مقالات وآراء

د تامر المغازي يكتب: فنزويلا تُعيد تعريف مفهوم الردع عندما يصبح الشعب كله جيشاً

في عالمٍ تهيمن عليه مفاهيم الردع التقليدية القائمة على القوة الصاروخية والجيوش النظامية، تخطو فنزويلا خطوة استراتيجية جريئة يُحللُّها الخبراء على أنها “قلبٌ للطاولة” الاستراتيجية.

فبدلاً من الاعتماد على الترسانة التقليدية فقط، تعلن السلطات عن خطة غير مسبوقة بتسليح الشعب بشكل واسع، في محاولة لتحويل البلاد إلى حصنٍ بشريٍ منيع.

تهدف هذه الاستراتيجية إلى ضمان استمرارية المقاومة حتى في أسوأ السيناريوهات، وإرسال رسالة ردع واضحة لأي قوة قد تُفكر في العدوان.

فقد كشفت قيادة الجيش الفنزويلي عن خطط لـ”تعميم السلاح” على نطاق واسع بين المواطنين المدنيين المستعدين للدفاع عن الوطن.

هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها “أعظم هجمة مرتدة دفاعية” في تاريخ الصراعات الحديثة، تعتمد على فلسفة بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في أبعادها فإذا سقط الجيش النظامي، تبدأ الحرب الحقيقية من الشعب.

الفكرة الأساسية تقوم على تفريغ مخازن الجيش وتوزيع الأسلحة على المواطنين، مما يعني أن أي قوة غازية لن تواجه جيشاً نظامياً وحسب، بل ستواجه شعباً بكامله، مسلحاً ومستعداً لتحويل كل حي وكل شارع وكل بيت إلى ساحة قتال ومصيدة للمحتل.

هدف الخطة هو تحويل أي غزو محتمل إلى “كابوس لا نهاية له”، ورفع تكلفته إلى درجة تجعله مستحيلاً.

وهذا إعادة تعريف للردع ويتجاوز هذا القرار المفاهيم الكلاسيكية للقوة العسكرية، فالردع من خلال الانتشار لم يعد الردع مقتصراً على قدرة الجيش على الضربة الأولى أو المضادة، بل أصبح قائماً على انتشار لا يمكن احتواؤه.

القوة تنتقل من مخازن مركزية يمكن استهدافها، إلى ملايين النقاض التي يصعب استئصالها.

وكذلك ضمان الاستمرارية فيضمن هذا النهج استمرار المقاومة حتى في حال تدمير القيادة العسكرية المركزية أو تعطيلها.

فالمقاومة تصبح لا مركزية وعضوية.

الحرب غير المتكافئة المتطرفة تحوِّل الخطة الدولة بأكملها إلى ساحة للحرب غير المنتظمة، حيث يتحول عدم التوازن العسكري التقليدي من نقطة ضعف إلى مصدر قوة يجعل الاحتلال مستحيلاً.

وهناك درس من التاريخ المقارن مثل العراق نموذجاً مضاداً فعند غزو العراق عام 2003.

حيث حافظ الجيش العراقي على أسلحته في مخازن مركزية، فسيطرت عليها القوات الأمريكية بسرعة وحولتها إلى خردة أو استولت عليها.

وجدت المقاومة العراقية اللاحقة نفسها تبحث عن سلاح لتواجه به أعتى آلة عسكرية في العالم.

يُقدَّم المشهد على أنه “كيف تصنع الهزيمة بحرمان الشعب من وسيلة الدفاع في لحظة الخطر الحقيقي”.

في المقابل، يطرح النموذج الفنزويلي نفسه كبديل”تسليح الشعب هو الضامن الأخير لعدم انهيار الوطن”.

لا تخلو هذه الاستراتيجية من مخاطر وتحديات جسيمة مثل الأمن الداخلي قد يؤدي انتشار الأسلحة إلى تفاقم معدلات الجريمة والعنف الداخلي، وتقويض احتكار الدولة للقوة.

التسيس والصراعات في بيئة سياسية متوترة، قد تُستخدم هذه الأسلحة في صراعات داخلية أو لقمع المعارضة.

وكذلك الدقة والتدريب فالسلاح في يد غير المدربين قد لا يحقق الردع العسكري المنشود، وقد يؤدي إلى حوادث مأساوية.

الرد الدولي قد تثير هذه الخطوة قلقاً إقليمياً ودولياً، وتُستخدم لتبرير مزيد من العزلة أو العقوبات.

رسالة لن تُنسى بغض النظر عن الجدل المحيط بتطبيقها وعواقبها، تقدم فنزويلا عبر هذه الخطة رسالة استراتيجية ستبقى محل دراسة وتحليل في كليات الحرب والسياسة.

إنها تُعيد إحياء مفهوم “الميليشيات الشعبية” أو “حرب الشعب” بأحدث تفسير، مؤكدةً على فكرة أن أعظم قوة ردعية قد لا تكون في الصواريخ العابرة للقارات، بل في إرادة شعبٍ يرفض الهزيمة، وفي السلاح الموزع على من يعتبرون أنفسهم الخط الدفاعي الأخير عن الوطن.

الرسالة واضحة في القرن الحادي والعشرين، يمكن أن يكون الحصن الأصعب اختراقاً هو الشعب نفسه، حين يُمنح الوسيلة والشرعية للدفاع عن وجوده.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى