واشنطن تدخل مرحلة الصدام الأكبر: رئيس محاصر داخلياً وشرق أوسط يتحول إلى ورقة في معركة البقاء السياسي

لم تكن الانتخابات النصفية الأمريكية مجرد منافسة تقليدية على مقاعد الكونغرس، ولم تكن نتائجها مجرد انتقال للأغلبية من حزب إلى آخر، بل نحن أمام تحول سياسي عميق قد يعيد رسم موازين السلطة داخل الولايات المتحدة، ويفتح مرحلة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس. ففوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس النواب ومجلس الشيوخ، بعد انتزاع ما لا يقل عن سبعة مقاعد في مجلس الشيوخ وأكثر من عشرين مقعداً في مجلس النواب، يمثل زلزالاً سياسياً حقيقياً، ليس فقط بسبب حجم الخسارة الجمهورية، وإنما بسبب التوقيت الذي جاءت فيه، وطبيعة الرئيس الذي سيواجه تداعياتها.

إنها ليست هزيمة انتخابية عابرة لدونالد ترامب، بل بداية مرحلة جديدة قد يجد فيها نفسه أمام مؤسسة تشريعية معادية، ورقابة سياسية وقانونية أكثر تشدداً، وقيود مالية متزايدة، وانقسام داخل حزبه نفسه، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية وعسكرية واستراتيجية متشابكة، من إيران والشرق الأوسط إلى المنافسة مع الصين وروسيا.

لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان ترامب قد خسر الكونغرس، بل ماذا سيفعل رئيس يمتلك شخصية سياسية صدامية، ويعتبر التراجع أمام خصومه هزيمة شخصية، عندما يجد أن أدوات الحكم التي اعتاد استخدامها لم تعد تعمل بالسهولة نفسها؟

وهل تؤدي خسارته الأغلبية التشريعية إلى تقليص قدرته على إشعال الحروب، أم تدفعه، على العكس، إلى استخدام السياسة الخارجية بصورة أكثر اندفاعاً لتعويض خسائره الداخلية؟

في تقديري، نحن أمام مرحلة ترامبية أكثر خطورة وتعقيداً من المرحلة السابقة، وقد يكون الشرق الأوسط أحد أهم ميادينها.

أولاً: لم يخسر ترامب المقاعد فقط، بل خسر سهولة الحكم

تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الانتخابات في أن الجمهوريين فقدوا السيطرة على مجلسي الكونغرس معاً، وهو تحول يمنح الديمقراطيين أدوات سياسية وتشريعية ورقابية لم تكن متاحة لهم بالقدر نفسه خلال الفترة السابقة.

فالرئيس الذي كان يستطيع التوجه إلى الكونغرس وهو يملك أغلبية حزبية تدافع عن سياساته، سيجد نفسه ابتداءً من يناير 2027 أمام لجان يقودها خصومه السياسيون، ورؤساء لجان يملكون صلاحيات الاستدعاء والتحقيق وطلب الوثائق، ومشرعين قادرين على مساءلة الإدارة بشأن كل قرار مالي أو عسكري أو سياسي كبير.

وهنا ينبغي التمييز بين خروج الرئيس من البيت الأبيض وفقدانه القدرة على إدارة البيت الأبيض. فترامب لم يخسر رئاسته، ولم يفقد صلاحياته الدستورية، لكنه خسر إلى حد كبير البيئة السياسية التي كانت تسهّل عليه تحويل قراراته إلى سياسات قابلة للتنفيذ والاستمرار.

إن أصعب ما يمكن أن يواجه رئيساً اعتاد التعامل مع المعارضة باعتبارها عائقاً ينبغي تجاوزه، هو أن تتحول هذه المعارضة إلى شريك دستوري لا يمكن تجاوزه في إدارة الدولة.

وستكون معركة الديمقراطيين الأولى، على الأرجح، معركة المحاسبة قبل معركة المنع: من اتخذ قرار الحرب؟ وعلى أي تقدير استخباراتي استند؟ وما الأهداف التي تحققت؟ وكم بلغت تكلفتها؟ وهل تمتلك الإدارة استراتيجية واضحة للخروج من النزاعات التي دخلتها، أم أن الولايات المتحدة أصبحت طرفاً في صراعات لا تعرف كيف تحدد نهايتها؟

وبذلك ستتحول لجان القوات المسلحة والعلاقات الخارجية والاعتمادات المالية والرقابة الحكومية إلى منصات ضغط على الإدارة، وقد تصبح التحقيقات البرلمانية في أثرها السياسي أشد إيلاماً من بعض التشريعات نفسها؛ لأنها ستنقل النقاش من البيانات العسكرية التي تتحدث عن الانتصارات والأهداف إلى المحاسبة العلنية التي تسأل عن الأثمان والنتائج.

ثانياً: من يملك مفاتيح الحرب؟ حدود سلطة الرئيس وسلاح الكونغرس

هنا نصل إلى القضية الأكثر حساسية، وهي العلاقة بين الصلاحيات العسكرية للرئيس الأمريكي والسلطة الدستورية للكونغرس.

من الخطأ الاعتقاد أن فوز الديمقراطيين بالكونغرس يعني انتزاع سلطة القيادة العسكرية من ترامب. فالدستور الأمريكي يمنح الرئيس صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتيح له مساحة واسعة للتحرك في السياسة الخارجية وإدارة العمليات العسكرية، كما أن الرؤساء الأمريكيين السابقين، بمن فيهم بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، اتخذوا قرارات خارجية وعسكرية كبرى دون امتلاك حزبهم الأغلبية في مجلسي الكونغرس.

لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن الرئيس يستطيع خوض حرب مفتوحة دون أن يحتاج إلى الكونغرس.

فالكونغرس يمتلك سلطات دستورية أساسية تتعلق بإعلان الحرب، والإنفاق العسكري، وإقرار الاعتمادات المالية، وتنظيم القوات المسلحة، والرقابة على السلطة التنفيذية. كما أن قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 يفرض قيوداً وإجراءات تتعلق بإبلاغ الكونغرس وإشراكه في استمرار العمليات العسكرية، مع وجود استثناءات ونقاشات قانونية حول نطاق تطبيقه.

وهنا تظهر معادلة القوة الجديدة: يستطيع ترامب اتخاذ قرار عسكري، لكن استمرار الحرب وتوسيعها وتمويلها سيصبح أكثر صعوبة عندما يواجه مجلسين لا يسيطر عليهما حزبه.

فالديمقراطيون يستطيعون رفض اعتمادات مالية إضافية، أو ربط التمويل بشروط ورقابة، أو محاولة تقييد استخدام أموال محددة في العمليات الهجومية، كما يستطيعون فتح معارك تشريعية حول صلاحيات الحرب ومحاسبة المسؤولين عن القرارات العسكرية.

وفي المقابل، سيحتفظ ترامب بحق النقض الرئاسي، ولن يستطيع الديمقراطيون تجاوزه إلا بأغلبية الثلثين في المجلسين، وهي أغلبية يصعب تحقيقها. كما أن الرئيس يستطيع الاستناد إلى اعتمادات قائمة ضمن الحدود القانونية، وإلى صلاحياته التنفيذية والعسكرية.

إذن، المسألة ليست أن الديمقراطيين أصبحوا قادرين على منع ترامب من إطلاق أي عملية عسكرية، بل إنهم أصبحوا قادرين على جعل الحرب أكثر تكلفة سياسياً ومالياً ومؤسسياً.

وهذا فارق جوهري بين منع الرئيس من اتخاذ قرار، وبين جعل اتخاذ القرار مكلفاً إلى درجة تدفعه إلى إعادة حساباته.

ثالثاً: إيران.. هل تصبح الحرب أقرب أم أبعد؟

تبدو إيران الاختبار الأكثر حساسية لهذه المعادلة الجديدة.

فقد يكون من السهل الاعتقاد أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستدفع ترامب إلى التراجع عن المواجهة مع طهران، لكنني لا أرى أن هذه النتيجة حتمية، بل إن هناك سيناريو آخر لا يقل خطورة: أن تؤدي الهزيمة الداخلية إلى زيادة إغراء التصعيد الخارجي.

فالحرب مع إيران ليست مجرد ملف عسكري يتعلق بالبرنامج النووي أو الصواريخ أو أمن إسرائيل، بل ترتبط بمنظومة أوسع من المصالح الأمريكية في الخليج، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، والوجود العسكري الأمريكي، وموازين القوى الإقليمية والدولية.

وإذا قرر ترامب استئناف مواجهة واسعة مع إيران، فقد يفعل ذلك مستنداً إلى صلاحياته الرئاسية، وإلى اعتبارات الأمن القومي، وإلى حسابات الردع وحماية المصالح الأمريكية وحلفائها.

كما أن الديمقراطيين، رغم معارضتهم المحتملة لحرب مفتوحة، ليسوا بالضرورة حزباً متسامحاً مع طهران. فداخل الحزب اتجاهات مختلفة بشأن البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وأمن إسرائيل، والنفوذ الإيراني في المنطقة. وقد يتفقون على رفض حرب طويلة دون أن يتفقوا على رفع العقوبات أو تقديم تنازلات استراتيجية لإيران.

وهذا يعني أن السياسة الأمريكية المقبلة قد تتجه إلى معادلة مزدوجة: استمرار الضغط الاقتصادي والدبلوماسي والعقوبات على إيران، بالتوازي مع محاولة منع البيت الأبيض من تحويل سياسة الاحتواء إلى حرب إقليمية مفتوحة.

لكن هناك عاملاً آخر ينبغي عدم إغفاله: