
في ذكراه أهدي هذه السطور
لرجلٍ ،عاش فريدًا في اختياره،
ومات وحيدًا لأن الوطن لم يحتمل نفقات نقل جسمانه الطاهر
حتي تكفل بالأمر خليل عفيفي التاجر الشرقاوي البسيط الذي باع كل ممتلكاته وسافر الى برلين ليحضر جثمان الزعيم وهكذا تاجر بسيط أنقذ كرامة مصر.
لا تكون الذكرى احتفالًا دائمًا، أحيانًا تكون محاكمةً صامتة للزمن. في سيرة محمد فريد لا نبحث عن بطولةٍ تقليدية، بل عن ثمنٍ دُفع كاملًا، وعن وطنٍ أحبه رجل حتى آخر نَفَسه، ثم تركه يموت بعيدًا عنه.
وُلد محمد فريد في القاهرة يوم 20 يناير 1868، في بيتٍ يملك المال والنفوذ، لكنه اختار منذ البداية أن ينفق الاثنين معًا في معركةٍ واحدة: الاستقلال. كان يدرك أن خلاص مصر آنذاك يتلخص في مطلبين لا ثالث لهما: الجلاء والدستور، وأن أي التفاف حولهما ليس إلا تأجيلًا للهزيمة.
لم يكن رجل خطابةٍ فقط، ولا زعيم مناسبات. كان صاحب مشروعٍ طويل النفس، رأى أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير العقل. لذلك جعل من التعليم سلاحه الأول، فأنشأ مدارس ليلية في الأحياء الشعبية، لتعليم الفقراء وكبار السن الأميين مجانًا، واستقدم للتدريس رفاقه من رجال الحزب الوطني، ومحامين وأطباء آمنوا بأن الوعي أخطر على الاحتلال من الرصاص.
انتشرت تلك المدارس من القاهرة إلى الأقاليم، وراكمت وعيًا سيظهر أثره لاحقًا في ثورة 1919، وما تلاها من تحولات. لم يكن فريد ينتظر لحظة الانفجار، بل كان يصنع شروطها بهدوء.
لم يتوقف عند التعليم. كان أول من وضع لبنة الحركة النقابية في مصر، فأسس أول نقابة للعمال عام 1909، وعلّم المصريين أن الغضب إن لم يُنظم، يضيع، وأن النضال بلا بنية لا يصمد.
ومع التنظيم، صاغ تصورًا مكتوبًا لشكل الدستور الذي يحلم به المصريون، دستور يُفرض على الاحتلال بإرادة الشعب، لا منحة تُلقى من أعلى. هكذا أصبح شوكةً في حلق الاحتلال الإنجليزي، وصداعًا دائمًا للحكم العثماني في مصر، الذي رآه شريكًا في إدامة الخضوع.
لم يكن محمد فريد رجل الداخل وحده، بل أدرك مبكرًا قيمة النضال من الخارج. خرج إلى أوروبا لا منفيًا، بل مناضلًا اختار أن يجعل من العواصم الأجنبية ساحات مواجهة. كتب وخطب ونظم المؤتمرات، وسعى لوضع القضية المصرية على طاولة العالم.
في باريس، أنفق من ماله الخاص ليُعدّ مؤتمرًا دوليًا للمسألة المصرية، ودعا كبار معارضي الاستعمار من سياسيين ونواب وزعماء. لم يكن وراءه جهاز دولة، كان هو الدولة، يحملها في حقيبة، ويعرضها على ضمير العالم.
ومع اتساع النشاط، بدأت الضائقة المالية تخنقه. أنفق ثروته كاملة، وباع ممتلكاته قطعةً قطعة، حتى صار فقيرًا بالمعنى الحرفي للكلمة. لم يكن الفقر طارئًا عليه، بل ثمنًا دفعه كاملًا دون شكوى.
حين كتب مقدمة ديوان «أثر الشعر في تربية الأمم»، لم يكتب أدبًا، بل بيانًا سياسيًا. فضح استبداد حكومة الفرد، وكيف قتلت الشعر الحماسي، وأفرغت خطب المساجد من معناها، وحوّلت الزهد إلى كسل والعمل إلى انتظار. كانت الكلمات أقوى من أن تُحتمل.
حُوكم بسبب تلك المقدمة. نصحه محبوه بعدم العودة إلى مصر، فالسجن ينتظره. لكنه تلقّى رسالة من ابنته فريدة، رسالة اختصرت معنى الوطنية في سطر واحد:
«لنفرض أنهم يحكمون عليك كما حكموا على الشيخ عبد العزيز جاويش، فذلك أشرف من أن يُقال إنكم هربتم».
عاد. حُكم عليه بالسجن ستة أشهر، قضاها كاملة، وخرج كما دخل: أكثر صلابة، أقل خوفًا. واصل المطالبة بالجلاء والدستور، حتى قررت الحكومة الموالية للاحتلال التخلص منه نهائيًا.
عاد المنفى، لكن هذه المرة بلا مال، وبلا رفاق، وبلا سند. عاش أيامه الأخيرة في برلين وحيدًا، مريضًا، فقيرًا، بعيدًا عن تراب مصر الذي أحبه ولم يُبادله الحب. وتوفي في عام 1919، في عام الثورة التي مهّد لها، ولم يشهدها.
حتى موته كان قاسيًا. لم تجد أسرته مالًا كافيًا لنقل جثمانه إلى مصر. هنا ظهر وجه آخر من وجوه الوفاء: التاجر خليل عفيفي من الزقازيق، باع ما يملك، وسافر إلى برلين، وأعاد جثمان محمد فريد ليدفن في أرض الوطن. وفاء فردي أنقذ كرامة أمة.
يقف تمثال فريد اليوم في عابدين، تطل عليه الشمس كل صباح، كأنها تعتذر متأخرة. تمثال لرجل أحب وطنه حتى الموت، ولم يحصد سوى الأشواك، لكنه ترك لنا درسًا لا يصدأ.
وجوه لا تغيب…
لأن بعض الرجال لا يموتون في المنفى،
بل يموت المنفى فيهم،
ويبقى الوطن مدينًا لهم،
ولو طال الصمت.








