
لم تكن ثورة يناير فعلًا عفويًا بلا وعي، ولا انفجارًا أعمى بلا دلالة، كما حاولت سرديات لاحقة أن تُصوّرها. على العكس، فإن واحدة من أعظم نقاط قوتها – وربما أكثرها إزعاجًا للدولة العميقة – كانت عبقرية الاختيار: اختيار الزمان، واختيار المكان. اختيار يوم 25 يناير، واختيار ميدان التحرير، لم يكونا تفاصيل لوجستية، بل قرارين رمزيين بامتياز، حملا في طياتهما وعيًا جمعيًا عميقًا بطبيعة الصراع، وبنية الدولة، ومعنى المواجهة.
كان يوم 25 يناير، في الوعي الرسمي للدولة، يومًا للاحتفاء بجهاز الشرطة. يومًا يُراد له أن يكون رمزًا للهيبة، والانضباط، والسيطرة، واحتكار القوة. الدولة اعتادت في هذا اليوم أن تُعيد إنتاج صورتها عن نفسها: دولة الأمن، دولة العصا، دولة الردع. ومن هنا جاءت عبقرية الاختيار.
أن يخرج الشباب في هذا اليوم تحديدًا، فذلك يعني نقل المواجهة من الهامش إلى القلب. لم يكن الاحتجاج على الشرطة فقط، بل الاحتجاج على منطق الدولة الأمنية ذاته. كان كأن المصريين يقولون: في اليوم الذي تحتفلون فيه بقوتكم، سنختبر هشاشتها. في اليوم الذي ترفعون فيه راية الخوف، سنكسر حاجزه.
لم يكن 25 يناير يومًا محايدًا. كان مشحونًا مسبقًا بدلالات القمع، والاعتقال، والتعذيب، وانسداد الأفق. اختيار هذا اليوم كان إعلانًا صريحًا بأن المشكلة ليست حكومة عابرة، ولا سياسة اقتصادية فقط، بل نموذج حكم كامل قائم على الأمن بوصفه البديل عن السياسة.
جاء اختيار 25 يناير تتويجًا لتراكم طويل من الغضب المرتبط بجهاز الشرطة. من التعذيب في الأقسام، إلى الإهانات اليومية، إلى وقائع مثل خالد سعيد، التي تحولت من جريمة فردية إلى رمز لانتهاك الكرامة العامة. لم يكن الغضب موجَّهًا إلى ضابط بعينه، بل إلى منظومة كاملة شعرت أنها فوق المجتمع.
بهذا المعنى، كان 25 يناير يومًا مثاليًا لتفجير هذا التراكم. فالرسالة كانت واضحة: ما كان يُمارَس في الظل سيُواجَه في العلن. وما كان يُخشى التحدث عنه سيُرفع شعارًا في الشارع. لهذا لم تبدأ الثورة بشعارات أيديولوجية كبرى، بل بشعار بسيط وعميق: عيش، حرية، كرامة إنسانية. وهذا الشعار وحده كان كافيًا ليضع جهاز الشرطة – بوصفه أداة الإهانة اليومية – في قلب الاتهام.
العبقرية الأعمق في اختيار 25 يناير أنه يوم الخوف الرسمي. الدولة في هذا اليوم تكون في أقصى درجات الاستعداد الأمني، وأقصى درجات الغرور بالقوة. الخروج فيه لم يكن تحديًا فقط، بل مقامرة واعية: إمّا كسر الخوف مرة واحدة، أو العودة إلى البيوت إلى أجل غير معلوم.
وهنا، حين خرجت الأعداد الأولى، وحين واجه الناس الأمن في يومه ورمزه، حدث التحول النفسي الأكبر. ليس لأن الأمن انهزم ميدانيًا منذ اللحظة الأولى، بل لأن هيبة اليوم سقطت. وسقوط الرمز يسبق دائمًا سقوط النظام.
إذا كان اختيار الزمان عبقريًا، فإن اختيار المكان كان أكثر عمقًا وأبعد أثرًا. ميدان التحرير ليس مجرد مساحة مفتوحة في وسط القاهرة. هو عقدة جغرافية، وسياسية، وتاريخية، ورمزية في آن واحد. هو قلب العاصمة، ومرآة الدولة، ومسرح السلطة منذ عقود.
