
ليس جديدًا على مصر أن تقف مع السودان، لكن الجديد هذه المرة هو هذا الوضوح الصارم، وهذه اللغة التي لا تحتمل التأويل ولا تقبل المواربة.
بيان الرئاسة المصرية الأخير بشأن زيارة الرئيس عبد الفتاح البرهان إلى مصر، شعرتُ – كما شعر ملايين السودانيين – أنه لم يكن بيان مجاملات دبلوماسية،
بل موقفًا مشرفًا يشبه مصر وعظمة مصر وقيادتها؛ موقفًا يتحدث بلسان الأمن القومي، ويوجّه رسالة مباشرة لكل من يظن أن السودان ساحة مباحة أو دولة قابلة للكسر.
مصر، حكومةً وشعبًا، بل ومعارضةً أيضًا، لا تختلف في أمر السودان. هذه حقيقة يعرفها كل من عاش وجدان وادي النيل، وكل من قرأ التاريخ المشترك بين ضفتيه. نعم، قد تظهر أصوات شاذة هنا أو هناك، قلة حائرة تاهت بوصلتها، لكنها لا تمثل مصر ولا ضميرها الجمعي.
أتذكر جيدًا لقاءً تلفزيونيًا جمعني قبل أشهر بأحدهم على شاشة قناة ليبيا الأحرار، يدعى منير أديب، أطلق فيه سيلاً من السباب والشتائم تجاه المؤسسات السودانية، وعلى رأسها الفريق عبد الفتاح البرهان. يومها قلت له، باستغراب صادق: أعجب أن يصدر هذا الكلام من أحد الأشقاء في شمال وادي النيل العظيم.
فما بين السودان ومصر أكبر من الأشخاص، وأعمق من المهاترات، وأصلب من نزوات الخطاب الانفعالي.
جاء بيان الرئاسة المصرية اليوم ليؤكد أن تلك الأصوات لا وزن لها، وأن مصر الرسمية والشعبية تقف مع وحدة السودان، مع مؤسساته، مع سيادته، ومع حق شعبه في الحياة والكرامة.
وحديث القاهرة عن الخطوط الحمراء وربط أمنها القومي بالأمن القومي السوداني، خطوة مهمة لتحصين دولتنا التي تتعرض لمحاولة تفكيك ممنهجة. ولا نقول إنها متأخرة، بل نقول – كما تغنّى العملاق الراحل عبدالكريم الكابلي – مصر يا أخت بلادي يا شقيقة.
فحين تربط مصر أمنها القومي بالأمن القومي السوداني، فهي تقر حقيقة جغرافية وتاريخية وسياسية؛ لأن السودان ليس مجرد جار على الخريطة، بل عمق مصر الاستراتيجي. وبهذا الموقف، فإن مصر ليست وسيطًا محايدًا في هذه الحرب التي تستهدف الشعب السوداني، بل شريك مصير تجمعه بالسودان وشائج اجتماعية وتاريخية ضاربة في الجذور.
أثلج هذا البيان صدور السودانيين، لأنه وضع النقاط على الحروف.. لا للكيانات الموازية التي يسعى التمرد لفرضها، ولا للمساس بمؤسسات الدولة، ولا لتقسيم السودان، ولا لتجاوز الجرائم المرتكبة بحق المدنيين دون محاسبة.
سيدي الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم يتطلع الشعب السوداني إلى المزيد من هذا المواقف الواضحة…
المزيد من الضغط من أجل إنهاء التمرد ووقف النزيف،
المزيد من الدعم الإنساني المنظم،
والمزيد من الحضور السياسي الذي لا يساوم على وحدة الدولة السودانية.
ولعل سيادة الرئيس عبد الفتاح البرهان ظل يقول دائمًا وفي كل محفل : السودان لا يطلب وصاية، لكنه يقدّر الصديق. ولا ينتظر معجزات، لكنه يحتاج إلى مواقف ثابتة.
وما صدر من القاهرة هذه المرة… موقف يُكتب بماء النيل الخالد قبل حبر البيانات.
وعاشت وحدة وادي النيل






