استطاعت أن تتجاوزها بفضل أربع ركائز أساسية، أرى أنها كانت دائمًا سر قوتها وصمودها.

الركيزة الأولى: مجلس الإدارة

بقيادة أخي الفاضل الدكتور أيمن نور، الذي كان حريصًا دائمًا على أن تظل الشرق مظلة تجمع تحتها أصوات المصريين بمختلف توجهاتهم، وأن يظل شعارها حاضرًا في كل مراحلها: «الشرق لكل المصريين»، ثم يتسع الإطار ليصبح «الشرق لكل الشرق»، انطلاقًا من مسؤوليتنا تجاه قضايا أمتنا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

الركيزة الثانية: الإدارة

وأزعم أن ما ميّز فريق الإدارة أن كل فرد فيه كان يشعر بأنه صاحب هذا البيت، وليس مجرد موظف يؤدي مهام وظيفية. كان الجميع يتحمل مسؤوليته، ويبذل أقصى ما يستطيع من جهد، ويضع مصلحة المؤسسة ورسالتها نصب عينيه، بكل صدق وأمانة وإخلاص.

الركيزة الثالثة: أبناء الشرق

وهؤلاء يستحقون منا كل التقدير والامتنان؛ المذيعون والصحفيون والإعلاميون والفنيون والعاملون والعمال، وكل من كان خلف الكاميرا أو أمامها. كانوا بحق أحد أهم أسرار قوة الشرق، وأحد أهم أسباب تجاوزها أزمات كثيرة. لكل واحد منهم تحية حب وتقدير، وشكر لا تكفيه الكلمات.

الركيزة الرابعة، والأقوى والأكبر، فهي الجمهور

هؤلاء الذين لم يتخلوا عن الشرق، الذين كانوا دائمًا سندًا لها، يشجعونها ويدعمونها ويربطون على أيدي أبنائها في أصعب الأوقات. هؤلاء الذين ينتظرون بث القناة يوميًا، ليسمعوا صوتًا يشعرون أنه يعبر عنهم، ويجدوا مساحة يرون فيها أنفسهم وقضاياهم وآمالهم وآلامهم.

لهؤلاء جميعًا نقول: شكرًا من القلب. فأنتم لم تكونوا مجرد جمهور يشاهد قناة، بل كنتم جزءًا أصيلًا من عائلتها، وسببًا رئيسيًا في استمرار رسالتها.

واليوم، ونحن أمام أزمة جديدة، وربما من أصعب الأزمات التي مرت بها الشرق، أشعر بوجع حقيقي. ليس فقط خوفًا على شاشة قد ينقطع بثها، ولكن خوفًا على بيت جمع أحلامًا ووجوهًا وذكريات، وعلى تجربة لم تكن يومًا مجرد مشروع إعلامي، بل كانت بالنسبة لنا جميعًا حكاية عمر وجزءًا من حياتنا.

ومع ذلك، لا أريد أن يكون حديثي حديث وداع، ولا أن أتعامل مع الأزمة باعتبارها نهاية الحكاية.

فأنا، مثل كثيرين من أبناء هذا البيت، لم أكن أتخيل أن تكون محطتنا الثانية بعد الشرق إلا في حضن الوطن. حلمنا جميعًا أن يكون انتقالنا القادم إلى مصر الحبيبة، وأن نعود يومًا إلى أرضها، لنستكمل من داخلها مسيرة العمل من أجل وطن يستحق منا الكثير، وطن عانى ولا يزال يعاني من تبعات غياب الديمقراطية وهيمنة حكم الفرد، لكنه سيظل وطننا الذي نحبه ونحلم بمستقبله.

نحن لا نتمسك بالشرق باعتبارها مجرد قناة، بل نتمسك برسالتها، وبالحلم الذي اجتمعنا من أجله، وبحق الناس في أن يسمعوا أصواتًا مختلفة، وأن يجدوا إعلامًا يعبر عنهم.

الشرق ليست مجرد تردد على شاشة، وليست مجرد اسم في قائمة القنوات.. الشرق بيت عائلة، والبيوت لا تُقاس بجدرانها، وإنما بمن عاشوا فيها، وبما تركوه داخل قلوب بعضهم البعض.

كل الحب والتقدير لكل من كان يومًا جزءًا من هذا البيت، لكل من تعب وضحّى واجتهد، ولكل من آمن برسالته ودعمه وسانده.

وأخيرًا، يبقى الأمل حاضرًا، وتبقى ثقتنا في الله كبيرة، فكم من محنة ظننا أنها النهاية، وكانت بداية لمرحلة جديدة لم نكن نتوقعها.

ولعل لقاءنا القادم لا يكون أمام شاشة الشرق، وإنما على أرض مصر الحبيبة، في بيتنا الكبير.. مصر.

فلا يعلم جنود ربك إلا هو، وما زلنا نؤمن أن للحكاية بقية بإذن الله .

خفف تكرار فكرة بيت العائلةوحّد نبرة المقال العاطفية والسياسيةاجعل الخاتمة أكثر قوة واختصارًا