التحرير محاط بمؤسسات الحكم، والإعلام، والبيروقراطية. والقصر، والبرلمان، والوزارات، ومبنى الحزب الوطني، ووسائل الإعلام… كلها تدور حوله أو تطل عليه. اختيار التحرير كان يعني: نحن في قلب الدولة، لا على أطرافها.
لم تكن الثورة تريد أن تُحاصر في الأحياء الشعبية أو الجامعات فقط، بل أن تضع نفسها في مركز المشهد، حيث لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن عزلها، ولا يمكن تشويهها بسهولة.
من أعظم أسرار نجاح ميدان التحرير أنه ميدان بلا هوية فئوية. ليس مسجدًا ولا كنيسة، ليس مقر حزب ولا ساحة تنظيم، ليس حيًا خاصًا بطبقة اجتماعية بعينها. هو ميدان الجميع. ولهذا استطاع أن يحتضن الجميع.
في التحرير، ذابت الفوارق بين الإسلامي واليساري والليبرالي والمستقل. ذابت الفوارق بين الغني والفقير، بين المثقف والعامل، بين الشاب والشيخ. صار الميدان وطنًا مؤقتًا، أو نموذجًا مصغرًا لمصر التي يحلم بها الناس.
هذا ما أخاف الدولة العميقة حقًا: ليس الحشود فقط، بل المعنى الذي ينتجه الميدان. معنى المشاركة، والمساواة، والقدرة على إدارة الذات دون وصاية.
الدولة كانت ترى في التحرير مساحة للسيطرة الأمنية، لا ساحة سياسية. وحين استردّه الناس، لم يستردوا أرضًا فقط، بل استردوا الحق في الظهور، والكلام، والتنظيم. لهذا كان الدفاع عن الميدان دفاعًا عن الثورة نفسها.
كل محاولات فضّ الاعتصام، أو تشويه الميدان، أو اقتحامه بالجمال والبلطجية، لم تكن موجهة فقط لتفريق الحشود، بل لكسر الرمز. لأن بقاء التحرير محررًا كان يعني أن الدولة فقدت احتكار المجال العام.
خلال أيام الاعتصام، تحوّل الميدان إلى مدرسة سياسية واجتماعية غير مسبوقة. لجان تنظيم، لجان أمن شعبي، منصات خطاب، نقاشات مفتوحة، توافقات تلقائية. مارس الناس السياسة لأول مرة بلا خوف، وبلا وسطاء، وبلا إذن.
وهنا تتجلى عبقرية المكان مرة أخرى: التحرير لم يكن فقط منصة احتجاج، بل مختبرًا للدولة البديلة. دولة بلا تعذيب، بلا فساد، بلا إهانة. دولة يتطوع فيها الناس لخدمة بعضهم، لا لقمع بعضهم.
الدولة العميقة فهمت مبكرًا أن خطورة يناير لم تكن في إسقاط رأس النظام فقط، بل في إعادة تعريف السياسة نفسها. يوم 25 يناير كسر قداسة الأمن، وميدان التحرير كسر احتكار المجال العام. هذان الكسران معًا هددا جوهر الدولة القديمة.
ولهذا، حين استعادت الدولة السيطرة لاحقًا، كان أول ما فعلته هو:
• تشويه 25 يناير وتحويله إلى “مؤامرة”.
• تفريغ ميدان التحرير من معناه وتحويله إلى مساحة محروسة بلا روح.
لم تكن المعركة على الأشخاص، بل على الرموز. في ميزان الشهادة، أقول إن عبقرية يناير لم تكن فقط في شجاعة أبنائها، بل في وعيهم الرمزي. اختيار اليوم والميدان لم يكن صدفة، بل تعبيرًا عن فهم عميق لبنية الدولة وكيف تُواجَه.
قد تُهزم الثورات لاحقًا، وقد تُستدرَج، وقد تُخترَق، لكن لحظات الوعي الخالص لا تُمحى. 25 يناير سيبقى يومًا كُسر فيه الخوف في يومه، وسيبقى ميدان التحرير شاهدًا على أن الشعب حين يحتل قلب الدولة، ولو مؤقتًا، فإنه يُعيد تعريف الممكن.
وهذا هو الدرس الأكبر الذي تحاول السلطة محوه، لكنه عصيّ على المحو، فالشعوب حين تختار زمانها ومكانها بوعي، تصنع التاريخ، حتى لو تأخر الحصاد.







