
دراسة في العقل البراغماتي التركي وتوازنات القوة في الشرق الأوسط
حين يُطرح في كواليس السياسة الدولية احتمال إسقاط إيران، يُقدَّم الأمر أحيانًا بوصفه تطورًا إيجابيًا بديهيًا، وخطوة قد تفتح الطريق أمام شرق أوسط أكثر استقرارًا. هذا التصور يتردد بكثرة في الخطاب الغربي، لكنه في أنقرة يُقابل بحذر عميق وقلق مدروس. فتركيا، التي تنظر إلى محيطها بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة، تدرك أن سقوط طهران لا يعني مجرد تغيير سياسي في بلد مجاور، بل تحوّلًا جيوسياسيًا واسعًا قد تمتد ارتداداته إلى عمق الجغرافيا التركية نفسها.
هذا التحفّظ التركي لا يُعد نتاج اجتهاد إعلامي أو رأي فردي عابر، بل يعكس موقفًا استراتيجيًا عبّر عنه صانعو القرار في أنقرة بوضوح. ففي مقارباته الأمنية والدبلوماسية، حذّر وزير الخارجية هاكان فيدان مرارًا من أن زعزعة استقرار دولة مركزية بحجم إيران قد تطلق فوضى إقليمية يصعب احتواؤها. وينعكس هذا المنطق في خطاب الدولة الأوسع، حيث يتعامل الرئيس رجب طيب أردوغان مع الملف الإيراني من زاوية منع الانهيارات الكبرى، لا من زاوية الرهان على سيناريوهات مجهولة العواقب. ويوازي هذا التوجه ما يطرحه عدد من أبرز الكتّاب الاستراتيجيين الأتراك، وفي مقدمتهم نيدرت إيرسانال وإبراهيم قراغول، الذين ينطلقون من سؤال مركزي واحد: ماذا بعد السقوط؟
أولى النقاط التي تثير القلق العميق في أنقرة تتعلق بالملف الكردي. فبالنسبة لصانع القرار التركي، أي انهيار للسلطة المركزية في طهران قد يفتح الباب أمام تحولات جغرافية وسياسية معقّدة، تبدأ بنشوء كيانات أمر واقع في غرب إيران، ثم تتصل تدريجيًا بامتدادات قائمة في شمال العراق وشمال سوريا. هذا الاحتمال لا يُنظر إليه في أنقرة كحدث عابر، بل كسيناريو قد يفرض واقعًا انفصاليًا متدرجًا على حدود تركيا الشرقية والجنوبية، وهو ما يُصنَّف ضمن أخطر التحديات المباشرة للأمن القومي التركي ووحدة أراضيه.
في هذا السياق، لا يعني التحفّظ التركي بأي حال من الأحوال رضا عن النفوذ الإيراني الإقليمي. فأنقرة تميّز بدقة بين التنافس مع الدول، والتعامل مع الفواعل غير الدولتية. وقد أظهرت خبرة تركيا الطويلة أن مواجهة دولة مركزية، حتى وإن كانت خصمًا صعبًا، أكثر قابلية للإدارة والضبط من مواجهة فسيفساء من الميليشيات والتنظيمات المسلحة العابرة للحدود. من هذا المنظور، لا يعني انهيار إيران اختفاء نفوذها، بل تحوّله إلى نفوذ أكثر فوضوية وأقل قابلية للسيطرة، وهو السيناريو الذي تخشاه أنقرة أكثر من بقاء خصم معروف السلوك والمؤسسات.
لقد لعبت التجربة دورًا حاسمًا في تشكيل هذا الموقف. فما جرى في العراق بعد عام 2003، ثم في سوريا بعد عام 2011، ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الاستراتيجية التركية. فراغ الدولة في هذين النموذجين لم يُنتج استقرارًا ولا ديمقراطية، بل أطلق موجات لجوء واسعة، وأسهم في نشوء تنظيمات مسلحة عابرة للحدود، وحوّل التماس الحدودي إلى عبء أمني مفتوح. وتدرك أنقرة أن تكرار هذا السيناريو في إيران سيعني أزمة أوسع نطاقًا وأكثر كلفة إنسانيًا واقتصاديًا، في منطقة باتت تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية مزمنة.
من زاوية أوسع، يرى تيار معتبر داخل التفكير الاستراتيجي التركي أن إيران تشكّل عنصر توازن يمنع اندفاع مشاريع إعادة الهيكلة الدولية في قلب المنطقة. فوجود دولة إيرانية مستقرة نسبيًا يحول دون نشوء فراغ استراتيجي قد تملؤه قوى دولية كبرى وفق خرائط وتوازنات لا تراعي المصالح التركية. سقوط إيران، في هذا الإطار، قد يمهّد لإعادة رسم الترتيبات الإقليمية من دون أنقرة، أو حتى على حساب دورها الصاعد، وهو ما يدفع تركيا إلى التمسك بكيان الدولة الجارة بوصفه حاجزًا جيوسياسيًا لا يمكن تجاهله.
اقتصاديًا، لا يبدو المشهد أقل تعقيدًا. فإيران تُعد شريكًا مهمًا في معادلة الطاقة التركية، وموردًا استراتيجيًا للغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه قطاعات واسعة من الصناعة والاقتصاد. أي انهيار في بنية الدولة الإيرانية قد يؤدي إلى اضطراب الإمدادات أو وضعها تحت سيطرة أطراف غير واضحة التوجه، وهو ما يشكّل مخاطرة كبيرة لأمن الطاقة التركي، ويدفع أنقرة إلى تفضيل التعامل مع دولة قائمة، رغم تعقيداتها، على الرهان في بيئة غير مستقرة.
أما على المستوى الديموغرافي، فتدرك تركيا أن إيران ليست كتلة بشرية متجانسة، بل فسيفساء عرقية ومذهبية دقيقة التوازن. أي انفجار داخلي هناك لن يبقى محصورًا داخل الحدود الإيرانية، بل قد يمتد تأثيره الاجتماعي والسياسي إلى دول الجوار، بما يحوّل المنطقة إلى ساحة توترات طويلة الأمد تهدد النسيج الاجتماعي والاستقرار الإقليمي.
ويضاف إلى ذلك بُعد الهجرة واللجوء، إذ تشكّل إيران حاجزًا جغرافيًا وبشريًا مهمًا أمام تدفقات سكانية كبيرة قادمة من الشرق. انهيار مؤسساتها الأمنية والحدودية قد يحوّل تركيا إلى معبر رئيسي لموجات هجرة واسعة، وهو عبء ديموغرافي واقتصادي واجتماعي يصعب على أنقرة تحمّله، في ظل الضغوط القائمة أصلًا على هذا الملف.
ختامًا، لا يمكن قراءة الموقف التركي من سيناريو إسقاط إيران بوصفه دفاعًا عن سياسات طهران أو اصطفافًا مع مشروعها، بل باعتباره دفاعًا عن مبدأ استقرار الدول ومنع الفوضى الشاملة. فالرسالة التي تتبناها القيادة التركية، ومعها قطاع واسع من النخبة الفكرية، واضحة: في هذه الجغرافيا المعقدة، إسقاط الدول لا يُنتج بالضرورة دولًا أفضل، بل غالبًا ما يطلق سلسلة أزمات تتجاوز حدود الدولة المستهدفة لتطال الإقليم بأكمله. ومن هذا المنظور، فإن الحفاظ على استقرار الجوار ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية في حسابات الأمن القومي التركي.






