خاص أخبار الغد
تتصاعد المنافسة على ثروات النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، مع دخول شركة «شيفرون» الأمريكية إلى قلب نزاع بحري معقد بين ليبيا واليونان جنوب جزيرة كريت، في وقت تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع التحالفات السياسية والعسكرية بين تركيا ومصر واليونان وليبيا.
وتكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة لافتة؛ فبينما تعترض الحكومة الليبية رسميًا على امتيازات منحتها اليونان لشركة شيفرون للتنقيب عن النفط والغاز في مناطق بحرية تعتبر طرابلس أجزاء واسعة منها ضمن حقوقها السيادية، تعمل المؤسسة الوطنية للنفط الليبية في الوقت نفسه على توسيع شراكتها الاستثمارية مع الشركة الأمريكية ذاتها.
وتزداد أهمية هذه المفارقة بعدما أظهرت عقود التنقيب اليونانية وجود بند قانوني يسمح بتقليص مناطق الامتياز أو استبعاد أجزاء منها، حتى بعد بدء الإنتاج، إذا أسفرت اتفاقيات مستقبلية لترسيم الحدود البحرية عن تغيير نطاق الولاية اليونانية.
وفي تطور سياسي آخر، وافق مجلس النواب الليبي في 20 أكتوبر 2026 على الاتفاق البحري الموقع مع تركيا عام 2019، بعد سنوات من معارضة السلطات في شرق ليبيا له، ما أعاد رسم التحالفات الإقليمية وفتح مواجهة دبلوماسية جديدة مع أثينا.
وتضع هذه التطورات منطقة جنوب كريت أمام مرحلة حساسة، مع اقتراب بدء أعمال المسح الزلزالي، وتحركات مصرية يونانية لتوسيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وسط تساؤلات بشأن مستقبل ثروات الطاقة واحتمالات التوصل إلى تسوية قانونية للنزاع.
جزيرة كريت.. لماذا أصبحت مركزًا للصراع؟
تقع جزيرة كريت جنوب اليونان، وتعد أكبر الجزر اليونانية، وتتمتع بموقع استراتيجي في البحر المتوسط، بين السواحل اليونانية شمالًا والليبية جنوبًا.
ولا يتعلق النزاع الحالي بالسيادة على الجزيرة نفسها، التي تتبع اليونان، وإنما بالحقوق البحرية التي يمكن أن تنشأ عن سواحلها، خصوصًا الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
وتتمسك اليونان بأن كريت تتمتع بحقوق بحرية وفق القانون الدولي، بما يسمح لأثينا بمنح امتيازات لاستكشاف الموارد الطبيعية في المياه الواقعة جنوب الجزيرة.
في المقابل، ترى ليبيا أن بعض المناطق التي طرحتها اليونان للتنقيب تتداخل مع مطالباتها البحرية، وأن الحدود النهائية بين البلدين لم تُرسم بعد باتفاق ملزم.
وتزداد القضية تعقيدًا بسبب الاتفاق البحري التركي الليبي الموقع عام 2019، الذي يعكس تصورًا مختلفًا لتوزيع الحقوق البحرية في المنطقة.
وبذلك، أصبحت كريت نقطة التقاء بين ثلاثة ملفات مترابطة: النزاع الليبي اليوناني، والاتفاق التركي الليبي، ومصالح شركات الطاقة الدولية.
شيفرون تدخل جنوب كريت بعقود ضخمة
في 16 فبراير 2026، وقعت الحكومة اليونانية أربع اتفاقيات مع تحالف تقوده شركة شيفرون الأمريكية، بالشراكة مع شركة «هيلينيك إنرجي» اليونانية، لاستكشاف النفط والغاز في مناطق بحرية جنوب كريت وشبه جزيرة بيلوبونيز.
وتستحوذ شيفرون على 70% من حقوق التحالف وتتولى تشغيله، مقابل 30% للشركة اليونانية.
وتغطي الاتفاقيات مساحة إجمالية تقارب 47 ألف كيلومتر مربع، موزعة على أربع مناطق استكشافية، هي «جنوب كريت 1» و«جنوب كريت 2» و«جنوب بيلوبونيز» و«A2».
وفي مارس 2026، استكملت أثينا إجراءات المصادقة التشريعية على العقود بموجب القانون رقم 5287 لسنة 2026، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة جمع البيانات الجيولوجية وتنفيذ المسوحات الزلزالية.
لكن العقود تضمنت بندًا استثنائيًا أثار نقاشًا قانونيًا وسياسيًا واسعًا، يتعلق باحتمال تغير الحدود البحرية التي تستند إليها اليونان في منح الامتيازات.
البند 30.3.. هل تعترف اليونان بإمكانية خسارة مناطق بحرية؟
تضمن عقدا منطقتَي جنوب كريت بندًا يحمل الرقم 30.3، يسمح للحكومة اليونانية بمراجعة الإحداثيات الجنوبية والجانبية لمناطق الامتياز إذا أبرمت مستقبلًا اتفاقًا مع دولة مجاورة أو أكثر لترسيم الجرف القاري أو المنطقة الاقتصادية الخالصة.
وبموجب هذا البند، إذا أدى اتفاق ترسيم جديد إلى خروج مساحة معينة من نطاق الولاية البحرية اليونانية، تُستبعد تلك المساحة من امتياز الشركة، وتنتهي حقوق شيفرون فيها، حتى لو كانت قد بدأت الإنتاج بالفعل.
كما تلتزم الشركة بإزالة منشآتها ومعداتها من المناطق المستبعدة على نفقتها الخاصة، دون حق عام في المطالبة بتعويض عن تكاليف الاستكشاف أو الأرباح المستقبلية المتوقعة.
وفي المقابل، تلتزم الحكومة اليونانية برد مبالغ محددة سبق أن دفعتها الشركة، تتناسب مع مساحة المنطقة المستبعدة، على أن تتم التسوية خلال المدة المنصوص عليها في العقد.
وتكمن أهمية هذا البند في أنه يُدخل احتمال تغير الحدود البحرية ضمن المخاطر التجارية والقانونية التي وافقت الشركة على تحملها.
لكن وجوده لا يمثل اعترافًا يونانيًا بأن المناطق محل النزاع تابعة لليبيا، كما لا يحسم الحقوق البحرية لأي طرف.
فالبند ينظم النتائج المحتملة لاتفاق مستقبلي، دون تحديد الدولة التي قد تحصل على الحقوق البحرية في المناطق المستبعدة.
دراسة قانونية تحذر من تعقيدات العقود
تناولت الباحثة في قانون الاستثمار الدولي بجامعة ليفربول، أيكاتريني فلورو، هذا البند في دراسة نشرتها يوم 26 يونيو 2026، تناولت كيفية توزيع المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بترسيم الحدود البحرية.
ورأت الباحثة أن خصوصية المادة 30.3 تكمن في احتمال نشوء التزام مالي على الدولة اليونانية نتيجة ممارستها حقًا سياديًا مشروعًا، وهو التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود مع دولة أخرى.
فإذا تغيرت الحدود وأصبحت أجزاء من مناطق الامتياز خارج الولاية اليونانية، قد تلتزم أثينا برد مبالغ محددة للمستثمر، حتى دون وقوع مخالفة تعاقدية.
وتثير هذه الصياغة تساؤلات قانونية بشأن مدى توافق بعض أشكال الحماية المالية للمستثمرين مع قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بمساعدات الدولة.
كما قد تفتح المجال أمام نزاعات تحكيمية إذا تغيرت الحدود ولم تُنفذ الالتزامات المالية المتفق عليها.
غير أن هذه السيناريوهات تظل احتمالات قانونية، ولا تعني صدور حكم قضائي ببطلان العقود أو مخالفتها للقانون الأوروبي.
ليبيا تعترض رسميًا.. 85% من منطقتَي جنوب كريت محل خلاف
بدأ الخلاف الرسمي بشأن الامتيازات اليونانية قبل توقيع عقود شيفرون.
