إن استهداف الأبرياء ودور العبادة جريمة مدانة لا تبررها راية دينية أو سياسية.

والاعتداء المنسوب إلى مهند الحموري في شارع المدينة المنورة، والهجوم على كنيسة في الكرك، يبرزان خطورة الفكر التكفيري الذي يقسم الناس إلى مؤمنين وكفار، ويجعل المجتمع كله هدفًا محتملًا.

هذا الفكر منحرف، ومن يختار العنف يتحمل مسؤوليته كاملة.

ولفهم امتداد هذه الظاهرة، لا بد من قراءة تاريخ الإسلاميين في الجامعات والنقابات المهنية في مصر والأردن.

ففي مصر، اتسع نشاط الجماعات الإسلامية الطلابية في عهد أنور السادات، الذي استفاد من حضورها لموازنة التيارين الناصري واليساري، ثم تعزز نفوذها في نقابات مهنية.

وفي الأردن، برز الإسلاميون في الجامعات والنقابات ضمن مرحلة استخدمت فيها الدولة قوى محافظة لموازنة اليساريين والقوميين والتنظيمات الفلسطينية.

لم يكن كل من شارك في هذه المؤسسات متطرفًا، لكن توظيف القوى السياسية لمواجهة الخصوم قد يوسّع نفوذها ويمنحها قدرة تتجاوز حسابات السلطة.

بدأت الجماعة الإسلامية في مصر مبادرتها لوقف العنف في ٥ يوليو ١٩٩٧، في عهد الرئيس حسني مبارك ثم أُقرت عام ١٩٩٩.

ومن دروسها أن إعلان وقف العنف لا يكفي: لا بد من مراجعة صريحة للأفكار التي شرعنت التكفير وقتل المدنيين، وقيادة تحظى بمصداقية، ومتابعة تمنع عودة العنف وتدعم الاندماج السلمي.

وقد كان النجاح جزئيًا؛ فالمراجعات ساعدت قطاعات على التخلي عن العنف، لكنها لم تمنع أفرادًا أو جماعات أخرى من التشدد.

ولا يصنع التعليم الجامعي التطرف، كما لا يحصّن منه. قد يمنح صاحبه أدوات للتنظيم والتخطيط، لكن توجيهها يتأثر بالتحريض وشبكات التجنيد والشعور بالإقصاء والظروف الاقتصادية والسياسية.

لذلك لا يجوز وصم المهندسين أو الأطباء أو المتدينين، ولا تعفي الشهادة صاحبها من المسؤولية إذا اختار العنف.

وفي الأردن، تتداخل عوامل مثل التهميش والبطالة وضعف المشاركة السياسية مع أثر الشبكات الاجتماعية والتجنيد والخطابات العابرة للحدود؛ ولا يفسر عامل منفرد وحده الانخراط في التطرف.

ويطرح صعود أحمد الشرع، المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، سؤالًا سياسيًا صعبًا: كيف يتحول قائد ارتبط سابقًا بتنظيم القاعدة، ورُصدت مكافأة أمريكية قدرها «١٠ ملايين دولار» لمن يدلي بمعلومات تقود إلى القبض عليه، إلى رئيس لسوريا تستقبله عواصم عربية ودولية؟

المكافأة الأمريكية أُوقفت بعد بدء التواصل معه أواخر عام ٢٠٢٤، ثم عُيّن رئيسًا للمرحلة الانتقالية عام ٢٠٢٥.

التفسير سياسي قبل أن يكون أخلاقيًا: سعت دول إلى التعامل مع القوة التي أمسكت بزمام الحكم، وتفادي الفوضى، وضمان تعاون أمني وانتقال سياسي.

لكن الاعتراف السياسي لا يمحو الماضي ولا يثبت وحده تحولًا فكريًا؛ والحكم على هذا التحول يكون بالأفعال، واحترام حقوق الناس، وحماية الأقليات، ورفض العنف، لا بالمصافحات والبيانات.

أما برامج التأهيل في السجون الأردنية، فلا يصح إعلان فشلها جميعًا بالكامل المطلق من دون تقييم معلن وموثوق؛ لكن قصورها محتمل حين تكتفي بالمحاضرات أو الإقرار الشكلي، ولا تعالج جذور التكفير، أو تفتقر إلى التقييم الفردي والمتابعة بعد الإفراج.

المطلوب مراجعة مستقلة تقيس النتائج وتكشف أوجه الخلل.

وتفرض الاعتداءات مراجعة أمنية جادة: كيف وقعت؟ وهل أُهملت مؤشرات؟ ومتى تستخدم الأسلحة وتعريف الجاهزية؟

إن رجال الأمن حماة الوطن، الذين نعتز ونفتخر بهم، وتقديرهم لا يتعارض مع محاسبة كل من يثبت تقصيره.

والمسؤولية تمتد من وزارة الداخلية إلى التربية والتعليم والثقافة والأوقاف والإعلام.

ماذا فعل هؤلاء الوزراء طوال سنوات لمعالجة قضايا الشباب والوقاية من التطرف؟

الشارع غير متوافق مع الحكومة وناقد لأفعالها وغير مطمئن لفعالياتها وقدراتها على إدارة المرحلة والإنجاز وينتظر تغيير الحكومة إلى حكومة قوية ذات استراتيجية وطنية واضحة، ومحاسبة كل من قصّر فيها، مهما كان موقعه.

الأردن ملكًا وشعبًا مع الأمن والاستقرار، ومع مواجهة التطرف بحزم وعدالة، فالوطن فوق كل معتدٍ متطرف أثيم، لا مهادنة ولا إعفاء ولا مقايضة وتعتيم.

الأمس دور عبادة واليوم رجل أمن وغدًا ماذا؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن ننتبه إليه جميعًا ونقف يدًا واحدة مع الأمن والأمان.