حقق الطبيب والسياسي الأمريكي من أصول مصرية عبدول السيد فوزًا تاريخيًا في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية المجلس في تاريخ الولايات المتحدة، بعد تفوقه على منافسه الجمهوري مايك روجرز في انتخابات التجديد النصفي التي جرت الثلاثاء 3 نوفمبر 2026.
وجاء إعلان فوز عبدول السيد، البالغ من العمر 42 عامًا، بعد منافسة انتخابية شهدت انقسامًا سياسيًا حادًا، وسط اهتمام واسع بخلفيته المصرية وهويته الإسلامية ومواقفه التقدمية، خصوصًا في ملفات الرعاية الصحية والاقتصاد والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
ويُعد فوزه تحولًا تاريخيًا في تمثيل المسلمين داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، بعدما سبق انتخاب عدد من المسلمين لعضوية مجلس النواب، دون أن يتمكن أي منهم من الوصول إلى مجلس الشيوخ قبل انتخابات 2026.
عبدول السيد يتجاوز 52% مع إعلان 93% من النتائج
وأظهرت أحدث الأرقام التي رصدتها «أخبار الغد» من لوحة متابعة انتخابات ولاية ميشيغان حصول عبدول السيد على 2 مليون و374 ألفًا و40 صوتًا، بنسبة 52.26%، مقابل مليونين و79 ألفًا و987 صوتًا لمنافسه الجمهوري مايك روجرز، بنسبة 45.79%.
وحصلت مرشحة الحزب الليبرتاري ليديا كريستنسن على 45 ألفًا و84 صوتًا، بنسبة 0.99%، فيما بلغ إجمالي الأصوات المسجلة في التحديث نحو 4 ملايين و542 ألفًا و797 صوت.
وبلغ الفارق بين عبدول السيد وروجرز 294 ألفًا و53 صوتًا، بما يعادل 6.47 نقاط مئوية، مع وصول مؤشر إعلان النتائج إلى 93% من الأصوات المتوقعة.
وأعلنت منصة متابعة الانتخابات حسم السباق لصالح عبدول السيد قبل اكتمال الفرز، وهو ما أكدته لاحقًا تغطيات إعلامية أمريكية، في انتظار استكمال الإجراءات الرسمية لاعتماد النتائج النهائية.
من هو عبدول السيد؟
عبدول السيد، واسمه بالإنجليزية Abdul El-Sayed، طبيب ومتخصص في الصحة العامة وسياسي أمريكي من أصول مصرية، وُلد في مدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيغان عام 1984، لأسرة من المهاجرين المصريين.
ونشأ في الولايات المتحدة، حيث تلقى تعليمه وبدأ مسيرته المهنية قبل دخوله العمل السياسي.
ويحمل الجنسية الأمريكية، وتعود جذوره العائلية إلى مصر، وهو ما جعله أحد أبرز السياسيين الأمريكيين من أصول عربية الذين وصلوا إلى موقع متقدم في الحياة السياسية الأمريكية.
وبرز اسمه باعتباره شخصية تجمع بين العمل الأكاديمي والطبي والإدارة الحكومية والنشاط السياسي، قبل أن يحقق فوزه التاريخي بعضوية مجلس الشيوخ.
مسيرته التعليمية.. من ميشيغان إلى أكسفورد وكولومبيا
بدأ عبدول السيد مسيرته الجامعية في جامعة ميشيغان، حيث تخرج عام 2007، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا لاستكمال دراساته العليا.
وحصل على درجة الدكتوراه في الصحة العامة من جامعة أكسفورد عام 2011، بعدما نال منحة رودس الدراسية المرموقة، التي تُمنح للطلاب المتميزين لمتابعة دراساتهم في الجامعة البريطانية.
وفي عام 2014، حصل على شهادة الطب من جامعة كولومبيا الأمريكية، ليجمع بين الدراسة الطبية والتخصص في الصحة العامة والسياسات المرتبطة بالوقاية والأمراض والخدمات الصحية.
وساعده هذا المسار الأكاديمي في بناء خبرته في قضايا الصحة العامة، التي أصبحت لاحقًا أحد المحاور الأساسية لبرنامجه السياسي.
من إدارة الصحة في ديترويت إلى العمل السياسي
في عام 2015، تولى عبدول السيد منصب مدير الصحة العامة في مدينة ديترويت، أكبر مدن ولاية ميشيغان، خلال مرحلة كانت المدينة تسعى فيها إلى إعادة بناء مؤسساتها وخدماتها العامة عقب أزمتها المالية.
وشارك خلال توليه المنصب في جهود إعادة تطوير خدمات الصحة العامة وتعزيز قدرة المدينة على التعامل مع التحديات الصحية التي تواجه السكان.
واستمر في منصبه حتى عام 2017، قبل أن يتجه إلى العمل السياسي المباشر ويعلن ترشحه لمنصب حاكم ولاية ميشيغان.
وفي انتخابات عام 2018، خاض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمنصب حاكم الولاية، لكنه خسر أمام جريتشن ويتمر، التي واصلت طريقها لاحقًا للفوز بمنصب الحاكم.
ولم تكن تلك الهزيمة نهاية مسيرته السياسية، إذ واصل نشاطه في القضايا العامة، قبل أن يعود إلى العمل التنفيذي في القطاع الصحي.
وخلال الفترة من 2023 إلى 2025، تولى إدارة خدمات الصحة والخدمات الإنسانية وشؤون المحاربين القدامى في مقاطعة واين، التي تضم مدينة ديترويت.
كيف وصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي؟
عاد عبدول السيد إلى المنافسة الانتخابية خلال عام 2026، مستفيدًا من خبرته في الصحة العامة وحضوره داخل التيار التقدمي بالحزب الديمقراطي.
وخاض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان، ونجح في أغسطس 2026 في التفوق على النائبة هالي ستيفنز، ليحصل على ترشيح الحزب لمجلس الشيوخ.
وحظيت حملته بدعم شخصيات بارزة في الجناح التقدمي، من بينها السيناتور بيرني ساندرز، والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، والنائبة الأمريكية من أصل فلسطيني رشيدة طليب.
وجاء ترشحه للمنافسة على المقعد الذي يشغله السيناتور الديمقراطي جاري بيترز، بعدما أعلن الأخير عدم الترشح لولاية جديدة.
ومثّل السباق اختبارًا مهمًا لقدرة الحزب الديمقراطي على الاحتفاظ بالمقعد، في ولاية تشهد منافسة قوية بين الديمقراطيين والجمهوريين.
من هو منافسه الجمهوري مايك روجرز؟
واجه عبدول السيد في الانتخابات العامة السياسي الجمهوري مايك روجرز، البالغ من العمر 63 عامًا، وهو عضو سابق في مجلس النواب الأمريكي وعميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وسبق لروجرز أن خاض انتخابات مجلس الشيوخ عام 2024، قبل أن يعود للمنافسة على المقعد في انتخابات 2026.
وحصل روجرز على دعم دونالد ترامب وقيادات جمهورية، وركزت حملته على قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية والاقتصاد، إلى جانب توجيه انتقادات لمواقف منافسه الديمقراطي.
وشهدت الحملة تبادل اتهامات وانتقادات سياسية بشأن ملفات الاقتصاد والحرب مع إيران والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، فضلًا عن قضايا الهوية الدينية والخلفية السياسية للمرشحين.
الرعاية الصحية وتكاليف المعيشة في قلب برنامجه
ركز عبدول السيد خلال حملته الانتخابية على مجموعة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها توسيع نطاق الرعاية الصحية وتخفيف الأعباء المالية عن الأسر الأمريكية.
ودافع عن مشروع «الرعاية الطبية للجميع» المعروف باسم Medicare for All، الذي يهدف إلى توسيع التغطية الصحية من خلال نظام تمويل عام.
كما دعا إلى خفض تكاليف السكن وتحسين الفرص الاقتصادية للأسر العاملة، وتقليل تأثير الشركات الكبرى والمانحين الأثرياء على العملية السياسية.
وقدم نفسه خلال الحملة باعتباره مرشحًا يسعى إلى تمثيل مصالح المواطنين العاديين، مع التركيز على ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة والرعاية الصحية.
مواقفه من فلسطين وإسرائيل والحرب في الشرق الأوسط
شكّلت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط أحد أبرز الملفات التي أثارت الجدل خلال الحملة الانتخابية.
واتخذ عبدول السيد مواقف منتقدة للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وطالب بإنهاء المساعدات العسكرية غير المشروطة، كما وصف العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بأنها إبادة جماعية.
وانتقد كذلك الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية والسياسية، وربط بين الإنفاق العسكري الخارجي والضغوط المالية التي تواجهها الأسر الأمريكية.
وأثارت هذه المواقف خلافات داخل الحزب الديمقراطي، خصوصًا مع الجناح الأكثر دعمًا لإسرائيل.
ووصلت الخلافات إلى إعلان هالي ستيفنز، منافسته السابقة في الانتخابات التمهيدية، دعمها للمرشح الجمهوري مايك روجرز قبل الانتخابات العامة، اعتراضًا على بعض مواقفه وتصريحاته وارتباطاته السياسية.
وفي المقابل، واصل عدد من قيادات التيار التقدمي دعم عبدول السيد حتى إعلان فوزه.
هجمات على هويته الإسلامية خلال الحملة
واجه عبدول السيد انتقادات وهجمات سياسية تناولت ديانته الإسلامية وخلفيته العائلية، إلى جانب مواقفه من قضايا الشرق الأوسط.
وحاول منافسه الجمهوري ربطه بجماعة الإخوان المسلمين، وهي اتهامات رفضها عبدول السيد، ولم تُقدَّم أدلة تثبت وجود ارتباط تنظيمي بينه وبين الجماعة.
واعتبر سياسيون ديمقراطيون أن استهداف هويته الدينية يمثل خطابًا معاديًا للمسلمين، بينما دافع الجمهوريون عن حقهم في مساءلة المرشحين بشأن مواقفهم السياسية وعلاقاتهم العامة.
ورد عبدول السيد بأن التركيز على اسمه ودينه يصرف الانتباه عن المشكلات الاقتصادية التي تواجه الأمريكيين، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة.
أول مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي
يمثل فوز عبدول السيد سابقة تاريخية في الحياة السياسية الأمريكية، إذ يصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ تأسيس الولايات المتحدة.
وكان المسلمون قد حققوا حضورًا سابقًا في مجلس النواب الأمريكي، إذ أصبح كيث إليسون أول مسلم يُنتخب لعضوية الكونجرس عام 2006.
وفي عام 2018، فازت رشيدة طليب وإلهان عمر بعضوية مجلس النواب، لتصبحا أول امرأتين مسلمتين تصلان إلى الكونجرس الأمريكي.
غير أن مجلس الشيوخ ظل دون عضو مسلم منتخب حتى فوز عبدول السيد في انتخابات ميشيغان عام 2026.
ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية بالنظر إلى أن مجلس الشيوخ أحد المجلسين التشريعيين في الولايات المتحدة، ويتمتع بصلاحيات واسعة تشمل التشريع والموافقة على التعيينات الرئاسية والمعاهدات وفق الإجراءات الدستورية.
ماذا يعني الفوز للحزب الديمقراطي؟
يحافظ فوز عبدول السيد على مقعد ميشيغان داخل الحزب الديمقراطي، بعد قرار السيناتور جاري بيترز التقاعد وعدم خوض الانتخابات.
كما يمنح التيار التقدمي داخل الحزب دفعة سياسية، بعد نجاح مرشح يتبنى مواقف واضحة بشأن الرعاية الصحية والاقتصاد والسياسة الخارجية في الفوز بولاية تشهد منافسة انتخابية محتدمة.
وجاءت النتيجة في سياق انتخابات التجديد النصفي التي شهدت تغيرات كبيرة في موازين القوى داخل الكونجرس الأمريكي، وفتحت مرحلة جديدة من العلاقة بين إدارة دونالد ترامب والأغلبية الديمقراطية.
جذور مصرية وحضور عربي في السياسة الأمريكية
يحمل فوز عبدول السيد دلالة خاصة بالنسبة للأمريكيين من أصول مصرية وعربية، إذ يمثل وصول سياسي من أسرة مهاجرة مصرية إلى مجلس الشيوخ الأمريكي.
وعلى الرغم من أن مسيرته التعليمية والمهنية والسياسية تشكلت داخل الولايات المتحدة، فإن أصوله المصرية كانت جزءًا من هويته العائلية التي حظيت باهتمام واسع خلال الانتخابات.
ويعكس وصوله إلى مجلس الشيوخ اتساع حضور الأمريكيين من خلفيات عربية وإسلامية في المؤسسات السياسية المنتخبة، بعد سنوات من تركز هذا التمثيل بصورة أكبر داخل مجلس النواب والمجالس المحلية.
وبفوزه في ميشيغان، يبدأ عبدول السيد مرحلة جديدة من مسيرته السياسية، بعد انتقاله من العمل الطبي والإدارة الصحية إلى أحد أبرز المواقع التشريعية في الولايات المتحدة، مسجلًا سابقة تاريخية بوصفه أول مسلم منتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.






