أثارت خسارة الحزب الجمهوري بقيادة دونالد ترامب في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي موجة واسعة من ردود الفعل الدولية، تراوحت بين الترحيب بنتائج الانتخابات والتحذير من تداعياتها والترقب لمستقبل السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصًا في ملفات الحرب مع إيران والأزمة الأوكرانية والعلاقات عبر الأطلسي.
وجاءت ردود الفعل عقب النتائج المعلنة للانتخابات، التي أظهرت انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الحزب الديمقراطي، في تحول سياسي أعاد فتح النقاش بشأن قدرة إدارة ترامب على تنفيذ أجندتها الداخلية والخارجية خلال المرحلة المتبقية من ولايته.
وامتدت ردود الفعل من طهران وموسكو إلى العواصم الأوروبية وجنوب إفريقيا، وسط تباين في تقديرات المسؤولين بشأن تأثير الأغلبية الديمقراطية الجديدة على الحروب القائمة والاقتصاد العالمي والتحالفات الدولية.
إيران: الأمريكيون رفضوا الحرب
في طهران، أكد بيان منسوب إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أن نتائج الانتخابات الأمريكية لا يُتوقع أن تؤدي إلى تغيير جوهري في سياسة واشنطن تجاه إيران، بعد أكثر من ثمانية أشهر على اندلاع الحرب بين البلدين.
من جانبه، اعتبر كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف أن النتائج الانتخابية تعكس رفض الناخبين الأمريكيين استمرار الحرب.
وقال قاليباف في منشور عبر منصة «إكس» إن الأمريكيين وجهوا رسالة برفض الحرب، مؤكدًا تأييد طهران لهذه الرسالة.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، ربما أسهم في دفع قطاعات من الناخبين إلى التصويت ضد الجمهوريين.
وتعكس التصريحات الإيرانية محاولة لقراءة نتائج الانتخابات من زاوية السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصًا في ظل استمرار المواجهة العسكرية وتداعياتها الاقتصادية.
روسيا: نأمل استمرار جهود ترامب لإنهاء حرب أوكرانيا
في موسكو، أعرب المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عن أمله في أن يواصل ترامب جهوده الرامية إلى التوصل لتسوية تنهي الحرب في أوكرانيا، رغم خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس.
وكان ترامب قد مارس ضغوطًا على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال العام الجاري لدفعه نحو قبول اتفاق سلام، وسط مخاوف من أن تتضمن التسوية تنازلات إقليمية لصالح روسيا.
وتشير التصورات المطروحة للاتفاق إلى احتمال السماح لموسكو بالاحتفاظ بالسيطرة على أجزاء من الأراضي الأوكرانية التي استولت عليها خلال الحرب المستمرة منذ نحو أربع سنوات.
بدوره، أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف أن العلاقات بين موسكو والحزب الديمقراطي الأمريكي تتسم بالتوتر منذ سنوات.
ووصف ريابكوف التوجه الأساسي للديمقراطيين تجاه روسيا بأنه سلبي للغاية، مشددًا على أن السياسة الخارجية الروسية وموقف موسكو من الحرب في أوكرانيا لن يتغيرا نتيجة الانتخابات الأمريكية.
ولم يصدر رد فعل فوري من الحكومة الأوكرانية على النتائج، وفق المعلومات الواردة في التقرير.
إسبانيا: تراجع الشعبوية اليمينية
رحب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بنتائج الانتخابات الأمريكية، معتبرًا أنها تعكس رفضًا شعبيًا للسياسات التي تؤدي إلى إفقار المواطنين وتعزيز الكراهية والتمييز.
وقال سانشيز في منشور على منصة «إكس» إن الناخبين الأمريكيين صوتوا ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تزيد الأعباء على المواطنين.
وربط رئيس الوزراء الإسباني النتائج الأمريكية بما وصفه بتراجع موجة الشعبوية اليمينية على المستوى الدولي.
واعتبر أن التحولات السياسية التي شهدتها البرازيل والولايات المتحدة قد تتكرر في إسبانيا، التي تستعد لإجراء انتخابات في 29 نوفمبر الجاري.
وتأتي تصريحات سانشيز في ظل خلافاته مع إدارة ترامب بشأن الحرب مع إيران وعدد من ملفات السياسة الدولية.
الاتحاد الأوروبي: فرصة لتعزيز دعم أوكرانيا
أعربت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس عن أملها في أن تؤدي سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس إلى تعزيز الدعم الأمريكي لأوكرانيا وزيادة الضغوط على روسيا.
وأكدت كالاس أهمية التعاون بين أوروبا والولايات المتحدة، معتبرة أن الجانبين يتمتعان بقدرة أكبر على التأثير عندما يعملان معًا، خصوصًا في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي السياق ذاته، وصفت نائبة رئيس البرلمان الأوروبي كريستل شالديموزه نتائج الانتخابات بأنها مذهلة.
وأوضحت أن أهمية النتائج لا تعني بالضرورة حدوث تغيير شامل وفوري في السياسة الأمريكية، لكنها قد تفتح المجال أمام زيادة الدعم المقدم لأوكرانيا.
وشددت على ضرورة استمرار الاتحاد الأوروبي في تعزيز استقلاليته وقدراته الدفاعية والاقتصادية، بما يقلل اعتماده على الأطراف الخارجية.
