تستضيف القاهرة، الاثنين 2 نوفمبر 2026، اجتماعات مصرية سودانية رفيعة المستوى بصيغة «2+2»، تضم وزيري الخارجية والموارد المائية والري في البلدين، في تحرك دبلوماسي يعكس أهمية التنسيق بين دولتي المصب بشأن القضايا المشتركة.
وتأتي الاجتماعات في وقت تواجه فيه العلاقات الإقليمية المرتبطة بنهر النيل تحديات معقدة، أبرزها استمرار الخلاف بشأن سد النهضة الإثيوبي، وتداعيات الحرب في السودان، والحاجة إلى تعزيز التعاون الفني لإدارة الموارد المائية.
وبحسب جدول الاجتماعات المعلن، يعقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لقاءً ثنائيًا مع نظيره السوداني، يعقبه اجتماع رباعي يضم وزيري الري، إلى جانب مباحثات موسعة بمشاركة وفدي البلدين.
سد النهضة.. ملف لم يُغلق
رغم انتهاء جولات التفاوض السابقة دون التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، فإن الخلاف حول إدارة مياه النيل لا يزال يمثل أحد الملفات الاستراتيجية في العلاقات بين مصر والسودان وإثيوبيا.
وكانت مصر قد أعلنت في ديسمبر 2023 انتهاء المسار التفاوضي آنذاك دون نتائج، في ظل استمرار الخلافات بشأن القواعد المنظمة لتشغيل السد والتعامل مع فترات الجفاف.
وتؤكد القاهرة أهمية التوصل إلى ترتيبات قانونية وفنية تضمن حماية مصالح دول المصب، بينما تتمسك إثيوبيا بحقها في الاستفادة من السد لتوليد الكهرباء وتحقيق التنمية.
وتكتسب المشاورات المصرية السودانية أهمية خاصة باعتبار أن البلدين يتشاركان مصالح مباشرة في انتظام تدفقات النيل، وإن اختلفت بعض الاعتبارات الفنية والاقتصادية المرتبطة بالسد.
تنسيق فني لحماية المنشآت المائية
شهدت الاتصالات بين مسؤولي الري في البلدين بحث عدد من ملفات التعاون الفني، وفي مقدمتها تبادل البيانات الهيدرولوجية ومتابعة تدفقات المياه.
وتكتسب هذه البيانات أهمية كبيرة في تشغيل السدود والخزانات السودانية والسد العالي في مصر، فضلًا عن تحسين الاستعداد للتعامل مع التغيرات المفاجئة في مستويات المياه.
كما شملت مباحثات التعاون ملفات حماية المنشآت المائية ومآخذ مياه الشرب والري خلال مواسم الفيضان، وتأهيل بعض المنشآت السودانية، ومنها خزان جبل الأولياء.
وتبرز هذه القضايا أهمية التعاون العملي بين القاهرة والخرطوم، بعيدًا عن المواقف السياسية وحدها، بالنظر إلى الترابط الجغرافي والهيدرولوجي بين البلدين.
الحرب السودانية وتعقيدات الأمن المائي
لا يمكن فصل التعاون المصري السوداني عن الظروف التي يعيشها السودان نتيجة الحرب المستمرة وتداعياتها على مؤسسات الدولة والبنية التحتية.
فإدارة الموارد المائية تحتاج إلى أجهزة فنية قادرة على جمع البيانات، وصيانة المنشآت، ومتابعة تشغيل الخزانات، وتنسيق الإجراءات مع الجهات المختصة في دول الجوار.
وتفرض الأوضاع السودانية تحديات إضافية تتعلق بقدرة المؤسسات على أداء هذه الوظائف بكفاءة واستمرارية.
كما أن استقرار السودان يمثل مصلحة استراتيجية لمصر، بالنظر إلى امتداد الحدود المشتركة، والتداخل الاقتصادي والاجتماعي، وأهمية التنسيق بشأن مياه النيل.
هل تعود المفاوضات مع إثيوبيا؟
لا يعني عقد الاجتماعات الثنائية بين القاهرة والخرطوم بالضرورة الإعلان عن جولة تفاوض جديدة مع إثيوبيا.
لكن تعزيز التنسيق بين دولتي المصب قد يساعد في بلورة مواقف مشتركة بشأن إدارة النهر، وتبادل المعلومات، والتعامل مع التطورات المرتبطة بالسد الإثيوبي.
ويظل أي استئناف رسمي للمفاوضات مرتبطًا بإعلانات الأطراف المعنية، وبوجود إطار تفاوضي واضح وأجندة محددة.
ومن ثم فإن أهمية الاجتماعات الحالية لا تتوقف على احتمال استئناف المفاوضات، وإنما تمتد إلى قدرة البلدين على تطوير آليات عملية للتعاون المائي.
ما الذي يمكن أن تحققه الاجتماعات؟
تتعدد الملفات التي يمكن أن تمثل نتائج ملموسة للتنسيق المصري السوداني، وفي مقدمتها انتظام تبادل البيانات، وتعزيز التعاون الفني، ودعم المؤسسات المسؤولة عن إدارة المياه، وتطوير آليات الاستعداد للفيضانات.
كما تتيح اللقاءات فرصة لتنسيق الرؤى الدبلوماسية بشأن القضايا الإقليمية المرتبطة بحوض النيل، في ظل استمرار التحديات المتعلقة بالأمن المائي.
غير أن الحكم على نتائج هذه التحركات يتطلب انتظار البيانات الرسمية الختامية، ومعرفة ما إذا كانت الاجتماعات ستسفر عن ترتيبات تنفيذية جديدة أو اتفاقات محددة.
بين الدبلوماسية وواقع الأمن المائي
تؤكد الاجتماعات المصرية السودانية أن ملف مياه النيل يظل أحد الثوابت الاستراتيجية في العلاقات بين البلدين، وأن التنسيق بشأنه يتجاوز حدود اللقاءات الدبلوماسية المعتادة.
لكن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى تعاون فني مستدام، والتعامل مع التداعيات المائية والإقليمية في ظل الظروف الراهنة.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح القاهرة والخرطوم في بناء موقف أكثر تنسيقًا تجاه تحديات النيل، أم تظل أزمة سد النهضة مفتوحة دون تسوية نهائية؟