ففي 20 يونيو 2025، قدمت البعثة الليبية الدائمة لدى الأمم المتحدة مذكرة رسمية تحمل الرقم A/79/960، اعترضت فيها حكومة الوحدة الوطنية على طرح اليونان مناطق بحرية للاستكشاف تعتبرها طرابلس متداخلة مع مطالباتها.
وأرفقت ليبيا بالمذكرة تقريرًا فنيًا أعدته المؤسسة الوطنية للنفط في 17 يونيو من العام نفسه، يتضمن خرائط وإحداثيات للمناطق المطروحة للتنقيب.
وبحسب التقرير الليبي، تبلغ المساحة الإجمالية لمنطقتَي «جنوب كريت 1» و«جنوب كريت 2» نحو 23 ألفًا و300 كيلومتر مربع.
ويقدر الجانب الليبي أن أكثر من 85% من هذه المساحة تقع جنوب الخط الذي يستند إليه في تحديد مطالباته البحرية.
وتعد هذه النسبة من أبرز الأرقام التي تعكس حجم الخلاف بين البلدين.
لكنها تمثل التقدير الفني الرسمي الليبي، ولا تعني أن هذه المساحة أصبحت معترفًا بها دوليًا باعتبارها مياهًا ليبية، أو أنها حُسمت بموجب حكم قضائي.
وفي 5 أغسطس 2025، ردت اليونان بمذكرة إلى الأمم المتحدة تحمل الرقم A/79/983، رفضت فيها المطالبات الليبية، وأكدت تمسكها بحقوقها السيادية في المناطق المطروحة للاستكشاف.
تحذير ليبي من تعطيل مفاوضات الترسيم
في 24 أغسطس 2026، وجهت طرابلس احتجاجًا دبلوماسيًا جديدًا إلى أثينا، حذرت فيه من أن استمرار الأنشطة الاستكشافية في المناطق التي لم تُرسم حدودها قد يؤثر سلبًا في المفاوضات الثنائية، وربما يؤدي إلى تعليقها.
وترى ليبيا أن تنفيذ أنشطة استكشافية في مناطق متداخلة المطالبات قد يخلق واقعًا ميدانيًا يزيد صعوبة الوصول إلى تسوية.
وفي المقابل، تؤكد اليونان أن أنشطة الاستكشاف تجري في مناطق تعتبرها خاضعة لحقوقها السيادية، وأن استمرار المفاوضات لا يستلزم بالضرورة تعليق هذه الأنشطة.
وأكد محمد الهاشمي الحراري، رئيس لجنة الحدود البرية والبحرية بوزارة الخارجية الليبية، أن بلاده فتحت باب التفاوض مع اليونان، وطلبت تجنب أي أعمال يمكن أن تؤثر سلبًا في سير المحادثات.
وأشار إلى أن استمرار الأنشطة الاستكشافية في المناطق المتنازع عليها لا ينسجم مع الموقف الذي طرحته ليبيا خلال المفاوضات.
ومع ذلك، أوضح الحراري أن إدراج بنود تسمح بتعديل الامتيازات عند تغير الحدود البحرية يُعد ممارسة معروفة في صناعة النفط والغاز، بهدف الحد من المخاطر القانونية على الشركات.
القانون الدولي.. هل تمتلك كريت حقوقًا بحرية كاملة؟
يمثل الوضع القانوني لجزيرة كريت أحد المحاور الرئيسية للنزاع.
فالمادة 121 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تقرر، من حيث الأصل، تمتع الجزر بحقوق بحرية تشمل البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، مع استثناء يتعلق ببعض الصخور غير القادرة على إعالة سكن بشري أو حياة اقتصادية خاصة بها.
لكن امتلاك الجزيرة حقوقًا بحرية لا يعني بالضرورة منحها تأثيرًا كاملًا في جميع حالات ترسيم الحدود بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة.
فقد تأخذ المحاكم الدولية في الاعتبار الظروف الجغرافية وطول السواحل وموقع الجزر، بهدف الوصول إلى حل منصف.
ويستند الجانب الليبي إلى مبادئ الإنصاف والظروف الجغرافية ذات الصلة، مع الاستشهاد بأحكام دولية سابقة، من بينها النزاع بين ليبيا وتونس عام 1982، والنزاع بين ليبيا ومالطا عام 1985.
ويرى أستاذ القانون الدولي بجامعة عمر المختار محمد علي الطشاني أن الحقوق البحرية للدول لا تنشأ من اتفاقيات الترسيم نفسها، وإنما تحدد هذه الاتفاقيات نطاق الحقوق المتداخلة بين الدول.
وفي المقابل، تؤكد أستاذة القانون الدولي بجامعة أثينا ماريا غافونيلي أن الجزر تتمتع بحقوق بحرية، مع إمكانية اختلاف تأثيرها عند الترسيم وفق الظروف الجغرافية.
وتشدد على أن جزيرة كبيرة ومأهولة مثل كريت لا يمكن التعامل معها بالضرورة بالطريقة نفسها التي يجري بها التعامل مع جزر صغيرة غير مأهولة.
ومن هنا، فإن النزاع لا يتعلق بوجود حقوق بحرية لكريت من حيث المبدأ، بل بكيفية تحديد أثرها عند رسم الحدود النهائية مع ليبيا.
المفارقة الكبرى.. ليبيا تتعاون مع شيفرون رغم اعتراضها على امتيازاتها
بعيدًا عن الخلافات القانونية، تبرز علاقة شيفرون بالمؤسسة الوطنية للنفط الليبية بوصفها واحدة من أكثر زوايا القضية إثارة للتساؤلات.
ففي 24 يناير 2026، وقعت شيفرون مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط لبحث فرص الاستكشاف والتطوير في المناطق البرية داخل ليبيا.
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أعلنت الشركة الأمريكية فوزها بمنطقة الاستكشاف البرية رقم 106 في حوض سرت، ضمن أول جولة عطاءات نفطية ليبية منذ عام 2007.
وفي مارس 2026، توسع التعاون ليشمل إجراء دراسة فنية للمنطقة البحرية NC146، التي وصفتها المؤسسة الوطنية للنفط بأنها منطقة غير مستكشفة وتحمل مؤشرات جيولوجية مشجعة.
ثم وقعت المؤسسة في 28 أبريل مذكرة تفاهم أخرى مع شيفرون لتقييم موارد النفط والغاز غير التقليدية في أحواض سرت ومرزق وغدامس.
وفي 24 أغسطس، أعلن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان توقيع اتفاقية مقاسمة إنتاج مع الشركة الأمريكية، في إطار تنفيذ نتائج جولة العطاءات.
وهكذا انتقلت العلاقة بين الطرفين من مذكرات تفاهم ودراسات فنية إلى اتفاقيات استثمارية أوسع.
واللافت أن هذه التطورات جرت بالتزامن مع استمرار اعتراض ليبيا على مناطق استكشاف تقودها الشركة الأمريكية نفسها جنوب كريت.
هل توجد ازدواجية في السياسة النفطية الليبية؟
تطرح العلاقة المتنامية بين شيفرون والمؤسسة الوطنية للنفط تساؤلات بشأن التنسيق بين السياسة النفطية والسياسة الخارجية في ليبيا.
فالمؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة التي أعدت التقرير الفني المرفق بالاعتراض الليبي المقدم إلى الأمم المتحدة بشأن امتيازات جنوب كريت.
وهي نفسها المؤسسة التي وقعت اتفاقيات ومذكرات تعاون مع الشركة الأمريكية العاملة في المناطق محل الاعتراض.
ولا يعني ذلك وجود مخالفة قانونية أو تضارب مصالح مثبت، كما لا توجد معلومات موثقة تؤكد أن المنطقة البحرية NC146 التي تدرسها شيفرون في ليبيا تتداخل جغرافيًا مع الامتيازات اليونانية.
لكن المفارقة تثير أسئلة بشأن ما إذا كانت المؤسسة قد ناقشت مع الشركة الأمريكية اعتراضات ليبيا على امتيازات جنوب كريت، أو أطلعتها على الخرائط والإحداثيات التي تستند إليها طرابلس.
كما تطرح تساؤلات بشأن التنسيق بين الجهات الليبية المختصة بالاستثمار النفطي والحدود البحرية قبل توسيع التعاون مع الشركة.
وزير نفط ليبي سابق ينتقد التعاون مع الشركة الأمريكية
انتقد وزير النفط والغاز الليبي السابق محمد أحمد عون استمرار التعاون مع شيفرون في ظل الخلاف بشأن امتيازاتها اليونانية.
وأشار إلى أن ليبيا لم تنفذ أعمال استكشاف مماثلة في المناطق البحرية المتنازع عليها، رغم استمرار المفاوضات مع اليونان منذ عام 2007 دون التوصل إلى تسوية نهائية.
وأوضح أنه سبق أن أثار ملف الاستكشاف اليوناني مع الجانب الأمريكي في يناير 2023، معتبرًا أن التعامل مع الشركات الدولية ينبغي أن يراعي طبيعة المطالبات البحرية الليبية.
وتعكس هذه الانتقادات خلافًا بشأن كيفية إدارة المصالح الاقتصادية للدولة في ظل النزاعات البحرية.
كما تبرز أهمية تطوير الدراسات الجيولوجية والمسوحات الفنية التي يمكن أن تدعم الموقف الليبي خلال المفاوضات المستقبلية.
غير أن عدم تنفيذ عمليات استكشاف لا يؤدي بذاته إلى سقوط الحقوق البحرية للدولة، إذ تخضع هذه الحقوق لقواعد القانون الدولي وليس لحجم النشاط النفطي وحده.
شيفرون تستعد للمسوحات الزلزالية.. وموعد حساس يقترب
تستعد شيفرون للانتقال من مرحلة العقود إلى مرحلة المسوحات الزلزالية، وهي الخطوة الأولى لجمع البيانات الجيولوجية وتحديد المواقع المحتملة لوجود النفط والغاز.
وفي سبتمبر 2026، أعلن وزير الطاقة اليوناني ستافروس باباستافروس أن الشركة تستهدف بدء برنامج المسح قبل نهاية العام.
وتشير الخطط المعلنة إلى بدء الأعمال في منطقة A2، ثم الانتقال إلى جنوب بيلوبونيز، قبل وصول سفن المسح إلى منطقتَي جنوب كريت خلال النصف الأول من عام 2027.
كما تحدثت تقارير يونانية مطلع نوفمبر عن توقع بدء العمليات قرابة منتصف ديسمبر 2026، باستخدام سفينة مسح تتحرك تدريجيًا من الغرب إلى الشرق.
وحتى 5 نوفمبر 2026، لم تكن هناك معلومات مؤكدة تفيد بأن عمليات المسح الزلزالي في منطقتَي جنوب كريت قد بدأت بالفعل.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية سياسية خاصة؛ لأنها قد تشهد دخول سفن تابعة لشركة أمريكية إلى مناطق تتداخل فيها المطالبات البحرية الليبية واليونانية.
لكن المسوحات الزلزالية لا تعني اكتشاف احتياطيات نفطية أو غازية تجارية، ولا تمثل بداية الإنتاج.
اتفاق تركيا وليبيا يعود إلى الواجهة
في 27 نوفمبر 2019، وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية مذكرة تفاهم لتحديد مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط.
وأثارت الاتفاقية اعتراضات واسعة من اليونان ومصر وقبرص، بسبب الخلاف حول الحقوق البحرية للجزر اليونانية ومدى تأثيرها في ترسيم الحدود.
وفي 20 أكتوبر 2026، وافق مجلس النواب الليبي، ومقره بنغازي، على الاتفاق البحري مع تركيا، متراجعًا عن موقف معارض استمر سنوات.
ومثل القرار تحولًا سياسيًا مهمًا في علاقات السلطات الشرقية الليبية بأنقرة، بعد سنوات من التباين بشأن الحرب الأهلية الليبية والتحالفات الإقليمية.
ويربط الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي هذا التحول بتنامي دور صدام حفتر في إدارة العلاقات الخارجية لمعسكر شرق ليبيا، وبالتفاهمات المتزايدة مع تركيا.
ويرى أن التقارب يرتبط أيضًا بحسابات القوى الليبية الداخلية وترتيبات السلطة المستقبلية، إلى جانب تغير موازين التأثير الإقليمي.
لكن هذه القراءة تظل تحليلًا سياسيًا، ولا تثبت وجود صفقة محددة تربط موافقة مجلس النواب الليبي بعقود شيفرون مع اليونان.
اليونان ومصر وقبرص تتحرك دبلوماسيًا
أثار قرار مجلس النواب الليبي اعتراضات إقليمية واسعة.
وفي 26 أكتوبر 2026، صدر موقف مشترك باسم اليونان ومصر وقبرص والبحرين والإمارات والاتحاد الأوروبي، يرفض الاتفاق البحري التركي الليبي، ويؤكد أنه لا يجوز لاتفاق ثنائي المساس بالحقوق البحرية لدول أخرى.
وفي المقابل، دافع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن الاتفاق، رافضًا الاعتراضات الأوروبية والإقليمية.
كما جدد رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس اعتراض بلاده على الاتفاق، معتبرًا أنه يتجاهل الجغرافيا والحقوق البحرية للجزر اليونانية.
ودعا ليبيا إلى التفاوض المباشر مع اليونان لترسيم الحدود البحرية بين البلدين.
وتتمسك أثينا بأن موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق لا تغير موقفها القانوني، ولا تجعلها ملزمة بحدود لم توافق عليها.
القاهرة وأثينا تبحثان توسيع اتفاق الحدود البحرية
في 4 نوفمبر 2026، أعلن وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس أن اليونان ومصر اتفقتا على بدء مناقشات فنية لتوسيع نطاق اتفاق ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة الموقع بين البلدين عام 2020.
وجاء الإعلان بعد نحو أسبوعين من موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق البحري مع تركيا.
ويعكس التحرك المصري اليوناني رغبة البلدين في تعزيز التنسيق بشأن مناطق شرق المتوسط، خصوصًا في ظل المطالبات البحرية المتداخلة.
لكن بدء المناقشات الفنية لا يعني التوصل إلى اتفاق جديد أو اعتماد حدود بحرية إضافية بصورة نهائية.
كما أن أي توسيع محتمل للاتفاق المصري اليوناني لا يحسم تلقائيًا النزاع القائم بين ليبيا واليونان بشأن مناطق جنوب كريت.
وتظل هذه المسألة بحاجة إلى معالجة قانونية وتفاوضية تراعي حقوق الدول المعنية.
هل تتحول شركات الطاقة إلى أدوات نفوذ سياسي؟
تثير مشاركة شيفرون في مشروعات التنقيب اليونانية والليبية تساؤلات بشأن دور الشركات الدولية الكبرى في النزاعات البحرية.
فاليونان تنظر إلى وجود شركة أمريكية كبرى في برنامجها الاستكشافي باعتباره عاملًا اقتصاديًا مهمًا يعزز جاذبية الاستثمار في قطاع الطاقة.
وفي المقابل، تسعى ليبيا إلى استقطاب الشركات الدولية لإعادة تنشيط قطاعها النفطي وزيادة قدراتها الإنتاجية والاستكشافية.
لكن منح شركة دولية امتيازًا للتنقيب لا يمنح الدولة التي أصدرت الترخيص حقوقًا بحرية جديدة في مواجهة الدول الأخرى.
كما أن استثمارات الشركات لا تحسم النزاعات القانونية المتعلقة بالجرف القاري أو المنطقة الاقتصادية الخالصة.
وتبقى الحدود البحرية خاضعة للاتفاقات الدولية والقواعد القانونية المعمول بها، وليس لحجم الاستثمارات أو جنسية الشركات العاملة في المنطقة.
