ترجمة وتحرير موقع أخبار الغد
كشف تحقيق صحفي فرنسي موسع، نُشر الأحد 8 نوفمبر 2026، عن تحول الحبوب إلى أداة رئيسية في الصراع الجيوسياسي بين روسيا وأوكرانيا، وسط تصاعد الهجمات على السفن التجارية وتعطل ممرات التصدير في البحر الأسود، ما يهدد الأمن الغذائي العالمي ويضع مصر، أحد أكبر مستوردي القمح في العالم، أمام تحديات اقتصادية ودبلوماسية متزايدة.
وسلط التحقيق الضوء على اعتماد القاهرة الكبير على القمح الروسي والأوكراني، وارتفاع تكلفة الواردات، والضغوط التي تمارسها كييف لمنع وصول الحبوب القادمة من الأراضي الأوكرانية الخاضعة للسيطرة الروسية إلى الأسواق الدولية.
مصر تواجه ارتفاع أسعار القمح وتراجع المخزون الاستراتيجي
تستورد مصر سنويًا ما بين 12 و13 مليون طن من القمح، وتعتمد قطاعات واسعة من سكانها على منظومة الخبز المدعوم.
وخلال الأسبوع الذي بدأ في 19 أكتوبر الماضي، اضطرت القاهرة إلى شراء خمس شحنات من الحبوب الأوروبية، خصوصًا من فرنسا ورومانيا، في أول عملية شراء للقمح ينفذها جهاز «مستقبل مصر» الحكومي منذ مايو.
وجاءت هذه الخطوة في ظل ضغوط على المخزون الاستراتيجي، رغم توقعات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة بوصول الإنتاج المحلي المصري إلى مستوى قياسي يبلغ 10.2 مليون طن خلال عام 2026.
ونقل التحقيق عن تاجر الحبوب والمتخصص في السوق المصرية هشام سليمان أن سعر طن القمح تراوح بين 300 و400 دولار، بزيادة تقارب 100 دولار مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وتتفاقم الضغوط على فاتورة الاستيراد المصرية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات التجارة البحرية، بالتزامن مع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران والقيود المفروضة فعليًا على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
84% من واردات مصر تأتي من روسيا وأوكرانيا
تُظهر الأرقام الواردة في التحقيق أن روسيا وأوكرانيا وفرتا نحو 84% من واردات القمح المصرية خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026.
وتمنح هذه النسبة البلدين تأثيرًا كبيرًا على الأمن الغذائي المصري، خصوصًا أن القاهرة تعتمد على الاستيراد لتلبية جانب أساسي من احتياجاتها.
ويتمتع القمح الروسي بمزايا تنافسية في السوق المصرية، تشمل انخفاض الأسعار نسبيًا، وقصر مسافات الشحن، وارتفاع جودة الحبوب ومحتواها البروتيني.
كما ترتبط القاهرة وموسكو بعلاقات استراتيجية تشمل التعاون العسكري ومشروع محطة الضبعة النووية الذي تنفذه شركة روساتوم الروسية.
البحر الأسود يتحول إلى ساحة حرب على الغذاء
شهد البحر الأسود تصعيدًا عسكريًا جديدًا منذ يونيو 2026، مع تزايد الهجمات على السفن التجارية والبنية التحتية للموانئ.
وبحسب التحقيق، تعرض نحو 50 سفينة للاستهداف خلال يونيو ويوليو، فيما أسفرت ضربة روسية استهدفت سفينة محملة بالذرة في 19 يوليو عن مقتل عشرة أشخاص.
وأدت المخاطر الأمنية إلى تعليق بعض شركات الشحن والتأمين عملياتها في الموانئ الأوكرانية.
وامتدت الحوادث إلى مناطق بحرية قريبة من رومانيا وبلغاريا، ما زاد صعوبة نقل الحبوب إلى الأسواق العالمية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن روسيا وأوكرانيا تستحوذان معًا على أكثر من ربع صادرات القمح العالمية.
الحبوب سلاح اقتصادي ودبلوماسي
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، أصبحت السيطرة على إنتاج الحبوب وطرق تصديرها أحد أوجه الصراع.
وتسعى موسكو إلى الحفاظ على نفوذها في أسواق الغذاء العالمية، بينما تحاول كييف حماية صادراتها الزراعية ومنع الاستفادة الاقتصادية من المحاصيل المنتجة في الأراضي المحتلة.
وقد تسبب الحصار البحري الروسي للموانئ الأوكرانية في بداية الحرب في تعطيل تصدير ملايين الأطنان من الحبوب.
وحذر برنامج الأغذية العالمي في يونيو 2022 من احتمال دخول عشرات الملايين من الأشخاص الإضافيين في دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد نتيجة تداعيات الحرب.
وفي محاولة لتجاوز الحصار، أنشأ الاتحاد الأوروبي ممرات بديلة لنقل الحبوب الأوكرانية عبر السكك الحديدية والطرق البرية ونهر الدانوب.
كما سمح اتفاق الحبوب الذي جرى التوصل إليه بوساطة تركية وأممية في يوليو 2022 باستئناف صادرات الغذاء عبر موانئ أوكرانية رئيسية، قبل انسحاب روسيا منه في يوليو 2023.
اتهامات أوكرانية بشأن الحبوب القادمة من الأراضي المحتلة
خصص التحقيق مساحة واسعة للاتهامات الأوكرانية المتعلقة باستيلاء روسيا على محاصيل ومعدات زراعية وصوامع في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وتقول جهات أوكرانية ومنظمات تحقيق مستقلة إن بعض الحبوب المنتجة في هذه المناطق يجري نقلها وبيعها عبر شبكات تجارية تستخدم وثائق منشأ روسية.