بريطانيا: تكاليف المعيشة أولوية عالمية
في لندن، ركز رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام على التداعيات الاقتصادية للانتخابات الأمريكية، معتبرًا أن المرحلة المقبلة توفر فرصة للتعاون الدولي بشأن أزمة تكاليف المعيشة.
وقال بيرنهام إن قبول ترامب بنتائج الانتخابات قد يفتح المجال أمام جهود دولية مشتركة لمعالجة ارتفاع الأسعار.
وربط رئيس الوزراء البريطاني إمكانية تخفيف الأعباء الاقتصادية بالتوصل إلى تسوية للحرب الأمريكية ضد إيران.
وأشار إلى أن استمرار الحرب يمثل عقبة أمام خفض الأسعار، في ظل تأثير التوترات العسكرية على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
جنوب إفريقيا: بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية
اعتبر رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا أن نتائج الانتخابات الأمريكية قد تمهد لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية، بعد انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين.
وأكد رامافوزا أن الشعب الأمريكي عبّر عن موقفه عبر صناديق الاقتراع، معربًا عن أمله في أن تسهم التطورات الجديدة في تحسين العلاقات بين واشنطن وبريتوريا.
وشهدت العلاقات بين البلدين توترات حادة خلال الفترة الماضية، على خلفية اتهامات أمريكية لحكومة جنوب إفريقيا باضطهاد السكان البيض من أصول أفريكانية، وهي اتهامات رفضتها بريتوريا.
وفرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على مسؤولين في جنوب إفريقيا، كما فتحت المجال أمام أفراد من الأقلية الأفريكانية للتقدم بطلبات لجوء إلى الولايات المتحدة.
وتشير المعلومات الواردة إلى أن نحو 17 ألف شخص سعوا للاستفادة من هذه الإجراءات.
ألمانيا: توقعات بتوسيع التعاون مع واشنطن
أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن تفاؤله بإمكانية توسيع التعاون بين برلين وواشنطن عقب فوز الديمقراطيين بالأغلبية في الكونغرس.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد نقاشات أوسع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري بشأن الملفات الدولية، وفي مقدمتها الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا.
وأكد توقعه زيادة التنسيق داخل الكونغرس بشأن سبل مساعدة كييف، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لألمانيا، باعتبارها أكبر اقتصاد منفرد في أوروبا، وإحدى الدول الرئيسية المشاركة في دعم أوكرانيا.
فرنسا: ترامب أمام خيار تعديل سياساته أو الاستمرار فيها
في باريس، امتنع وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور عن الجزم بكيفية استجابة ترامب لنتائج الانتخابات، معتبرًا أن الرئيس الأمريكي يواجه خيارات سياسية مختلفة.
وأوضح أن ترامب قد يتجه إلى تعديل بعض سياساته، خصوصًا المتعلقة بأسعار الوقود والتدخلات الخارجية، استجابةً لمطالب الناخبين.
وأشار إلى احتمال استمرار الإدارة الأمريكية في نهجها الحالي، رغم النتائج التي أظهرت تراجع التأييد للحزب الجمهوري.
وتعكس التصريحات الفرنسية حالة الترقب الأوروبي بشأن تأثير نتائج الانتخابات على السياسة الاقتصادية الأمريكية، ومستقبل الحرب مع إيران وانعكاساتها على أسعار الطاقة.
النرويج: تحول في توجهات الناخبين الأمريكيين
وصف رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره نتائج الانتخابات بأنها إشارة سياسية قوية إلى تغير توجهات قطاعات من الناخبين الأمريكيين.
وأشار إلى ظهور أصوات سياسية جديدة داخل الولايات المتحدة تتبنى مواقف أقرب إلى السياسات النرويجية، خصوصًا في قضايا المناخ وحماية البيئة والسياسة الخارجية والمساعدات الإنمائية.
واعتبر أن هذه التطورات قد تفتح مجالًا أوسع للتعاون الدولي في الملفات التي شهدت خلافات بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين خلال الفترة الماضية.
الكونغرس الجديد يغير حسابات السياسة الخارجية الأمريكية
تأتي ردود الفعل الدولية في وقت تستعد فيه واشنطن لمرحلة جديدة من التوازن السياسي، مع انتقال الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين.
وتمنح هذه الأغلبية الحزب الديمقراطي قدرة أكبر على مراقبة سياسات إدارة ترامب، والتأثير في التشريعات والتمويل والتعيينات التي تتطلب موافقة الكونغرس، رغم استمرار الصلاحيات الواسعة للرئيس في إدارة السياسة الخارجية.
وتشير النتائج إلى أن الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة كانا من أبرز القضايا التي أثرت في توجهات الناخبين الأمريكيين، إلى جانب ملفات اقتصادية وسياسية داخلية أخرى.
وتترقب العواصم العالمية انعكاسات هذه التغييرات على مستقبل العلاقات الأمريكية الروسية، والدعم المقدم لأوكرانيا، والسياسة تجاه إيران وإسرائيل، فضلًا عن التجارة الدولية وأسعار الطاقة.
وبين الترحيب الأوروبي والتحفظ الروسي والرسائل الإيرانية، تكشف ردود الفعل أن نتائج انتخابات الكونغرس لم تعد مجرد شأن داخلي أمريكي، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في حسابات الحكومات والتحالفات الدولية خلال المرحلة المقبلة.






