مقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: القاهرة . أنقرة . سياسة… نعم، ولكن

الفهم السياسي الصحيح، والتعاطي المسؤول في لحظات الأزمات الكبرى وانحطاط النظام الدولي، يفرضان مقاربة لا تختزل القرار في ثنائية الأبيض والأسود، ولا تحصر المواقف بين الرفض المطلق أو القبول غير المشروط. السياسة، في جوهرها، ليست رفاهية خطابية ولا تمرينًا أخلاقيًا مريحًا، بل فن إدارة الممكن، والسعي الواعي لتقليل الخسائر حين يتعذر تحقيق المكاسب، انطلاقًا من قاعدة راسخة مفادها أن «ما لا يُدرك كله لا يُترك كله».

أسهل ما يكون أن تُقال كلمة حادة، وأن نغادر المشهد متوهمين أننا أبرأنا الضمير، لكن الأصعب ـ والأجدى ـ هو التفكير في البدائل، وفي كلفة الغياب، وفي المخاطر المترتبة على ترك الساحة فارغة لقوى لا ترى في الإقليم سوى ساحة صفقات. زاوية النظر الضيقة التي لا ترى أبعد من بضعة أسطر على وسائل التواصل قد تحصد إعجابًا عابرًا، لكنها لا تبني سياسة، ولا تحمي مصلحة عامة.

في هذا الإطار يأتي الحديث عن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشكيل ما سُمّي بـ«لجنة السلام». مبدئيًا، يظل الرفض قائمًا لانفراد رئيس دولة بمثل هذا القرار، بما يمثله من افتئات واضح على دور الأمم المتحدة ومؤسسات الشرعية الدولية، التي كان ينبغي ألا تغيب عن مشهد إدارة الصراعات، لكنها غائبة فعليًا منذ سنوات، في ظل تراجع مفهوم النظام الدولي القائم على القواعد.

كما يبقى الرفض ثابتًا من حيث المبدأ لأي وصاية تُفرض على إرادة شعب في تقرير مصيره، وهو حق أصيل ومكفول قانونًا للشعب الفلسطيني ولكل شعوب الأرض. هذا الحق أقرته المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، ونصّت عليه بوضوح المادة الأولى المشتركة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أكدته قرارات الجمعية العامة المتعاقبة التي اعتبرت حق تقرير المصير قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام.

ورغم ثبات هذه المبادئ، فإن السياسة لا تُدار بالشعارات وحدها، بل بكيفية حمايتها داخل واقع دولي مختل. من هنا تبرز أهمية التمييز بين رفض الوصاية، ورفض الإطار أو التشكيل. الموقف الفلسطيني الذي عبّر عن رفض الوصاية، دون الانسحاب الكامل من المشهد، يعكس إدارة سياسية عاقلة تدرك حجم التحديات، وتفهم ما هو ممكن وما هو غير ممكن في اللحظة الراهنة، وتسعى إلى تقليل الأضرار بدل الاكتفاء بموقف احتجاجي معزول.

تحليل السياسة الخارجية الأمريكية الحالية يفرض نفسه في هذا السياق. نحن أمام سياسة فقدت أنماطها التقليدية، ولم يعد عدم اليقين فيها استثناءً، بل أصبح عنوانًا رئيسيًا. لم تعد هناك التزامات راسخة بأمن الإقليم، ولا حتى وفاء ثابت بالتحالفات القديمة، بل باتت الصفقات، والمبادلات التجارية، والحسابات النفعية هي المحرك الأساسي. دونالد ترامب يتعامل بمنطق رجل الأعمال، حيث السياسة الخارجية ساحة مضاربة لا مشروع استقرار.

لا يمكن، في هذا الإطار، تناول خبر تشكيل لجنة السلام بمعزل عن خبر آخر لا يقل خطورة، وهو الموقف الأمريكي من ملف سد النهضة. كلا الملفين يعكسان نمطًا واحدًا في إدارة واشنطن للأزمات: تدخل انتقائي، غير مؤسسي، يفرض على الدول المعنية البحث عن أقل الخيارات كلفة، لا عن الخيار المثالي غير المتاح.

قبول القاهرة بالتعاطي الإيجابي مع مبادرة ترامب في ملف السد لا يعني الرضا عن المنهج الأمريكي، بقدر ما يعكس تضاؤل البدائل خلال السنوات الأخيرة. وبالمثل، فإن قبول التمثيل المصري–التركي في لجنة السلام لا يعني الموافقة على مضمون التشكيل، بل محاولة واعية لتعديل مساره من الداخل، أو على الأقل للحد من آثاره السلبية.

في هذا السياق، يكتسب وجود تمثيل مصري فاعل أهمية خاصة، لاسيما مع مشاركة اللواء حسن رشاد، بما يملكه من خبرات طويلة مؤسسية وتراكمات معرفية وعلاقات بكافة الفصائل الفلسطينية، مما يجعل القاهرة قادرة على قراءة المشهد المركب في غزة، وضبط أي انحرافات محتملة. فهذا الحضور لا يُقرأ بوصفه استجابة لرغبة أمريكية، بل بوصفه دورًا مصريًا محسوبًا في لحظة بالغة الحساسية.

على الجانب التركي، يأتي التمثيل في إطار الدور الذي تضطلع به الجهات المعنية بالملف، وكذلك وزارة الخارجية التركية بقيادة الدكتور حقان فيدان، بما تمثله أنقرة من ثقل سياسي ودبلوماسي، وخبرة مباشرة في الملفات الإقليمية المعقدة. هذا الحضور التركي، إلى جانب الحضور المصري، يشكل أحد أهم الضمانات لكبح الشطط الإسرائيلي–الترامبي، ومحاصرة فكرة الوصاية الدولية التي يسعى إليها التحالف الصهيوني–الأمريكي.

حتى وإن كان هذا الوجود محل ترحيب أمريكي، فإنه يظل ـ موضوعيًا ـ دورًا مهمًا، خاصة أن القاهرة وأنقرة لا تسعيان إلى تورط عسكري مباشر على الأرض في غزة، بل إلى دور سياسي وإنساني وإعماري، يفتح متنفسًا للشعب الفلسطيني في أحد أصعب التوقيتات التي تمر بها قضيته العادلة.

تمثيل مصر وتركيا هنا ليس تمثيلًا شرفيًا، ولا حضورًا رمزيًا. إنه إعلان عن دور على الأرض، في الأمن، وإعادة الإعمار، وخلق فرص تشغيل وتنمية تخفف من وطأة الكارثة الإنسانية، وتقديم حلول مرحلية تقبل بها الأطراف في مسألة سلاح المقاومة. هذا الدور يأتي في إطار تنسيق أوسع بين القاهرة وأنقرة، أثبت فعاليته في أكثر من ملف إقليمي.

التلميح هنا واجب إلى أن هذا التعاون المصري–التركي–القطري لم يقتصر على الملف الفلسطيني، بل امتد إلى ملفات إقليمية شديدة التعقيد، من السودان، حيث تتقاطع الجهود لمنع الانزلاق الكامل إلى الفوضى، إلى الصومال، حيث يجري تنسيق واضح لدعم استقرار الدولة ومؤسساتها، بما يعكس فهمًا مشتركًا لأمن الإقليم كحزمة واحدة لا كملفات منفصلة.

التقييم المنصف للدور المصري–التركي–القطري يقتضي إدراك أن ترتيبات إقليمية كانت جاهزة ومدفوعة الثمن قبل مشهد استضافة لقاء السلام في شرم الشيخ، وكانت تستهدف إخراج مصر وتركيا وقطر كليًا من المشهد. فما تغيّر هو إعادة بلورة اللاعبين، وفرض حضور مصري–تركي–قطري أوسع، يضمن ترتيبات مختلفة، ويمنع فرض وقائع أحادية على الإقليم.

أما في ملف التهجير، فقد واجه الضغط الأمريكي رفضًا صريحًا من مصر وتركيا وقطر، بل إن الفكرة نفسها لم تلقَ قبولًا أوروبيًا واسعًا. ويظل وجود القاهرة وأنقرة والدوحة داخل المشهد أحد أهم الضمانات لاستمرار هذا الرفض، ومنع تحوله إلى مجرد موقف أخلاقي يُرفع من خارج الغرفة، بينما تُفرض الوقائع من الداخل.

نحن نعيش مرحلة تاريخية يتنافس فيها كثيرون على بلوغ أدنى درجات الانحطاط السياسي والأخلاقي في الإقليم والعالم. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون السياسة ترفًا، بل مسؤولية.

الرفض والقبول، بصيغتهما المجردة، لم يعودا كافيين.
ما نحتاجه هو منطق سياسي واقعي، عنوانه: سياسة… (نعم، ولكن).
نعم للحضور، ولكن دون تفريط.
نعم للتعاطي، ولكن مع ثبات المبادئ.
نعم لإدارة الممكن، حتى لا نفاجأ بما نرفضه واقعًا مفروضًا على الأرض.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى