قرأت مقال الدكتور حسام بدراوي «لماذا نخاف؟»، في العدد الأخير من «حرف»، فوجدتني أقلبه على وجهه الآخر: ولماذا تخاف مصر من كل كواكبي؟ أوجّه هذه القراءة إلى السلطة حين تتوجس من صاحب الرأي المستقل، فيما يحتاج الوطن إلى علمه وشجاعته. فكل كواكبي محتمل يحمل مرآة؛ وقد يكون خوف الحاكم منها اعترافًا بما لا يريد أن يراه.
جمع بدراوي بين عبد الرحمن الكواكبي وإريك فروم؛ بين تفكيك الاستبداد والبحث في دوافع الهرب من الحرية. وأحسب أن قيمة هذا الجمع تظهر حين يقربنا من الإنسان الذي يعيش بين الاثنين: يريد الكرامة، ويخشى أن يفقد الأمان؛ يعرف أن صوته حق، لكنه يحسب ما قد يدفعه إذا استخدمه. وقد أنصفه الكاتب حين رفض اعتبار الرضا المنتزع بالخوف موافقة حرة، وحين ربط الحرية بضمانات اجتماعية واقتصادية، إلى جانب مؤسسات السياسة.
أعادني المقال إلى فصل كتبته ضمن رحلة البحث عن عبد الله النديم، عن الكواكبي والنديم ومعركتهما مع أبي الهدى الصيادي، رجل النفوذ الديني في بلاط السلطان. شغلني يومها كيف تتسع خصومة صاحب الحظوة حتى تصبح قضية دولة، وكيف يستعير غضبه هيبة الحاكم، ثم يطلب من الناس أن يعاملوا الاعتراض عليه كأنه اعتداء على الوطن. يتغير اسم صاحب الحظوة، وتبقى الحيلة قادرة على العثور على وظيفة جديدة.
لم أثبت لقاءً مباشرًا بين النديم والكواكبي، ولا يجوز أن نصنع للتاريخ لقاءً نتمناه. لكنني رأيت في تجربتيهما قرابة أعمق من المصادفة: صحافة تقاوم، وكلمة تطاردها السلطة، وإصلاح يبحث عن جمهور. انتهى النديم بعيدًا عن مصر، وانتهى الكواكبي بعيدًا عن حلب؛ كأن بلادنا كانت تتبادل أصحاب الرأي، ثم تحتفي بهم بعدما يصبح كلامهم مأمون العواقب.
وفي ذلك الفصل كتبت عن صديقي العزيز الدكتور سلام الكواكبي، وعن اعتزازي بصداقته وتقديري لرؤيته الديمقراطية. واستوقفتني عنايته بتراث جده، وإسهامه في الطبعة الفرنسية من «طبائع الاستبداد»، التي ترجمتها هالة قضماني وصدرت سنة ألفين وستة عشر. ولعل أجمل الوفاء لمفكر أن نحمل أفكاره إلى قارئ جديد، وأن نختبر بها أنفسنا. فالكواكبي يضيق به التكريم الذي يعلّق صورته، ويترك الاستبداد يمارس عمله تحتها.
ومن هنا تبدأ ملاحظتي على مقال بدراوي، وهي امتداد لتقديره وإنصافه للضحايا: أرى أن النقاش المصري والعربي يحتاج إلى أن يتقدم خطوة أخرى؛ لماذا تخشى السلطة حرية الناس، وكيف تجعل ممارستها مكلفة إلى هذا الحد؟ فالمواطن الذي يحذف رأيه قبل نشره قد يكون مؤمنًا به، والصحفي الذي يتردد أمام خبر قد يعرف الحقيقة جيدًا. المشكلة، في حالات كثيرة، تقع في المسافة بين معرفة الحق والقدرة على احتماله.
وفي مصر لا ينفصل هذا المعنى عن واقع ملاحقة التعبير والمعارضة السلمية؛ وقد وثّق التقرير العالمي لهيومن رايتس ووتش لعام ألفين وستة وعشرين ملاحقات طالت صحفيين ونشطاء ومعارضين خلال العام السابق. حين تدخل العقوبة المحتملة في حساب الكلمة، تصبح دعوة الناس إلى الشجاعة ناقصة ما لم تصحبها مطالبة برفع أسباب الخوف. ومن الظلم أن نطلب من صاحب الرأي أن يقدم حريته ضمانًا لجديته.
وأقدّر احتراز بدراوي عند استخدام تعبير «الاستبداد الطوعي». لكن التعبير يظل محتاجًا إلى حراسة المعنى؛ فالتشابه في الصمت يخفي اختلافًا في المواقع. هناك من يصمت خوفًا على أسرته، ومن يصمت لأن صمته طريق إلى منصب، ومن يتولى إسكات الآخرين لقاء نصيبه من النفوذ. وضع هؤلاء جميعًا في خانة واحدة يحمّل الضعيف بعض مسئولية من يملك القرار والعقاب. المحاسبة العادلة تبدأ بتحديد القدرة والمصلحة والمسئولية.
وفي مصر، كما في بلاد عربية كثيرة، ينبغي أن ننزل حديث الحرية إلى تفاصيل الحياة اليومية: من يقرر أولويات الإنفاق؟ ومن يراجع نتائج المشروعات؟ وهل يستطيع النائب الاعتراض، والصحفي التحقق، والمواطن طلب المعلومة، من دون التشكيك في وطنيتهم؟ هنا تصبح الحرية خبزًا ومدرسة ومستشفى. فالمال العام الذي لا يراقبه أصحابه تسهل إساءة إنفاقه، والخطأ الذي تحجبه المهابة يكبر على حساب الناس.
وللخوف اقتصاد أيضًا. من يخشى على راتبه قد يهادن مديره، ومن يتوقف رزقه على رضا نافذ قد يتنازل عن رأيه. لذلك أفهم اقتران الحرية السياسية بالمنافسة العادلة، وتكافؤ الفرص، وحماية العمل والملكية من التعسف. كلما اتسعت قدرة الإنسان على العيش بكرامة خارج دوائر المحاباة، اتسعت قدرته على قول ما يعتقده. والاستقلال الاقتصادي باب من أبواب استقلال الضمير.
أما فصل بدراوي عن المنافقين وعزلة الحقيقة، فيستحق أن يصل إلى كل مكتب مسئول. فالتصفيق المتصل يحجب عن الحاكم صوت الكسر. وحين تكون وظيفة المحيطين به تبرير القرار، تصبح المراجعة خيانة، ويتأخر الاعتراف بالخطأ حتى تتسع كلفته. وأرى أن المسئولية تبدأ من القمة: من يكافئ المصارحة يجد من يصارحه، ومن يعاقبها يشارك في صناعة العزلة التي يشكو منها.
ويلتقي ذلك بما شغلني في حكاية أبي الهدى الصيادي: خطورة منح الرأي السياسي حصانة مستعارة من الدين أو الوطنية. مكانة عالم الدين لا تعصم اجتهاده السياسي، وحب البلاد لا يمنح مسئولًا ملكية تعريف الوطنية. وحين نحترم الإيمان ونصون المؤسسات، يجب أن نحميهما من استخدامهما في خصومات الحكم. فالدولة أوسع من ساكن قصرها، والوطن يتسع لمن يختلفون في طريق خدمته.
وأتفق مع بدراوي في أن تغيير الوجوه لا يضمن زوال الاستبداد. لكن علينا أن نحذر تحويل هذه الحقيقة إلى حجة لتأجيل التغيير حتى ينضج المجتمع في امتحان لا ينتهي. الناس يتعلمون المشاركة بممارستها، ويتعلمون المحاسبة حين يرون أثرها. كما أن المعارضة مطالبة بأن تفتح داخلها مساحة الاختلاف، وتحترم تداول المسئولية، وتقدم بدائل قابلة للفحص. من يدعو إلى الحرية يزداد إقناعًا حين يمنحها لمخالفيه.
يستحق مقال حسام بدراوي هذا الحوار لأنه يعيد قضية الحرية إلى مكانها بين الناس، ويصل التربية بالسياسة، والضمير بالمؤسسة. وأضيف إليه أن علاج الخوف يبدأ بخطوات يستطيع المواطن لمسها: إنهاء العقاب على الرأي السلمي، وحماية استقلال القضاء، وإتاحة المعلومات، وفتح المجال للمنافسة السياسية، وصون قدرة الناس على كسب أرزاقهم دون إذعان.
أتخيل الكواكبي عائدًا إلى القاهرة، يحمل كتابه القديم، ويسأل عما تغير. وأتمنى أن يجد جوابًا في حياة الناس: مواطنًا يعلن رأيه ويعود آمنًا إلى بيته، وصحفيًا ينشر ما تحقق منه، ومسئولًا يشرح ويُسأل ويُحاسب. فمصر التي وجد فيها الكواكبي متسعًا لنشر فكره، تستحق أن يجد فيها كل كواكبي جديد متسعًا للحياة. وحين تكف السلطة عن الخوف من الكلمة، سيجد الناس أسبابًا أقل للخوف من قوله







