مقالات وآراء

عبد الرحيم علي يكتب: حصان طروادة

حصان طروادة في الميثولوجيا اليونانية خدعة استخدمها الإغريق لاقتحام مدينة طروادة أثناء الحرب التي دارت بينهم وبين الطرواديين. تلك الحرب التي حاصر خلالها الإغريق المدينة ذات القلاع والأسوار الحصينة عشر سنوات كاملة، الأمر الذي دفعهم لاختلاق خدعة أوهموا من خلالها أهل طروادة بالانسحاب وفك الحصار، تاركين خلفهم حصانًا خشبيًا عملاقًا كنوع من الهدية للمنتصرين، سُمِّي بـ«حصان طروادة».

فلما وجد الطرواديون الحصان فرحوا بانتصارهم على الإغريق وأدخلوه إلى المدينة، بينما كان الإغريق يخفون داخله عددًا من أشرس وأبرع مقاتليهم. وعندما حلّ الظلام، خرج مقاتلو الإغريق من بطن الحصان الخشبي وتسللوا إلى أبواب المدينة وفتحُوها، الأمر الذي سهّل للجيش الإغريقي، الذي كان يختبئ بسفنه خلف الجبال، التقدمَ والدخولَ إلى المدينة.

نجحت خدعة الإغريق واستولوا على البلدة التي عصت على الاختراق لعقدٍ من السنوات، وهو ما يُعد قرنًا بمقاييس زماننا هذا. ومنذ ذلك الحين يُستخدم المصطلح للتعبير عن خداع العدو من الداخل عبر تجنيد عناصر من أتباعه وإدخالهم إلى معسكره.

والحقيقة أن ذلك هو عين ما حدث معنا فيما سُمِّي بالربيع العربي. فمع بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين، نشأ النظام العالمي الجديد أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، استنادًا إلى تفكك القوة الأخرى، وهي الاتحاد السوفييتي. وكانت حرب الخليج الثانية هي الإعلان الأول لفكر هذا النظام في التعامل مع الأزمات الدولية من خلال تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة ما أُطلق عليه مصطلح الدولة «المارقة»، من أجل إجبارها على مسايرة هذا النظام.

ثم تطور هذا النظام لتتولى الولايات المتحدة الأمريكية، بقدراتها الذاتية وبمشاركة محدودة من حلفائها، تنفيذ أهدافها الاستراتيجية، خاصة في مجال الحرب ضد الإرهاب التي اشتعلت مع بداية الألفية الثالثة، واستهدفت مناطق عديدة من الشرق الأوسط كأهداف مباشرة، طُبِّقت عليها أمريكا استراتيجيتها الجديدة في الضربات الاستباقية، وباستخدام نظم تسليح وقيادة وسيطرة غير مسبوقة على مستوى العالم.

لم تكن هذه الهيمنة وليدة الصدفة؛ فقد خططت أمريكا، منذ الحرب العالمية الثانية، لأن تقفز على قمة العالم دون منافس. وقد استهدف النظام العالمي الجديد منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة، ودارت على أرضه وحوله العديد من الحروب والأزمات ومحاولات الاستقطاب، التي لم تُدرها أمريكا بمفردها، ولكن بمشاركة كاملة أو محدودة من حلف شمال الأطلسي، الذي يُعد الذراع الطولى للنظام العالمي الجديد، والذي حرصت واشنطن على بقائه، رغم ما حدث لحلف وارسو من تفكيك عقب انهيار الاتحاد السوفييتي.

لم تقف الأمور عند هذا الحد، وإنما تطور الحلف من مجرد آلية عسكرية للدفاع عن أوروبا في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، ليصبح إدارةً سياسيةً عسكريةً لمواجهة الأزمات في العالم لصالح الغرب. وحرصت الولايات المتحدة على بقائه حتى تُحبط النوايا الأوروبية بتشكيل قوة عسكرية مستقلة قد تصبح مناوئةً لها في وقت ما، وأجبرت الدول الأوروبية على القبول بفكرة استمرار الحلف ودعمه باعتباره الخيار الأوحد، واستطاعت واشنطن من خلال هذا الدعم أن تحقق استراتيجيتها مع تحميل الدول الأوروبية تكاليفها نيابةً عنها.

سايكس – بيكو:
إبان اشتعال الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، صرّح مستشار الأمن القومي الأمريكي «بريجنسكي» بأن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية من الآن فصاعدًا هي كيفية تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الحرب الخليجية الأولى، تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود سايكس – بيكو.