وبحسب تقديرات أوردها التحقيق، أنتجت مناطق أوكرانية محتلة أو خاضعة جزئيًا للسيطرة الروسية ملايين الأطنان من القمح خلال عامي 2023 و2024.
وتتهم كييف موسكو بالاستفادة من هذه التجارة في تمويل عملياتها العسكرية، بينما تسعى السلطات الأوكرانية إلى تتبع السفن والشركات المرتبطة بها.
مصر أمام معضلة دبلوماسية
برز اسم مصر ضمن الدول التي تراقب أوكرانيا وصول شحنات الحبوب إليها، إلى جانب دول أخرى بينها تركيا ولبنان وبنغلاديش وسوريا.
ويستعيد التحقيق واقعة تعود إلى مايو 2022، عندما رفضت السلطات المصرية تفريغ شحنة قمح على متن سفينة اشتبهت أوكرانيا في تحميلها من شبه جزيرة القرم.
كما يشير إلى أن السفارة الأوكرانية بالقاهرة قدمت خلال صيف 2025 معلومات عن سفن وشركات تتهمها بالمشاركة في تجارة الحبوب القادمة من المناطق المحتلة.
ونقل التحقيق عن هشام سليمان أن البنك المركزي المصري أصدر في سبتمبر 2025 تعليمات للبنوك بعدم سداد مدفوعات مقابل الحبوب المنتجة في الأراضي الأوكرانية الخاضعة للاحتلال الروسي.
وفي المقابل، واصلت القاهرة استيراد القمح الروسي، مدفوعة بالاعتبارات السعرية والتجارية واحتياجات السوق المحلية.
اتصالات بين القاهرة وموسكو وكييف
أشار التحقيق إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عرض، خلال لقاء مع وزير الزراعة المصري في أبريل 2026، تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة الحبوب والطاقة.
وفي اليوم التالي، أجرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتصالًا مع عبد الفتاح السيسي، أعلن بعده أن مصر لن تشتري حبوبًا مسروقة من الأراضي الأوكرانية.
لكن الخلافات بشأن منشأ بعض الشحنات استمرت.
وفي يوليو، حذرت كييف القاهرة من سفينة اشتبهت في نقلها حبوبًا من مناطق محتلة، فيما أكدت السلطات المصرية أن السفينة لم تفرغ حمولتها.
وتوضح هذه الوقائع حساسية الموقف المصري، الذي يجمع بين الحاجة إلى ضمان إمدادات القمح والحفاظ على العلاقات الاقتصادية والسياسية مع طرفي الحرب.
أوكرانيا تطور وسائل علمية لكشف منشأ الحبوب
في محاولة لمواجهة تجارة الحبوب محل النزاع، طورت أوكرانيا آلية علمية لتحليل العناصر الدقيقة الموجودة في التربة والمترسبة على الحبوب.
وتستهدف هذه التقنية تحديد المناطق الجغرافية التي أُنتجت فيها المحاصيل، بما يساعد في التحقق من منشأ الشحنات.
وتقول السلطات الأوكرانية إنها عملت على تطوير هذه الوسائل بالتعاون مع شركاء بريطانيين، في إطار جهود أوسع لملاحقة تجارة المحاصيل القادمة من الأراضي المحتلة.
طرق شحن بديلة وتكاليف أعلى
دفعت اضطرابات البحر الأسود روسيا وأوكرانيا إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير الحبوب.
واعتمدت روسيا بصورة أكبر على بعض موانئ بحر البلطيق وبحر قزوين والشرق الأقصى، لكن هذه المسارات تتطلب رحلات أطول وتكاليف نقل إضافية.
وبالنسبة إلى مصر، أورد التحقيق أن تكلفة شحن الحبوب من موانئ البلطيق ارتفعت بنحو 30% إلى 35% مقارنة بالشحن من البحر الأسود قبل التصعيد الأخير.
أما أوكرانيا، فقد وسعت استخدام الممرات الأوروبية البرية والنهرية، لكنها لا توفر القدرة الاستيعابية نفسها التي كانت تتمتع بها موانئ البحر الأسود قبل الحرب.
وتؤثر هذه الاختناقات على تكاليف التصدير وأرباح المنتجين الزراعيين، كما تزيد احتمالات ارتفاع أسعار الغذاء في الدول المستوردة.
الأمن الغذائي العالمي أمام مخاطر مستمرة
يرسم التحقيق صورة لصراع لم يعد مقتصرًا على السيطرة العسكرية على الأراضي، بل امتد إلى المحاصيل والموانئ والسفن وشركات التأمين وطرق التجارة الدولية.
وتبقى مصر من أكثر الدول تعرضًا لتداعيات هذا الصراع، بسبب حجم احتياجاتها من القمح واعتمادها الكبير على الإمدادات القادمة من روسيا وأوكرانيا.
ومع استمرار الاضطرابات في البحر الأسود وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، تواجه الدول المستوردة تحديًا مزدوجًا يتمثل في ضمان وصول الحبوب والحفاظ على أسعار يمكن تحملها.
ويخلص التحقيق إلى أن حركة تجارة الحبوب العالمية أصبحت تتكيف مع واقع الحرب بدلًا من العودة إلى ظروفها الطبيعية، ما يجعل أي تصعيد جديد تهديدًا محتملًا للأمن الغذائي، خصوصًا في الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد.
المصدر: صحيفة لوموند الفرنسية – 8 نوفمبر 2026.



