شهدت فرنسا، السبت 7 نوفمبر 2026، موجة جديدة من الاحتجاجات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، بمشاركة آلاف المتظاهرين في باريس ومدن أخرى، وسط انتشار أمني واسع شمل 70 ألف عنصر من الشرطة وقوات الأمن، قبل اجتماع مرتقب بين الحكومة والنقابات وأرباب العمل لبحث زيادة الأجور.
وتأتي التحركات الاحتجاجية في ظل تصاعد المطالب الاجتماعية بتحسين مستويات الدخل ودعم الشباب وزيادة الإنفاق على التعليم، بينما تواجه الحكومة الفرنسية ضغوطًا سياسية متزايدة قبل أقل من ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وبحسب تقديرات أولية صادرة عن مصادر مقربة من وزارة الداخلية، شارك نحو 7 آلاف شخص في 68 تظاهرة خارج العاصمة حتى الساعات الأولى من بعد الظهر، دون احتساب المشاركين في مسيرة باريس.
ووصفت المصادر المشاركة بأنها شهدت تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالأسابيع الثلاثة الماضية، رغم استمرار الاحتجاجات واتساع نطاق المطالب الاجتماعية.
مسيرات في باريس وتوقيف أحد قادة السترات الصفراء
شهدت العاصمة باريس مسيرة مرخصة دعت إليها نقابات شبابية ومحلية، انطلقت من ساحة الجمهورية باتجاه ساحة الأمة، تحت شعار «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب».
وسارت المسيرة بهدوء خلال ساعات بعد الظهر، في وقت فرضت فيه الشرطة إجراءات أمنية مشددة بمحيط عدد من المواقع الحكومية والبرلمانية.
وفي ساحة الكونكورد القريبة من مقر الجمعية الوطنية الفرنسية، تجمع نحو 100 شخص استجابة لدعوة أطلقتها تنسيقية حركة «السترات الصفراء»، رغم قرار السلطات حظر التظاهر في المنطقة.
وطوقت قوات الشرطة المشاركين في التجمع، وأوقفت أحد قادة الحراك أمام مقر الجمعية الوطنية، في ظل مخاوف أمنية من تكرار أعمال العنف التي شهدتها احتجاجات سابقة.
وكانت حركة السترات الصفراء تعتزم تنظيم نحو 120 تحركًا احتجاجيًا في مختلف أنحاء البلاد، بعد موجة واسعة من الاحتجاجات شهدت نحو 1700 تحرك في 17 أكتوبر الماضي، تخللت بعضها أعمال شغب ونهب.
انتشار أمني واسع في مختلف أنحاء فرنسا
دفعت السلطات الفرنسية بنحو 70 ألف عنصر من الشرطة وقوات الأمن لتأمين الاحتجاجات ومنع وقوع اضطرابات.
وأعلنت مديرية شرطة باريس تنفيذ 847 عملية تفتيش في محطات القطارات بالعاصمة ومحيطها حتى الساعة الحادية عشرة صباحًا.
وفي مدينة رين غربي فرنسا، قررت السلطات حظر التظاهر وسط المدينة، بعد أعمال عنف شهدتها المنطقة الخميس الماضي.
وتعكس هذه الإجراءات مخاوف الحكومة من تحول الاحتجاجات الاجتماعية إلى مواجهات أمنية، خاصة مع استمرار الدعوات إلى تنظيم تحركات جديدة خلال الأيام المقبلة.
النقابات تطالب بزيادة الحد الأدنى للأجور 100 يورو
تتصدر قضية الأجور مطالب المحتجين، إذ دعت الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل، إحدى أكبر المنظمات النقابية في البلاد، إلى زيادة صافية قدرها 100 يورو في الحد الأدنى للأجور.
ومن المقرر أن يعقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو مؤتمرًا اجتماعيًا صباح الاثنين 9 نوفمبر، بمشاركة ممثلي النقابات وأرباب العمل، لبحث المطالب المتعلقة بالأجور وتحسين القدرة الشرائية.
كما يعتزم لوكورنو الاجتماع بممثلي المنظمات الطلابية بعد ظهر اليوم نفسه، في محاولة لاحتواء الاحتجاجات التي امتدت من المؤسسات التعليمية إلى الشوارع.
وأبدت الحكومة استعدادًا مبدئيًا للنظر في إجراءات تتعلق بالحد الأدنى للأجور، دون الإعلان عن التزامات محددة حتى الآن.
ومن المنتظر أن تعلن النقابات الوطنية الثماني الرئيسية موقفها من المقترحات الحكومية مساء الاثنين، بعد تقييم نتائج الاجتماعات.
احتجاجات بدأت من المدارس وامتدت إلى الشوارع
بدأت موجة الاحتجاجات الحالية بتحركات نظمها طلاب المدارس الثانوية اعتراضًا على أوضاع التعليم، قبل أن تتسع لتشمل مطالب تتعلق بالأجور وغلاء المعيشة وتحسين الخدمات العامة.
ودعت اتحادات تمثل الطلاب والمعلمين إلى تنظيم إضراب جديد الثلاثاء 10 نوفمبر، للمطالبة بزيادة الإنفاق الحكومي على التعليم وتحسين أوضاع المؤسسات التعليمية.
وأكد ممثلو النقابات أن استمرار التعبئة الاحتجاجية سيتوقف على مدى استجابة الحكومة لمطالب العاملين والشباب والمتقاعدين.
واعتبرت ماريليز ليون، الأمينة العامة للكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل، أن حجم المشاركة في الاحتجاجات الأخيرة ينبغي أن يدفع الحكومة إلى اتخاذ خطوات ملموسة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
أزمة اجتماعية تضغط على الحكومة قبل الانتخابات الرئاسية
تواجه حكومة سيباستيان لوكورنو الاحتجاجات في ظل افتقارها إلى أغلبية برلمانية داخل الجمعية الوطنية، ما يزيد صعوبة تمرير إجراءات اقتصادية واجتماعية قد تتطلب توافقًا بين القوى السياسية.
وتكتسب الأزمة أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في 2027 لاختيار خلف للرئيس إيمانويل ماكرون.
وتتصدر مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف، استطلاعات الرأي، بينما يسعى جان لوك ميلانشون، أحد أبرز رموز اليسار الراديكالي، إلى الاستفادة من تصاعد الغضب الاجتماعي مع إطلاق حملته الانتخابية.
وتضع الاحتجاجات الحكومة الفرنسية أمام اختبار سياسي واقتصادي، إذ يتعين عليها الموازنة بين الاستجابة لمطالب زيادة الأجور وتحسين الخدمات العامة، وبين الضغوط المرتبطة بالإنفاق الحكومي.
وتتجه الأنظار إلى اجتماعات الاثنين المقبل باعتبارها محطة مهمة لتحديد مسار الأزمة، وسط احتمالات باستمرار الاحتجاجات والإضرابات إذا لم تقدم الحكومة إجراءات تلبي مطالب النقابات والمحتجين.




