تصاعد الخلاف بين السلطات السودانية في بورتسودان والولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية رفض واشنطن منح قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، وسط جدل قانوني وسياسي بشأن التزامات الدولة المضيفة للمنظمة الدولية، وتأثير العقوبات الأمريكية المفروضة على البرهان.

ونقلت السلطات السودانية القضية إلى اللجنة السادسة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، مطالبة باتخاذ تدابير قانونية ومؤسسية بحق الولايات المتحدة، باعتبارها الدولة المضيفة لمقر المنظمة.

وقال ممثل السودان، عمار محمود، خلال جلسة عقدتها اللجنة الجمعة لمناقشة تقرير لجنة العلاقات مع البلد المضيف، إن رفض إصدار التأشيرة حال دون مشاركة البرهان في اجتماعات الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة خلال سبتمبر الماضي.

واعتبر محمود أن القرار الأمريكي يمثل إخلالًا باتفاق مقر الأمم المتحدة الموقع عام 1947، والذي ينظم التزامات الولايات المتحدة تجاه ممثلي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية.

وتأتي هذه الأزمة في ظل استمرار العقوبات الأمريكية المفروضة على البرهان، والخلافات بشأن شرعية السلطة التي يقودها منذ الإجراءات العسكرية التي اتخذها في أكتوبر 2021.

عقوبات أمريكية واتهامات بانتهاكات ضد المدنيين

كانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عقوبات على عبد الفتاح البرهان في يناير 2025، بموجب أمر تنفيذي يستهدف الأشخاص المتهمين بزعزعة استقرار السودان وتقويض الانتقال الديمقراطي.

واتهمت الوزارة قوات الجيش السوداني، تحت قيادة البرهان، بتنفيذ هجمات أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، شملت غارات استهدفت مدارس وأسواقًا ومستشفيات، فضلًا عن عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة من الحرب.

كما اتهمت السلطات الأمريكية الجيش باستخدام الحرمان من الغذاء وسيلة في النزاع المسلح، وأشارت إلى استنتاجات أعلنتها وزارة الخارجية الأمريكية في ديسمبر 2023 بشأن ارتكاب عناصر من الجيش السوداني جرائم حرب.

ووجهت واشنطن انتقادات إلى البرهان بسبب استمرار العمليات العسكرية وعدم إحراز تقدم في مسار المفاوضات الرامية إلى وقف الحرب.

وتواجه أطراف النزاع السوداني اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، في وقت تتواصل فيه الدعوات الدولية إلى وقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

خلاف بشأن شرعية قيادة السودان

يرتبط الجدل حول مشاركة البرهان في اجتماعات الأمم المتحدة بالخلاف بشأن وضعه السياسي منذ 25 أكتوبر 2021، عندما اتخذ الجيش إجراءات أدت إلى إنهاء الشراكة الانتقالية بين المكونين المدني والعسكري.

وشملت تلك الإجراءات اعتقال رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وعدد من المسؤولين المدنيين، وتعطيل مؤسسات الحكم الانتقالي، قبل أن تدخل البلاد لاحقًا في حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.

وتقدم السلطات السودانية في بورتسودان البرهان بصفته رئيس مجلس السيادة الانتقالي وممثلًا رسميًا للدولة السودانية.

في المقابل، يشكك معارضون سياسيون وحقوقيون في شرعية استمراره في السلطة، معتبرين أن الإجراءات العسكرية التي اتخذها عام 2021 أنهت الأساس الدستوري للشراكة الانتقالية التي تولى بموجبها منصبه.

وقال الناشط السياسي السوداني المقيم في الولايات المتحدة فيصل محمد نور إن البرهان يسعى، من خلال المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، إلى تقديم نفسه أمام المجتمع الدولي باعتباره رئيسًا للسودان.

واعتبر نور أن رفض منحه التأشيرة يحمل رسالة سياسية تتعلق بموقف واشنطن من الانقلاب العسكري واستمرار الحرب، مؤكدًا أن المشاركة في المحافل الدولية لا تمنح وحدها شرعية سياسية لأي سلطة.

جدل قانوني حول اتفاق مقر الأمم المتحدة

تثير القضية تساؤلات بشأن مدى أحقية الولايات المتحدة في رفض دخول مسؤول يمثل دولة عضوًا في الأمم المتحدة، خاصة أن اتفاق المقر لعام 1947 يتضمن التزامات تتعلق بتسهيل وصول ممثلي الدول إلى مقر المنظمة.

ويرى قانونيون أن الاتفاق يفرض على الدولة المضيفة عدم وضع عراقيل أمام مشاركة ممثلي الدول الأعضاء في الاجتماعات الرسمية.

وسبق أن أكد المستشار القانوني للأمم المتحدة أن حق الأشخاص المشمولين بالمادة الحادية عشرة من اتفاق المقر في دخول الولايات المتحدة بغرض الوصول إلى مقر المنظمة غير مقيد.

في المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بصلاحياتها المتعلقة بالأمن القومي وتنظيم دخول الأجانب إلى أراضيها، وهو ما يفتح باب الخلاف بشأن حدود هذه الصلاحيات عندما يتعلق الأمر بممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

ويشير مختصون إلى أن فرض عقوبات أمريكية على مسؤول أجنبي لا يحسم تلقائيًا مسألة منحه تأشيرة للمشاركة في اجتماعات المنظمة الدولية، إذ تظل هناك التزامات قانونية مستقلة بموجب اتفاق المقر.

مطالب حقوقية بوقف الحرب والتحقيق في الانتهاكات

من جانبه، قال المحامي والناشط الحقوقي السوداني عادل السر إن الخلاف لا يتعلق بحرمان السودان من التمثيل في الأمم المتحدة، وإنما بمشاركة قائد عسكري تواجه القوات الخاضعة لقيادته اتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة.

ودعا السر إلى إعطاء الأولوية لحماية المدنيين وحقوق ضحايا الحرب، مطالبًا بوقف العمليات العسكرية وفتح الممرات الإنسانية والسماح بإجراء تحقيقات دولية مستقلة في الانتهاكات المرتبطة بالنزاع.

كما طالب بالتحقيق في الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة محرمة دوليًا، والعمل على إنهاء الحرب وإعادة السلطة إلى المدنيين.

وتأتي هذه المطالب في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في السودان، وتصاعد الضغوط الدولية على أطراف النزاع للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإتاحة وصول المساعدات إلى السكان المتضررين.

خلاف مفتوح بين واشنطن وبورتسودان

يعكس انتقال قضية تأشيرة البرهان إلى الأمم المتحدة اتساع الخلاف بين واشنطن والسلطات السودانية، ليتجاوز العلاقات الثنائية إلى تفسير الالتزامات القانونية للدولة المضيفة للمنظمة الدولية.

وتتمسك السلطات السودانية بحق ممثلها في المشاركة بالاجتماعات الأممية، بينما تظل العقوبات الأمريكية والاتهامات المتعلقة بالحرب والانتقال السياسي عوامل مؤثرة في العلاقات بين الجانبين.

ولم يتضح بعد ما إذا كانت مناقشة القضية داخل اللجنة السادسة ستؤدي إلى إجراءات إضافية بشأن تطبيق اتفاق المقر، أم ستظل ضمن الخلافات الدبلوماسية والقانونية بين الولايات المتحدة والسلطات السودانية.