وعقب إطلاق هذا التصريح، وبتكليف من البنتاغون، بدأ المستشرق البريطاني اليهودي الراحل «برنارد لويس» عام 1981 بوضع مشروعه الشهير الخاص بتفكيك الوحدة العضوية لمجموعة الدول العربية والإسلامية جميعًا، كلٌّ على حدة، ومنها العراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان والسعودية ودول الخليج ودول شمال إفريقيا وغيرها، لتتحول إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية. وقد أرفق بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المرسومة تحت إشرافه، تشمل جميع الدول العربية والإسلامية المرشحة للتفتيت، بوحيٍ من مضمون خطة «بريجنسكي».

وفي عام 1983 وافق الكونغرس الأمريكي بالإجماع، في جلسة سرية، على المشروع، وتم تقنينه واعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الاستراتيجية في السنوات التالية، ووُضعت آلياته وخطط تنفيذه، واكتملت تلك التحركات في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وتفكيك الكتلة الشرقية مطلع التسعينيات.

الشرق الأوسط الكبير:
كانت بداية تنفيذ الفكرة على أرض الواقع مع قيام اللجنة الأمريكية للأمن القومي، وهي لجنة استشارية فيدرالية تُعرف باسم لجنة «هارت – رودمان»، بوضع تقرير كبير في فبراير 2001 بعنوان:
«البيئة الأمنية الكونية الجديدة في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين».

تضمن التقرير عددًا من الدراسات والأبحاث عن المناطق المختلفة في العالم، ومن بينها ما يسميه التقرير «الشرق الأوسط الكبير»، ويُعرِّف التقرير هذه المنطقة بأنها تضم كلًا من العالم العربي وإسرائيل وتركيا وآسيا الوسطى والقوقاز ومنطقة شبه القارة الهندية، وتمثل — بحسب التقرير — أكبر مستودع للطاقة في العالم.

وكانت صحيفة «واشنطن بوست» أول من أفصح عن هذه المبادرة الأمريكية الجديدة، حين ذكرت في 9 فبراير 2004 أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تعمل على صياغة مبادرة طموحة لتعزيز ونشر الديمقراطية في «الشرق الأوسط الكبير»، وذلك بإعادة تكييف نموذج استُخدم من قبل في الضغط من أجل نشر الحريات في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية.

وقد بدأ بالفعل كبار المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية محادثات مع حلفاء أوروبيين رئيسيين، لرسم مخطط شامل لعرضه على مؤتمرات القمة المقررة عام 2004 لكل من مجموعة الدول الثماني الكبرى، ومنظمة حلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، في إسطنبول بتركيا.

عمل الحلف على الترويج للمشروع من خلال طرح أفكار ذات جاذبية، مثل التنمية الشاملة، والرفاهة الاقتصادية، وتوفير فرص عمل للعاطلين، وتطبيق الديمقراطية، والتحرر والانعتاق من حالات القهر والقمع السياسي، وتشجيع منظمات المجتمع المدني غير الحكومية على التمرد — بشكل أو بآخر — على النظم السياسية القائمة تحت دعاوى الحرية وفق المنظور الأمريكي، ومن خلال رصد اعتمادات مالية طائلة من ميزانية البيت الأبيض لدعم أنشطة هذه المنظمات، التي يُفترض في هذه الحالة أنها لن تعارض أي توجهات أمريكية.

وكان الإخوان، ومنظمات مثل «6 أبريل»، و«الجمعية الوطنية للتغيير»، و«الاشتراكيين الثوريين»، وأشخاص كالبَرادعي وشلته الشهيرة، هم حصان طروادة الذي احتاجته الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لدخول المنطقة العربية، وفي القلب منها مصر، وتفتيتها من الداخل. وهو ما بدأت بشائره في يناير 2011، استغلالًا لغضب شعبي عارم جراء سياسات رأى البعض أنها قادت البلاد إلى مقدمات ثورة افتقدت الظرف الذاتي بامتياز.

والحقيقة أن محاولات تلك القوى لم تتوقف بعد، خاصة بعدما كسر الشعب المصري العظيم، مدعومًا بقواته المسلحة، ذلك المخطط في 30 يونيو 2013، الأمر الذي يجعلنا نفتح أعيننا جيدًا على المرحلة المقبلة، وعلى المنظمات المخترَقة التي يقودها مجموعات تنتمي إلى الطابور الخامس، لمنع دخول حصان طروادة من جديد إلى بلادنا.

باريس – الخامسة مساءً بتوقيت القاهرة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى