مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: مصر وتركيا.. إعادة ضبط البوصلة الإقليمية


في توقيتٍ إقليمي بالغ الحساسية، تكتسب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة – بعد محطة محورية في المملكة العربية السعودية – دلالات تتجاوز الإطار البروتوكولي المعتاد. فنحن أمام تحرك تركي محسوب يأتي في لحظة تتكاثف فيها الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة، وتتزايد فيها نبرة التهديد تجاه إيران، بما يضع الشرق الأوسط على حافة سيناريو مفتوح قد يعيد رسم خرائط النفوذ، ويختبر قدرة دول الإقليم على إدارة أزماتها بعيدًا عن منطق الإملاء الخارجي.

فلسفة التحرك التركي.. من الوساطة إلى الفعل التوازني

اختيار القاهرة بعد الرياض لا يمكن فصله عن سعي أنقرة لإعادة بناء شبكة تشاور مع العواصم العربية المركزية، وفي مقدمتها مصر، بوصفها ركيزة لا غنى عنها في أي معادلة استقرار إقليمي. هذا التحرك يعكس رغبة تركية واضحة في التحول إلى فاعل توازني يسعى إلى احتواء الانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة، ومنع تفكك الجبهة الدبلوماسية الإقليمية لصالح مقاربات أمنية قصيرة النفس.

وتبرز القضية الفلسطينية هنا باعتبارها مساحة التقاء مركزية لا يمكن تجاوزها؛ إذ يفرض الواقع الراهن تنسيقًا مصريًا–تركيًا أعمق لمنع تصفية القضية أو تمرير مخططات التهجير القسري، والدفع باتجاه صيغة «الضمانات الإقليمية» بوصفها المدخل الوحيد لأي استقرار حقيقي، بعيدًا عن الحلول المفروضة بالقوة.

المصلحة المصرية.. توسيع هامش الحركة لا تبديل التموضع

من زاوية مصرية، لا يأتي هذا التقارب من باب المجاملة الدبلوماسية، بل من منطلق مصلحة استراتيجية واضحة. فالقاهرة، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وتعقيدات أمنية ممتدة من غزة إلى البحر الأحمر، تدرك أن تنويع الشراكات الإقليمية وتوسيع هامش الحركة بين القوى الفاعلة بات ضرورة، لا ترفًا سياسيًا. والتقارب مع أنقرة يمنح مصر قدرة أكبر على المناورة، دون أن يعني ذلك انقلابًا في التموضع أو قطيعة مع الشركاء الدوليين، بل إعادة توازن مدروسة تحفظ استقلال القرار المصري.

الدولة تبقى والنظام يزول.. منطلق التقييم

وهنا لا بد من التأكيد على مبدأ حاكم في قراءة هذا المسار؛ فمهما بلغت درجة الاختلاف مع سياسات النظام القائم، يبقى الانحياز لمصر كدولة وشعب موقفًا ثابتًا لا لبس فيه. فالأنظمة كيانات مؤقتة تحكمها الظروف السياسية، أما الدولة بمؤسساتها التاريخية، والشعب بجذوره وعمقه الحضاري، فهما الثابت والباقي. ومن هذا المنطلق، فإن دعم أي تقارب إقليمي يعزز من الوزن الاستراتيجي لمصر ويحمي مقدرات شعبها يظل موقفًا مبدئيًا، بعيدًا عن الخصومات الضيقة التي لا ينبغي أن تمس ثوابت الأمن القومي.

الملفات الشائكة.. اختبار الجدية وبناء الثقة

لا يمكن الحديث عن إعادة ضبط البوصلة دون التوقف عند ملفين يمثلان الاختبار الحقيقي لعمق التفاهمات المصرية–التركية.

أولًا، الملف الليبي، الذي يظل حجر الزاوية في بناء الثقة المتبادلة. فنجاح القاهرة وأنقرة في دعم مسار سياسي حقيقي يحفظ وحدة الأراضي الليبية ويُنهي صراعات الوكالة سيكون مؤشرًا عمليًا على انتقال العلاقة من إدارة الخلاف إلى إنتاج الاستقرار.

ثانيًا، ملف المعارضة المصرية في تركيا، وهو ملف بالغ الحساسية يحتاج إلى معالجة مسؤولة ومتدرجة، توازن بين مقتضيات السيادة والمصالح العليا للدول، وبين الاعتبارات الحقوقية والإنسانية. المقاربة هنا يجب أن تقوم على تفاهمات سياسية شاملة، لا على منطق المقايضة أو الترتيبات الأمنية العابرة.

من التنافس إلى الشراكة البرجماتية

اقتصاديًا، انتقلت العلاقة بين القاهرة وأنقرة من مربع التنافس الجيوسياسي إلى منطق الشراكة البرجماتية، حيث يشكّل غاز شرق المتوسط والاستثمار المتبادل رافعة أساسية لهذا التحول. هذا التقارب لا يهدف فقط إلى تعظيم المكاسب الاقتصادية، بل إلى تأمين خطوط الملاحة الدولية، وضمان استقرار أسواق الطاقة في بيئة دولية شديدة الاضطراب.

ويمتد هذا التنسيق ليشمل ساحات حساسة مثل الصومال والسودان واليمن، في محاولة لاحتواء تدويل أزماتها، ومنع توظيفها ضمن أجندات إقليمية ودولية تزيد من حدة التوتر في البحر الأحمر وباب المندب.

لحظة البصيرة.. تحصين القرار والجبهة

وفي هذا السياق، تبدو اللحظة الراهنة لحظة اختبار للبصيرة السياسية، أكثر من كونها ساحة لتصفية الخلافات أو الارتهان لقراءات ضيقة. فالعالم يمر بمرحلة اهتزاز غير مسبوقة في توازناته، والمنطقة بأكملها تقف فوق صفيح ساخن، في ظل عودة مشاريع التفكيك وإعادة الرسم بأدوات أكثر قسوة ودهاء. وهو ما يستدعي مقاربة استراتيجية جامعة، تُغلِّب منطق الدولة ومصالحها العليا، وتُحصِّن الجبهة الداخلية بوصفها خط الدفاع الأول، دون أن تترك ثغرات يمكن للقوى المتربصة النفاذ منها لتحقيق مآربها على حساب استقرار الدول ومستقبل شعوبها.

خاتمة.. نحو إدارة إقليمية للأزمات

إن دلالة زيارة أردوغان إلى القاهرة تتجاوز بعدها الثنائي، لتؤشر إلى محاولة جادة لإحياء منطق الإدارة الإقليمية للأزمات عبر تنسيق محسوب بين القوى الكبرى في المنطقة. فأمن الشرق الأوسط والقرن الإفريقي لا يمكن ضمانه بلغة الحشود والتهديدات، ولا عبر حلول تُفرض من الخارج، بل من خلال توازنات دقيقة وشراكات واقعية قادرة على إنتاج حلول مستدامة تحفظ سيادة الدول وكرامة الشعوب.
وما لم تنجح دول الإقليم في الإمساك بزمام مبادرتها السياسية، فإن كلفة الفوضى القادمة ستكون أعلى بكثير من كلفة التفاهم اليوم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى