
تسعةُ فبراير لا يمرّ عاديًا في ذاكرة التاريخ، لأن بعض الرجال يولدون ليُربكوا المشهد، ثم يرحلون تاركين أسئلة أكثر مما يتركون إجابات. كان أحمد حسنين باشا واحدًا من هؤلاء؛ رجلًا جمع بين المغامرة والسياسة، وبين البلاط والصحراء، وبين القلب والسلطة.
وُلد عام 1889 لأبٍ أزهري مقرّب من دوائر الحكم، فتشكّلت شخصيته مبكرًا على تماسٍ نادر بين المعرفة والسلطة. الدراسة في أكسفورد لم تصنعه وحدها، بل صقلته، وأعادته إلى القاهرة بعينٍ ترى أبعد من المكاتب وأعمق من البروتوكول.
بدأت الخدمة العامة هادئة في وزارة الداخلية، ثم اشتعلت حين أُوكلت إليه ملفات الحدود الغربية والتفاوض مع إيطاليا. النجاح هناك فتح له أبواب القصر، فصار أمينًا أول للملك فؤاد الأول، ثم مستشارًا مقرّبًا، ورائدًا لوليّ العهد الملك فاروق في رحلته الدراسية إلى لندن عام 1935.
الصحراء لم تكن هواية، بل قدرًا. عام 1920 قاد رحلة استكشافية جريئة برفقة السيدة الإنجليزية روزيتا نوريس، ليكشف للعالم واحات العوينات وأركنو في الصحراء الغربية المصرية والليبية. منحت الاكتشافات الرجل الميدالية الذهبية للجمعية الجغرافية العالمية، ولقب رحّالة عظيم من الجمعية البريطانية.
كانت الرياضة وجهًا آخر للمغامرة. الشيش لم يكن لعبة، بل انضباطًا ومواجهة. تمثيل العرب الوحيد في دورة استكهولم 1912، ورئاسة الفريق المصري في أوليمبياد بروكسل 1920، ثم رئاسة النادي الأهلي ونادي السلاح الملكي؛ مسارٌ يقول إن الجسد عنده امتدادٌ للفكرة.
جاءت الكتابة توثيقًا لا استعراضًا. صدر كتاب «الواحات المفقودة» بالإنجليزية عام 1925 ثم بالعربية، نصٌّ شعريّ التوثيق سبق زمنه. قصيدة أحمد شوقي التي مجّدته رحّالةً ومغامرًا لم تكن مديحًا عابرًا، بل قراءة لروحٍ تمشي إلى المجهول بثقة.
كان القصر مسرحًا آخر. الزواج من لطيفة سرّي ابنة الأميرة شويكار، ثم العلاقة السرية بالملكة نازلي، أمّ الملك فاروق، جعلا الرجل في قلب عاصفة من الشائعات والسياسة معًا. علاقة ظلّت تُلاحقه، وتُضاعف حساسية موقعه في ميزان القوى داخل البلاط.
جعلته رئاسة الديوان الملكي للملك فاروق لاعبًا مركزيًا. نفوذٌ يهدّئ أحيانًا ويصعّد حين يلزم. مواقف حاسمة—من بينها الوقوف ضد ضغوط السفير البريطاني لامبسون—وضعت الرجل في قلب صراع لا يرحم.
جاء التاسع من فبراير 1946 ممطرًا على كوبري قصر النيل. اصطدام سيارة مسرعة أنهى حياة أحمد حسنين باشا. بدا الحادث عرضيًا، لكن الظلال لم تغب. شُبهات طافت حول البلاط، وحول خصوم دوليين، وحول رجل صار أثقل من أن يُترك.
لم يُغلق الرحيل الملف. بقيت السيرة مفتوحة بين من يراه مغامرًا عبقريًا، ومن يراه سياسيًا خطيرًا، ومن يراه الاثنتين معًا. حمل أبناؤه هشام وطارق وجيدة ونازلي الاسم، لكن الأسئلة حملت الزمن.
وجوه لا تغيب…
رجالٌ يمشون على الحافة بين الاكتشاف والسلطة،
فإذا سقطوا، سقطوا وهم واقفون.
ثمانون عامًا مرّت،
والحكاية ما زالت تقول
إن التاريخ لا يُنهيه حادث،
بل يطيله الغموض.







