أخبار الغد – تقرير خاص
تواجه مصر معادلة أمنية واقتصادية معقدة في البحر الأحمر، مع استمرار التوترات الإقليمية وتهديدات الملاحة الدولية، رغم المؤشرات الأخيرة على عودة تدريجية لحركة السفن عبر قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه أهمية البحر الأحمر باعتباره ممرًا استراتيجيًا للتجارة العالمية والطاقة، وسط صراعات متشابكة تمتد من اليمن إلى السودان والقرن الأفريقي، وتضع القاهرة أمام تحديات تتجاوز حدودها المباشرة.
قناة السويس.. تعافٍ تدريجي وسط مخاطر مستمرة
كشفت بيانات حديثة لمؤسسة لويدز ليست إنتليجنس عن عبور 305 سفن قناة السويس خلال الفترة من 19 إلى 25 أكتوبر 2026، بزيادة بلغت 35% مقارنة بالمتوسط الأسبوعي في أكتوبر من العام الماضي، بينما ظلت الحمولات أقل بنسبة 36% من مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر.
وفي تطور جديد، أعلنت شركة ميرسك الدنماركية، في 2 نوفمبر، استئناف مرور خدمة شحن إضافية تديرها بالتعاون مع شركة هاباج لويد الألمانية عبر قناة السويس، في خطوة تعكس تحسنًا تدريجيًا في ثقة شركات الملاحة الدولية.
لكن هذه العودة لا تعني انتهاء الأزمة، إذ تظل قرارات شركات الشحن مرتبطة بالتقييمات الأمنية ومخاطر تجدد الهجمات على السفن التجارية.
خسائر اقتصادية واختبار لاستعادة الإيرادات
دفعت اضطرابات البحر الأحمر خلال السنوات الماضية شركات شحن كبرى إلى تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، ما تسبب في زيادة تكاليف النقل وإطالة الرحلات، وانعكس بصورة مباشرة على إيرادات قناة السويس.
ورغم ارتفاع إيرادات القناة بنسبة 23% خلال السنة المالية 2025–2026، لتصل إلى نحو 4.67 مليار دولار، وفق بيانات نشرتها الأهرام، فإن التعافي لا يزال مرهونًا باستقرار الأوضاع الأمنية وعودة حركة الملاحة إلى مستوياتها السابقة.
وتثير هذه التطورات تساؤلات حول مدى اعتماد الاقتصاد المصري على إيرادات ممر ملاحي تتأثر حركته بصراعات إقليمية ودولية، ومدى قدرة الحكومة على تنويع مصادر النقد الأجنبي وتقليل تعرض الموازنة للصدمات الخارجية.
باب المندب.. التحدي الأمني الأكبر
لا تنفصل المخاطر التي تواجه قناة السويس عن التطورات في مضيق باب المندب، الذي يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويقع بالقرب من مناطق نفوذ الحوثيين في اليمن.
وشهد عام 2026 تجددًا للهجمات والتهديدات ضد الملاحة التجارية، فيما أشار المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية إلى أن اتساع نفوذ الحوثيين بالقرب من المضيق يزيد من تعقيد البيئة الأمنية في المنطقة.
وبالنسبة لمصر، فإن تأمين الملاحة لا يقتصر على حماية قناة السويس نفسها، بل يرتبط أيضًا باستقرار الممرات البحرية المؤدية إليها، وهو ما يجعل التطورات في اليمن والقرن الأفريقي جزءًا من حسابات الأمن القومي المصري.
القاهرة بين الدبلوماسية وحماية المصالح
تضع هذه المعطيات القاهرة أمام خيارات دقيقة، تتطلب تعزيز التنسيق الإقليمي والدولي لحماية الملاحة، مع تجنب الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة قد تزيد الأعباء السياسية والاقتصادية.
وفي المقابل، تبرز أهمية التحركات الدبلوماسية لمعالجة أسباب عدم الاستقرار، خصوصًا أن الإجراءات الأمنية وحدها لا تضمن عودة دائمة لحركة التجارة عبر البحر الأحمر.
وتبقى قدرة مصر على حماية مصالحها مرتبطة بمزيج من الجاهزية الأمنية، والتعاون الإقليمي، والسياسات الاقتصادية القادرة على استيعاب الصدمات.
وبين مؤشرات التعافي الملاحي واستمرار التهديدات الأمنية، يظل البحر الأحمر اختبارًا استراتيجيًا للقاهرة، ليس فقط لحماية قناة السويس، وإنما للحفاظ على دور مصر الإقليمي ومصالحها الاقتصادية في منطقة تتغير توازناتها باستمرار.