هل يمكن أن تتحول الأزمة إلى مواجهة بحرية؟
تزداد المخاوف من وقوع احتكاكات في شرق المتوسط مع اقتراب بدء الأنشطة الاستكشافية في المناطق المتنازع عليها.
فاليونان تتمسك بحقها في تنفيذ برامج التنقيب، بينما تحذر ليبيا من أن الأنشطة الأحادية قد تؤثر سلبًا في المفاوضات.
كما أن الاتفاق التركي الليبي يمنح الأزمة بعدًا إقليميًا إضافيًا، في ظل التباين بين أنقرة وأثينا بشأن تفسير قواعد ترسيم الحدود البحرية.
ومع ذلك، لا توجد في المعطيات الواردة حتى الآن أدلة كافية على أن مواجهة عسكرية أصبحت وشيكة.
وتظل القنوات الدبلوماسية والمفاوضات الثنائية والآليات القانونية الدولية الخيارات الأساسية لتسوية النزاع.
وقد تلعب المصالح الاقتصادية المشتركة دورًا في تجنب التصعيد، خصوصًا أن أي مواجهة بحرية قد تؤثر على الاستثمارات وحركة الملاحة وأسواق الطاقة.
الخلاصة.. شيفرون تكشف تناقضات المصالح في شرق المتوسط
تكشف أزمة التنقيب جنوب جزيرة كريت عن تداخل غير مسبوق بين المصالح النفطية والنزاعات البحرية والتحالفات السياسية في شرق المتوسط.
فليبيا تتمسك باعتراضاتها على امتيازات يونانية تعتبر أجزاء واسعة منها متداخلة مع مطالباتها البحرية، لكنها في الوقت نفسه توسع تعاونها الاستثماري مع الشركة الأمريكية التي تقود عمليات الاستكشاف في تلك المناطق.
وتزيد العقود اليونانية تعقيد المشهد، بعدما تضمنت بندًا يسمح بتعديل الامتيازات مستقبلًا إذا تغيرت الحدود البحرية، وهو ما يؤكد أن المخاطر المرتبطة بالترسيم كانت حاضرة في الحسابات التعاقدية.
وفي الوقت نفسه، أعادت موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاق البحري مع تركيا تنشيط المواجهة الدبلوماسية مع اليونان ومصر وقبرص، بينما تستعد القاهرة وأثينا لمباحثات فنية جديدة بشأن حدودهما البحرية.
وتبقى المفارقة الكبرى أن الشركة الأمريكية أصبحت شريكًا استثماريًا لليبيا، وفي الوقت نفسه تقود مشروعًا يونانيًا تعترض عليه طرابلس رسميًا.
وبين خرائط السيادة وعقود النفط وتحالفات القوى الإقليمية، يبدو أن مستقبل جنوب كريت لن يتحدد فقط بما تكشفه المسوحات الجيولوجية من موارد محتملة، وإنما أيضًا بقدرة الدول المعنية على التوصل إلى تسوية قانونية تحدد الحقوق البحرية لكل طرف.
المصادر والمراجع
1. الأمم المتحدة – المذكرة الليبية رقم A/79/960 بتاريخ 20 يونيو 2025. تتضمن الاعتراض الليبي على مناطق الاستكشاف اليونانية والتقرير الفني للمؤسسة الوطنية للنفط.
2. الأمم المتحدة – المذكرة اليونانية رقم A/79/983 بتاريخ 5 أغسطس 2025. تتضمن الرد اليوناني على المطالبات البحرية الليبية.
3. الأمم المتحدة – اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية الليبية لعام 2019. النص المسجل للاتفاقية وتفاصيلها القانونية.
4. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. المرجع القانوني للحقوق البحرية والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وخاصة المواد 74 و83 و121.
النص الرسمي لاتفاقية قانون البحار
5. عربي بوست – تحقيق صابر بن عامر، 5 نوفمبر 2026. يتناول تفاصيل عقود شيفرون، والمادة 30.3، ومواقف المسؤولين والخبراء الليبيين واليونانيين، والتعاون النفطي بين الشركة وليبيا.






